8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هل تلغي دار فايار إعادة نشر كفاحي لهتلر؟ سجالات متضاربة حول نشر الكتاب

أثارت إعادة نشر كتاب هتلر كفاحي Mein Kampf، في باريس (عن دار فلاماريون)، سجالاً حاداً بين معارض لهذه الخطوة، وبين مؤيد لها. فالجانب الأول أنه كتاب مريض وضعه سفاح مريض، ومن العار إعادة نشره، متسائلاً ما جدوى هذا الكتاب، وماذا عسانا نفعل به؟. إنها لحظة أوروبية قلقة باعتباره شكل عند شرائح من المسلمين، والعرب، بيست سيلرز مسموحاً رواجه وتوزيعه. وعكس ذلك ولأسباب مرتبطة بالتاريخ وبحق وقانون حق النشر، كأنما هو مديح للنازية.
فاعتباراً من 16 كانون الثاني المقبل 2016 Mein Kampf مترجماً إلى الفرنسية، وكاملاً ومجانياً على وسائط الإعلام، حيث نجاحه بلا مثيل. وهذا يعني أنه سيجر طبعات أخرى، سواء مستوحاة منه أو مرتكزة عليه، وأن وضع شبكات التواصل غير مسبوق لأفكار هذا الكتاب.
لكن دار فايار استعانت بفريق من المؤرخين للانتباه إلى ما بعد النص مقدمة، ملاحظات هوامش في أسفل الصفحات، المصادرة النقد... علماً بأن حقوقه وقعت في الميدان العمومي، وأن أياً كان يمكن أن يترجمه. فالطبعة الأولى صدرت عام 1934، من دون أي تفسير لظروفه، ونصه، لكن مسبوقة بتحذير من بعض الصفحات، التي تم إلغاؤها عام 1979.
على كل حال، فقد كانت قراءة متوفرة في وسائل الإعلام الإلكترونية مجاناً، لكن السؤال المطروح، ماذا يمكن أن تثير طبعات أخرى، (بعد تحرير حقوق النشر)، توحي، أو تتضمن بعض النيات، لا سيما وأن إرث النازية، بدأ يعرف ظهوراً في بعد البلدان الأوروبية، كألمانيا، وفرنسا (لوباتا)، وإيطاليا...
صحيح أن دار فايار ملأت الترجمة بالملاحظات، إلاّ أنها، مع هذا، قد تلقى هجوماً من بعض اللوبيات اليهودية في فرنسا، وسواها، باعتبار أن الكتاب يحتوي على نظرة دونية الغائية لليهود باعتبارهم عرقاً انحطاطياً. وهذا شغل بال دار النشر. إلاّ أن الباحث الجرماني الاختصاص أوليفييه مانوني يتابع حالياً في دار فايار ترجمته للكتاب، وكذلك لغة هتلر البارانوية. كما ينشر كذلك تحاليله الخاصة، الانتهاكات والبنى التي أصابت اللغة الألمانية في هذا الكتاب، كما الانحرافات اللغوية الدائمة والتلاعب بالتعابير، أي نقد وشرح للمضمون وللأسلوب، وللاستعمالات البيانية والبلاغية. وهذه المقاربة المزدوجة، السياسية والكتابية، تناقض، (في الترجمة)، أناقة الترجمة السابقة، لكن تطمس ما أراد أوليفييه كشفه: اللعبة غير المفهومة بين الغنائية الألمانية المفرطة في الكلاسيكية (يستخدم هتلر أحياناً بعض الجمل ذات الغنائية الغوتية (نسبة إلى الشاعر الكبير غوته)، وبين هلهلة تغرق القارئ (والمترجم) في منطق خاطئ.
ونظن أن دار النشر لجأت ربما إلى كل هذه الوسائل التفسيرية والتبريرية والنقدية لتتجنب دعاوى محتملة عليها بمديح النازية.
على هذا الأساس عززت دار فايار اهتمامها وتأكيدها صدور الكتاب في الشهر المقبل، لكي لا تسبقه موجة من النقد والاتهامات، والتفاسير المعروفة أصلاً من أصحابها، وأفكارها، والمرتبط بعضها بالصراعات السياسية القائمة في فرنسا، وبوضع اليهود أنفسهم حالياً إزاء بروز الإرهاب الداعشي، والمخاوف التي تملكت بعضهم، إلى درجة بدأت فيها الهجرة المعاكسة من فرنسا إلى إسرائيل لأن فرنسا لم تعد آمنة لليهود، ولاستغلال نتنياهو هذه المناخات، لدعوة يهود فرنسا إلى المجيء إلى إسرائيل. فهتلر بالنسبة إلى كثيرين ليس مجرد مريض نفسي أو مجنون، أو مخبول، بل إنه صانع رؤيا عرقية لا تطاول اليهود فقط، بل العالم كله، أي أن دعوته العنصرية التي وجدت تلبية من الشعب الألماني الذي أذل في الحرب العالمية الأولى، خصوصاً بعد اتفاقية فرساي. فالكتاب هو برنامج سلطوي، ورسم لهيكل فكري وسياسي، حاول تطبيقه من خلال الحرب العالمية الثانية، سعياً إلى ما سمي الحل الأخير، أي هيمنة هتلر النازية على العالم، وتصفية اليهود وأعراق أخرى غير مجدية للعالم. واللافت أنه تم منع الكتاب في فرنسا، من قبل الاحتلال النازي نفسه عندما اجتاح فرنسا عام 1940: فقد كان الفرنسيون ليكتشفوا أنهم الشعب الأكثر كراهية لهتلر بعد اليهود.
