ندى الحاج في معظم دواوينها التي صدرت تتحرك في دائرة الروح، والحالات الداخلية، وتشابكها، وآفاقها المادية والدينية والعاطفية. إنها مناخاتها تتردد حيناً بإيقاعات شفافة، وأخرى بنبرات الغضب، والتململ، والأسئلة، والاندهاش. كأنما اختطت لتجاربها هذه الدوائر المتداخلة، التي تنأى عن الأوضاع العمومية، والاجتماعية، بل كأن نأيها هذا، قادها إلى هذه الفضاءات الخصوصية.
ديوانها الجديد تحت المطر الأزرق (عن منشورات ضفاف)، تحوم هواجسه، وغيومه، وفصوله، وعناوينه، على ما يعتمل في داخلها من توق إلى المطلق، والروح، ونوع من الهيام الذي يتجاوز الرغبات الكاسرة، أو الجامحة، أو الهاذية في علاقة الجسد وتماسه، وحدوده. كأنما البراءة الأولى أو أخريات البراءة (سيان) تتحلل قصائدها. لكن هنا تتخذ البراءات سلوك الصفاء، والنقاء على غير انحياز إلى التجارب التي تسمى بأسمائها، وبكلتيها، أي العذرية، أو الأعمق من هواتف الحواس، واندفاعها، والله هنا، كأنه المنتصب كقوس قزح فوق أحاسيسها، وأسئلتها: الله الروحي، الديني، وليس الله المختلطة أسماؤه وصفاته في شؤون من يصادره، أو يجعله شريكاً أرضياً في ما لا ينسجم مع مفهوم ندى الحاج له:
أخفق!
من أجل أن تصفق يداي على نبض الله
أو
تلزمني ألف سنة لكي أعاين الله.
ولهذا، فالله مطلق المطلق، الذي يزرع المطلقات والكليات الروحية (ولو غامضة في الشاعرة).
وللحب مكانه بل كأن كل الأمكنة له ولو متوارياً، وخائفاً، ولاطئاً، وراء الكلمات أو التعابير: الحب بفصوله المبهمة، وبناسه المبهمين، وهذا يدفع إلى نوع من الارتداد، أو لملء الفراغ: لم أسعَ إلاّ لملء الفراغ في القشعرية، كل ذلك، وثمة فراغ. وهذا ما جعلها تسأل الفراغ (تجسيده):
سألت الفراغ عما بعده
أدمنت السؤال والجواب.
لكن السؤال ما طبيعته، وما سقوفه، وما اختراقاته، وما حدوده، وما آثاره؟ أهي العزلة:
جلست لأكتب/ طين صامت/ وعجز حارق.
أم الوحدة
الوحدة ألوان/ كنز أعمق من أن يرى وأهيف من سر. أهي اللامادة الروح، أو أطيافها، أو عناصرها غير المحسوسة. هنا يأخذ المحسوس مقامات غامضة، والتجريد ينزع إلى الروحية وصولاً إلى نوع من الصوفية (لا بمعناه المادي المرئي) بل بمقاماتها الكلية. فتحت المقامات الروحية توهج صوفي. إذاً لا الصوفية التبدلوجية، ولا الصوفية المصنوعة، أو المفبركة، أو المستغلة في الرغبات المحدودة (الجسدية)، وإنما في نوع من الأثيرية (والوصفية كطقوس وهيام وثنائية بين الله والإنسان ما تزال لغزاً لفظياً. فهل سترى يتحول اللغظ حياة تحسم بين الروح والجسد، بين الحواس وما بعدها). وتقول: لكي لا أقع من أغصان حدائقي/ سلمت سياجها ومنحتها الله. الله أمام الأشياء، واعتمالاتها، وحالاتها، ووراءها. أما الاندماج به، والحلولية في ملكوته فأمر آخر.
لكن ماذا يفعل الحب بين هذه الحالات الممكنة وغير الممكنة بين الأسئلة الكبر والأجوبة المعلقة، أو المؤكدة. وهل يكون الحب خارج هذه الصلات بين الصوفية والدين والروح؟ أهو تجريد التجريد، أو روضة الروح، أو تنزيه المنزه، أين الجسد؟ أين الحواس؟ أين الملموس، وأين الرغبة؟ هل هي واحد مع الشاعرة وتنفيها كلها أو تقاربها بخوف أو بحذر (أو بإيمان): أرتدي الحب ويرتديني، لكنه وقع في الجسم الآن. صار واحداً مع الجسد. الروحي والمادي وفي لباس واحد. أهذا ما يزرع فيها الذعر، والتوق إلى الهروب الحب يطاردني وأطيافه تظللني. والمطاردة تجري بين هارب ومطارد، لكن ندى الحاج، ومن دون تحديد تنتفض:
لو كان الحب رداء لخلعته
لو كان وردة لاقتلعتها،
لو كان الحب نفسي لأنكرتها.
