8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فوضى الهُويّات المتفجرة!

قيل عن روبسبير انه رجل صافٍ بالمعنى الراديكالي، وقاطع بالمعنى الاستبدادي، وحالم بالمعنى اليوتوبي، ويوتوبي بالمعنى المقدس. وقيل عن حسن البنا والسيد قطب انهما جذريان في اسلاميتهما، ونقيان في الحنين إلى استعادة الامبراطورية الاسلامية (بعد سقوط الدولة العثمانية) وحاسمان في الفصل بين الاسلام والأديان الأخرى وصولاً إلى الغرب المسؤول عن هزيمة العثمانيين، وهذا ما استبطن فيهم، وفي أفكارهم، الكراهية لهذا الغرب الكافر على عكس الأفغاني، ومحمد عبده، والطهطاوي، الذين برغم رؤيتهم الإسلاموية أبدوا انفتاحاً متفاوتاً على الغرب، والتنوير والمعطيات الحضارية الجديدة.
انها محطات من القرن الثامن عشر والعشرين، أثرت إلى حد كبير وإن على فترات منفصلة، في الخلفيات التي اختزلتها الثورات فيما بعد. والأحداث والأيديولوجيات العربية.
وهنا بالذات يمكن الإشارة إلى علامات على اتصال بتلك المراحل الثورية والفكرية والدينية والثقافية: أي اختزالها حروباً دينية على غرار ما شهدته أوروبا في القرنين السادس والسابع عشر.
فالتاريخ، لا يموت، بل يحفظ في اللاوعي الجماعي والفردي ما عاده، وما مرّ به. فالحروب الدينية جزء من التاريخ، ولا يمكن أن تندثر بفعل ثورة علمانية هنا، أو هزيمة دينية، أو غزو أيديولوجي: فتحت كل هذه الطبقات الجوفية بذوراً تنتظر فصلها لتبرعم وتزهر.
هنا بالذات يمكن الاشارة إلى محطات مهمة في التاريخ العربي، والعالمي والتي بقيت على تماس باطني بهذه الاتجاهات سواء الدينية منها أو الطائفية، أو العنصرية.
ويمكن هنا أن نتذكر مثل هذه المحطات التي نرى انها ليست بعيدة عما يجري، اليوم، فكأنها ممهدات له، وخلناها، عندما قامت انها منفصلة، ومحدودة ومحصورة.
في 1948 نشأ الكيان الصهيوني على أساس ديني، توراتي، ليغتصب فلسطين العربية دَعَمَه في ذلك العالم كله، واعترف بعدوانه كل من الاتحاد السوياتي إلى الولايات المتحدة وأوروبا... وسائر الخلق. حرب اسرائيل دينية أو كما يراها الكيان الصهيوني، انتقام من العرب والمسلمين، واستعادة الحق الإلهي في استرجاع أرض الميعاد.

[1958

في 1958 اندلعت أحداث ظاهرها لبناني سياسي وباطنها مذهبي. وفي 1975، استعيدت هذه الأحداث المحدودة الأثر بحرب طائفية شاملة، ما زالت مستمرة حتى اليوم، وشارك فيها العرب واسرائيل وسواهما.
في سوريا، قام في السبعينات نظام عروبي برانياً، ومذهبي أقلاوي ضمنياً، تحت شعار البعث العلماني. وقبلها اشتعلت حرب الأيام الستة بين العرب والكيان الديني الصهيوني.


[1975

وهنا نصل إلى العام 1975، كمختزن لكل هذه الظواهر التاريخية والتحولات الجغرافية، واسترجاع فكرة التقسيمات العثمانية والاستعمار الأوروبي (القرن التاسع عشر). إنها الحرب الشاملة، حرب الهويات المذهبية التي نتج عنها تقسيم مذهبي على مجمل الأراضي اللبنانية وخطوط تماس عديدة بشعارات أسّس لها عرفات وسوريا البعثية والأحزاب اللبنانية واسرائيل، من لبنان الكرامة والعنفوان إلى عروبة لبنان فإلى ابتكار ذرائع فتنة ساهم فيها الجميع من مسألة الامتيازات إلى مسألة الوجود الفلسطيني...