أما اليوم، فمن الممكن منع صدور الكتاب، إلا في حال اتخذت دار النشر قراراً بإلغاء نشره، تحسباً لكل ردود الفعل. ومن أوائل الذين عبّروا عن رأيهم، هو اليساري المتطرف والنائب الأوروبي جان لوك ميلانشون، الذي ذكر دار النشر بواجب تحمل مسؤوليتها في توزيع أقصر في فرنسا المنهوشة اليوم بالأتنية والعرقية، ويقول: إن إعادة نشر هذا الكتاب، تعني توفيره لأي كان. ومن في حاجة إلى قراءته وأي منفعة منه؟ فهذا ليس من شأنه سوى إضافة الشر الذي يحتويه ولم يرَ في مشروع دار النشر فايار سوى جريمة ضد العقل، ونشر زعيم الكتلة اليسارية على موقعه الإلكتروني: لا لكتاب كفاحي ما دام هناك لوبان!. ومن خلال منطق ميلاتشون ومن يؤيده، لا نستنتج فقط بضرورة مطالبة دور النشر بعدم نشر كثير من النصوص المشابهة، ولكن أيضاً للباحثين، والمعلمين، والطلاب. وهذا يعني أيضاً في نظر مؤيدي ميلاتشون أن الفرنسيين لا يفهمون ولا يقرأون مما تغر بهم قراءة الكتاب بأن يصيروا نازيين...
وإزاء هذه الآراء التي تصدم وعي الفرنسيين ونضجهم، رأى آخرون، انه، وتجاوزاً لشخصية هتلر وايديولوجيته فان هذا السجال حول قدرة الأذية التي تسببها هذا الكتاب. بحث على سؤال ليخطه: ما هي حدود نضج المجتمع الديموقراطي الأوروبي، الذي بعد 70 عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية ما زال يخاف ان يسمح لمعاصريه بقراءة الروائي الكبير سيلين (معاد للسامية، ومؤيد للنازية)، أو نصوص أخرى، وكل هذا الكتاب الهتلري كفاحي؟
حكاية الكتاب
تبدأ حكاية هذا الكتاب انجيل النازية، خلف قضبان سجن لندسبرغ عام 1924، عندما قام شاب يدعى ادولف هتلر يحاول تبديد ضجره بكتابة برنامج سياسي، بعنوان كفاحي والمشروع مقدم بطريقة واضحة: دولة توتاليتارية وعنصرية: نظيفة من كل عرق آخر. وكل ذلك موجود في خطوطه الرئيسية: ضد النظام البرلماني، استعمار سياسي، معاداة السامية. وفي بداية عام 1930 بيعت منه 290 الف نسخة. بعدها، وغداة صعود المستشار هتلر إلى السلطة، تغيرت النبرة، صار الكتاب انجيل الرايخ الثالث وقد وزع عبر ادارة المصانع كراب إلى عمالها المستحقين وراح عمدة المناطق يهدونه إلى كل ثنائي يتزوج، واجبر الموظفون على شرائه. 4 ملايين نسخة وزعت عشية الحرب، 12 مليوناً في نهاية الرايخ كان عند الناس لكنهم لم يكونوا يقرأونه كما قال كثيرون بعد ذلك.
اسمعوا: لو كنا قرأناه لعرفناه المؤرخ هانز مومنسن، في تلك الفترة يؤكد انه الكتاب الأقل قراءة في تلك المرحلة لأنه لم يكن يعطي اي جواب سياسي. بل أن شاهداً الزاسياً يتذكر انه قرأه كـ تخدير؛ ترجمات عدة تمت، حذرة في بعض المقاطع لكن مشجعة لدى بعض عملاء برلين في الخارج. والبلد الوحيد المستثنى هو فرنسا، الذي تعرض فيه الكتاب للدوس بالأرجل. اما الحارث ليوتي فقد طالب كل فرنسي بقراءة الكتاب. وبعد الترجمات العدة باللاتينية، 1934 رفع هتلر دعوى لانتهاك حقوق الكاتب اما المحاكم الفرنسية، وتمَّ سحب الكتاب من الأسواق ومصادرة المخزونات.
وبعد اتفاقية ميونيح، تنشر دار فايار الكتاب بطبعة منقحة تموه كراهية هتلر للفرنسيين تحت عنوان مذهبي.
أما في العالم العربي الذي كان منقسماً بين مؤيد للنازية (منهم الاخوان المسلمين والعديد من الشرائح التي كانت ترى ان هتلر يمكن ان ينقذها من الاستعمار الغربي، فسمح بنشر الكتاب إلى العربية منذ الأربعينات، ووزع بطريقة مكثفة، سواء في المكتبات أو في البسطات أو حتى الأرصفة. وقد اعيد طبع الكتاب عدة مرات، ووزع في عدد من البلدان العربية، ومنها لبنان.. لكن بعد سقوط هتلر، استمر الكتاب في الواجهات، لكن تراجع انتشاره بطريقة كبيرة. وقد علل بعضهم اقبال بعض العرب وخصوصاً الأحزاب التي انشئت على المثال النازي (الاخوان المسلمون هم الأوائل)، وغيرها، خصوصاً اليمينية ذات النزعات العسكرية، والعنفية والطائفية، فلأنها تماهت بأفكار هتلر بل يمكن القول ان العالم العربي انقسم بأحزابه، بين مثالين: الستاليني (الأحزاب الشيوعية) والنازي (الأحزاب المفرطة في القومية، أو المذهبية).
أما اليوم، وكأنما انقرض هذا الكتاب، واعادة طبعة أو عدم طبعه، لا يشكلان لا صوتاً، ولا أي رد فعل، لأنه بات وإلى حد كبير، من متاع الماضي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00