لكن أي حب يتكلم عنه الصوفي أو الإلهي أو الجسدي؟
وهنا تقول: قد يكون الجسد آخر غير جسدك يلبسك ولا تلبسه، وقصة الجسد هي قصتي. ولكن يمكن الاعتقاد بأن الجسد ليس قصتها بل أزمتها، وتناقضاتها، وفرها وكرها بين التساؤلات.
أفكر بالهرب منك/ والذوبان بك/ بالسطو عليك/ والاختباء فيك/ في هذه السطور نستلهم الصوفية (الذوبان بك) والعنف (السطو)، والهروب (الاختباء فيك). هذا هو في النهاية مسار التناقضات: أو اليقين الغامر على أسئلته وتحفظه، وارتعاشه، وشكه: ونعرف ولا نعرف من هو الحبيب. نجهل قسماته. بل ندور حول حكايته ونبقى على هذا الدوران، لأن ندى الحاج أرادت كل شيء سراً لها، حتى الروح، إلى الله، إلى الحبيب، إلى الرغبة، إلى القلق:
ألتقط أسراري في علبة الأسرار/ وأرمي المفتاح في البحر/ ذلك لأنها في عمقها تنادي المطلق المجرد عبر الحواس، والمجردة فيه: إن الملتفة حول غزارة روحها/ المدعوة إلى الحب بمجانية/ بقبلة تنادي المطلق.
وتحت عنوان توغلاً في الرقة، كأنما تحاول ندى الحاج الاستراحة من لعبة الجسد والروح، وما بينهما، والماهيات، والصلوات، والزمن الغيبي، حيث لا المادة مادة، ولا الروح سوى اختزال الروح.
في هذا الجزء من الكتاب طغيان التأمل، والخاطرة، والالتماعة، والحكمة، والشذرة الشعرية، كأنما نشيد لما بعد الجسد واللاجسد، والحب وغموضه، وسيولته، وافتقاده: إنها الشفافية، تلاحقها ندى، مجروحة هنا، أو مليئة هناك، أو مستوردة في أكثر من مكان، أو بوحية، أو بسيطة، أو تبسيطية، أو التساؤلية:
لملمت أصدائي لأكتنز التوغل في الرقة
أو:
لماذا تغيب أنفسنا ونحن على مياه الخصور
أو:
سئمت الليل حتى فاضت نجومه من آباري
أو:
حين تاه القارب مشيت على الماء من أجل الماء فقط
أو:
للنار طعم كحفيف الهواء وزرقة الشموع في العيون
كتاب ندى الحاج فيض وتدفق وصوفية وحلولية وغيوب، والله، وحب، وغضب، وبوح والتماع يبذر فيه الصفاء وينضج في الكلمات، وفي السطور؛ الصفاء الروحي وإن مشوشاً، واليقين المطلق بالله، والتباس في موضوع الجسد، وتوغل في تجريده من حواسه.
كأن ذوبان الجسد في الجسد هو ذوبان الروح بالروح، واللاحواس بالحواس، بل كأنها عودة إلى الهيوليات، وإلى أسرار الجنة قبل التفاحة والحية واللعنة.
وإذا كان الحب حاضراً تتساءل وأين حواسه، وأين لغته، وأين تماساته! ندى الحاج ترقى به (أو تختزله) إلى مستوى مواصفات الصوفيين، والعذريين، والروحانيين. لكن، في كل ذلك نجد في كتاب ندى الحاج نضجاً، ونضارة، وشفافية، كان يمكن العمل أكثر على تكثيفها، وعدم إغراقها في الشرح، أو التبسيط، خصوصاً في شذراتها التي تختم فيها كتابها.
ونظن أن القصائد المهداة من ندى إلى أبيها الشاعر الكبير الراحل أنسي الحاج، مؤثرة، وقوية، ومخترقة تماماً، لهواجس الثنائية بين الجسد والروح، بين الحب ومفارقته. بل نظن أن هذه النصوص يمكن أن تشكل مرحلة جديدة شعرية لندى، لتوسيع دوائر تجاربها، وكتابتها، وهواجسها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.