[1979

لكن عام 1979 كان مفصلياً مكتظاً بالظواهر المماثلة والمُحاكية: ها هو البابا يوحنا بولس الثاني يتحضر لتجاوز الستار الحديدي في الوقت الذي تشهد بولندا تظاهرات نقابية عارمة بقيادة ليش فاليسا، وانتصرت سياسياً على النظام الشيوعي. فالبابا قاد ثورة أشبه بالدينية لقلب الأوضاع ضد الشيوعية.
أما الحدث الكبير والمفصلي فكان في ايران: يعود الإمام الخميني من منفاه (العراق- باريس) ويُحدث ثورة كبرى ويقيم في إيران أول جمهورية إسلامية (شيعية) يريد تصديرها إلى العالم. وهنا بالذات، برزت عنده الاتجاهات التكفيرية افتتحها الإمام الخميني بعدما ظن العالم انها انطوت. والمعروف أن الخميني خرج من تعاليم السيد قطب وحسن البنا، (وهما سنيان) ليحول نموذجهما (المتأثر بالنموذج النازي) إلى نموذج مذهبي مقنع. بين ثورة إسلامية عالمية إلى ثورة شيعية تحولت بعدها حرباً بين العراق وإيران أي بين السنة والشيعة.
وفي 1979 يقرر بريجينيف اجتياح افغانستان ليتلقى الاتحاد السوياتي هزيمة مدوية هناك من دون أن ننسى أيضاً تأسيس القاعدة (بن لادن) على أيدي السي. آي. إي. لتكون السلاح الديني المؤمن ضد الاتحاد السوياتي الكافر: بيد يحملون القرآن وبالأخرى استراتيجية المخابرات الأميركية. ونظن أن انشاء القاعدة الدينية، لا ينفصل عن حدث الثورة الإيرانية من حيث المعاني، والآثار، في ما يجري اليوم: سُمي جهاديو القاعدة بالأفغان العرب. هناك في طهران حركة عاتية مذهبية (شيعية) وفي أفغانستان جهاد إسلامي (سني).
وفي 1979 ينتصر رونالد ريغان الجمهوري في الانتخابات الرئاسية بتحالفه مع الإنجيليين المتطرفين.
وفي عام 1979 بروز حزب غوش امونين؛ كتلة الإيمان في الليكود وتحقق للمرة الأولى نجاحاً انتخابياً على حزب العمل واليسار (سقط زمن أبطال 1967). كأنما هذا الانتصار يجسد ملامح تحولات في عمق الصهيونية نفسها وفي أفكارها وكيانها. فإلى التطرف العلماني (اليهودي) في اسرائيل ها هو التطرف الديني اليميني. وهنا بالذات بدأت تهتز في اسرائيل ما سمي الديموقراطية الغربية والاشتراكية، وحتى التفكير العلماني، ليستمر هذا الاتجاه بالنمو ليتوصل إلى اختراق أكثرية الشعب الاسرائيلي: تراجع اليسار تراجعاً قوياً (خصوصاً بعد اغتيال بطل اسرائيل رابين).
في غزة بدأ تحول الصراع الفلسطيني الاسرائيلي إلى صراع ديني. وقد اتهم بعض القياديين الفلسطينيين واعلامهم اسرائيل نفسها بإنشاء حماس (الطالعة من هذه الظاهرة الجديدة)، لمحاربة عرفات، واحداث فتنة بين الفلسطينيين أنفسهم. التطرف الحماسي يقابل التطرف الاسرائيلي المذهبي، لكن الأول بهدف تحرير فلسطين والآخر بهدف تهويدها.

[ السنة والشيعة

ولكن في 1979 أي بعد اعلان الجمهورية الاسلامية في إيران، بدأت ملامح صراع شرس بين السنة والشيعة بين السعودية والفرس (من أهوالها الحرب التي اندلعت بين العراق وإيران). ويمكن القول هنا، إن آثار الحروب الدينية، أسست عميقاً لظهور الطائفية السافرة والمعلنة، يمتد بعضها إلى عدد من البلدان العربية حيث يتواجد الشيعة: الكويت، اليمن، العراق، سوريا، ولبنان لتهتز بفعل ذلك أركان النهضة التنويرية والعلمانية والجماعية المدنية. انه صدام المذاهب، اسس بعد ذلك لما سمي صدام الحضارات ونهاية التاريخ (بعد سقوط جدار برلين والاتحاد السوياتي) وخروج الله من أدراج الشيوعية واليسار والثورات الماركسية والليبرالية. عاد الله إلى الأرض بشعارات وجهاديات مذهبية دينية (نتذكر الإخوان المسلمين في القرن العشرين عام 1926).
سقط الاتحاد السوياتي (سبق ذلك رحيل الزعيم المصري العروبي العلماني الكبير جمال عبد الناصر ليخلفه الرئيس المؤمن محمد أنور السادات)! فصدام الحضارات ونهاية التاريخ، كأنما بداية لصدام الأديان وخصوصاً الاسلام مع الغرب، ونهاية التاريخ هي بداية تاريخ آخر. (والتاريخ لا ينتهي بسقوط الاتحاد السوياتي الذي احتكر حركته؛ حركة التاريخ) واهتزت هنا مجمل الانجازات الثورية والتنويرية وعناوينها العقل والتقدم والتطور والصيرورة وحرية الاختيار ونفي القدرية الغيبية والإرادة الانسانية بمدارسها الوجودية واليسارية واليمينية والليبرالية. فهناك تفسير آخر للعالم وينبوعه هو القرآن الذي يحمل كل الأجوبة وكل التحديات والتشريعات والقوانين. وهنا بالذات حاولت الديانات التاريخية (سبقتها جميعاً اليهودية الصهيونية) استعادة المبادرة بعد عام 1989 وإظهار قوتها في العودة إلى حضارة الانفصال عن التاريخ الحداثي وبروز المذهبية، والنهوض الديني بقي فترة طويلة كخلايا نائمة، لكن وبرغم تعددها، لم تعرف المواجهة، تأتي المواجهة إذاً القاسية، وفي اتجاهات عدة، محلية وعربية وعالمية. انه القرن الحادي والعشرون، أي القرن الذي نقل العالم من الحروب الأيديولوجية (الدينية) إلى الحروب المذهبية. فالحضارة كأنها باتت تُختزل بالمجتمعات المُصغّرة لتشكل أساساً ردة فعل على القطبية العالمية الشاملة، وعلى الاتجاهات التوحيدية العربية والدولية والأيديولوجية: لا بروليتاريا ولا يا عمال العالم اتحدوا ولا للمواطن العالمي الذي بات منطقاً خرافياً، ولا للإسلام الموحد، ولا للمسيحية الموحدة، ولا للمجتمعات الموحدة: انها مراحل التفكك العنصري، ومراحل العودة إلى الماضي وشطب الحاضر والمستقبل: بل كأنهما عالم افتراضي هيولي عنيف يحل محل الحقائق التاريخية الكبرى، واشكال اليقين العقلي والعلمي وأدواته النقدية.
انها مواسم الهجرة إلى الأصول ومواسم العودة من التاريخ والمستقبل. الأصول تمتد بجذورها والأصولية تتحول من أصولية حديثة مدنية سياسية إلى أصوليات عنصرية اثنية قبلية، مذهبية. الأصوليات فككت البنى الأيديولوجية المتماسكة بمناهجها أو بقوة عنفها.

[ العولمة السعيدة

وهنا بالذات. وفي هذا التلاطم الضيق بين صعود أشكال التفكك والعنف الرمزي والماضي تهلّ العولمة السعيدة بوسائل اتصالها يوتيوب فيس بوك، هواتف خليوية وباتت الشاشات والأسلاك جزءاً من وسائل انتشار هذه الظواهر وكذلك التلفزيونات والصحف.... لتنقل المقدس من النص الأيديولوجي التاريخي إلى النص الديني المذهبي؛ ومن هذه المنصات بالذات تحركت الأصوليات والهويات الماضوية (المقدسة أيضاً). فمن حرب لبنان على الهوية المذهبية إلى حروب تكتسح العالم باسم الهويات المتضاربة. وهنا نستعيد ذكرى هتلر وهوية العرق الآري (كمقدمات لذلك كله). انها تعددية الهويات القاتلة بكل سلبياتها ، خصوصاً عندما تختزل كل الهويات الثقافية والحضارية والسياسية والاثنية، في هوية واحدة لتؤدي إلى مقولة ماركوز الانسان ذو البعد الواحد. فالتعددية التي وقعت في الأحادية والقطبية تحولت قطبيات مشذرة. وباتت الحروب (الحالية) تندلع تحت هذه الشعارات: ما من حرب سوى مذهبية، وما من انتصار سوى مذهبي. ها هي الأديان تعود على أطباق الصراعات الاثنية (الأكراد تركيا، الأكراد العراق)، الشيعة والسنة، الإسلام والمسيحية، الاسلام ضد الاسلام، المسيحية ضد المسيحية: تحولت هذه الصراعات ذرات لا تلتئم في جسم واحد، بل تفككه بمعطياته الأصلية. وكأننا نعود هنا إلى بعض المقولات: كأنما لا تفعل الأديان سوى الحروب (قبل الأديان التوحيدية حروب الوثنية بمقدساتها وأشكال ايمانها). وهذا ما قاله المفكر فرانسوا كولاسيمو في مقابلة أجرتها معه لونويل أوبسراتور مؤخراً، يتبادل أصحابها الاضطهاد والقتل والتهجير والحصار والإلغاء: مسلمو آسيا يضطهدون البوذيين ومسيحيو الشرق يقتلون بأيدي المسلمين الأصوليين وسنة العراق تضطهدهم المذهبية الفارسية الإيرانية: مسألة الهويات على النموذج الفوضوي ، الجنوني، التعصبي، العبثي. وبات الدين (بمذاهبه) محور صحوة هذه الهويات اضافة إلى العِرق والاثني وحتى الجغرافي: فلا صراع طبقات، ولا صراع اجتماعي ولا ثقافي ولا حضاري ولا سياسي، ضرب كل أشكال الصراع العقلاني والمادي والعلمي والتاريخي وحتى الأيديولوجي.
وها نحن اليوم كما يقال في حرب دينية (مذهبية أصولية) عالمية جديدة، وها هو داعش الذي نما بسرعة مذهلة بات الدولة اللادولة التي تعلن حربها على كل العالم: الشرق والعرب والغرب والسنة والشيعة (ما عدا اسرائيل وإيران حتى الآن!) والسؤال هنا: ما مصلحة هذه الشراذم المنظمة من معاداة العالم كله دفعة واحدة! ألإجباره على الاعتراف بها كقوة وحيدة تواجهه، وبالتالي استدراجه لشرعنة ارهابه؟ ام ان وراء كل ذلك نوازع انتحارية علي وعلى أعدائي يا رب؟ وقد لبّى العالم المتحضر نداء داعش بقبول هذا التحدي: تحالف دولي، أميركي (أين كان اوباما عندما كان داعش مجرد شراذم في بداياته في سوريا؟) روسي، أوروبي، اسلامي، خليجي- سعودي- يميني يساري يستنفر امكاناته الأمنية والسياسية والعسكرية للقضاء على هذه الظاهرة الإرهابية السرطانية، ليتخلى عن بعض أولوياته (بالطبع يتناسى هذا العالم ما يرتكبه ارهاب الدولة الصهيونية والمستوطنون من جرائم في فلسطين والدليل أن روسيا تنسق مع اسرائيل في سوريا). وها هي روسيا، تنخرط في الحرب السورية بطريقة رسمية ثم تعزز سلاحها بعد اسقاط الطائرة المدنية في سيناء بل بات العالم يتذكر ذاكرته: يتناسى ارهاب النظام البعثي في سوريا ويبدي استعداداً للتنسيق معه ضد داعش. وينسى جرائم بوتين في جورجيا والشيشان وأخيراً غزوته لأوكرانيا وتقسيمها وضم القرم إلى روسيا بسلاح إرهابي جديد عنصرية اللغة وإيران أيضاً، الفاتكة بكثير من البلدان العربية ضمن المخطط الاستعماري الجديد الهلال الشيعي لتمد نفوذها الارهابي إلى لبنان، واليمن وسوريا والعراق والبحرين!
الغريب إن الارهاب بات يحارب إرهاباً آخر، وقتلة شعوبهم ومهجروها وسفّاحوها ها هم يأتون كأبطال خلاص، ضد إرهاب يُتهم بعضهم بأنهم صانعوه: من تركيا أردوغان إلى إيران خامنئي، إلى روسيا بوتين، إلى اسرائيل نتنياهو. فهذا الأخير، يشارك أيضاً كإرهابي ضليع في محاربة ارهاب داعش: العنصرية والأصولية والتعصبية اليهودية تحارب الأصولية الداعشية.

[ فوضى الهويات

انها الفوضى العالمية اليوم بكل تفجيراتها وعنفها، وأزماتها ومخاوفها وعنصرياتها تدخل في حروب عالمية بتوسعها، حروب دول قائمة، ضد لا دولة قائمة. حروب الأنظمة الملتبسة ضد دولة لا نظام فيها، حروب آلهة الأرض الشقية ضد دولة أصولية لا معقولة تستنجد بالإله الواحد لتحارب كل الديانات التوحيدية. فاذا كان لداعش إلههُ الخاص، وللنصرة الهها الآخر ولروسيا الهها اللغوي الارثوذكسي ولايران الهها الخاص الشيعي، وللإخوان المسلمين الههم السني فيعني كأننا وقعنا في تعددية الآلهة (نتذكر الأولمب الاغريقي) أي حروب آلهة الأرض على اله السماء!
انها فعلاً تراجيديا هذا الزمن وكوميديته.. لكن في الحالين لا ينتصر مع هؤلاء سوى مخيلاتهم المريضة!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00