شَلَل مستطير، قصائد من غرفة العناية الفائقة مجموعة شعرية جديدة صدرت (عن دار الجديد)، للزميل جهاد الزين، إنها قصائد أبعد من غرفة العناية الفائقة، وإن كانت من عبقها، وصمتها، وجمادها، وغموضها، وذلك الرجل الذي يتمدد، ربما بلا رحمة، أو حول، كأنما القدر استمكن منه. جسده. وهنا القدر يطلع من الجسد، وهوانه، وعدم كماله، ونقاط ضعفه، وهشاشته. كل من مرّ بفرقة العناية الفائقة (وكاتب هذه السطور منهم)، كما يشعر بأن النهايات والبدايات والزمن والأمكنة والجغرافيات والمشاعر، تتواكب على تمازج، وتتسابق على وهن، وتحس وكأنها من أثقال وقت ملتبس.
عندما قرأت كتاب جهاد الزين، ماثلته، وتماهيت به، لأنني عشت تجربته. تلك التي تعبر الكائن وكأنه تحول إلى مجرد جسم معروض لكل أشكال المصائر، والخصائص، والعبور، والتوقف، والآمال، واليأس. وهنا بالذات تتخذ الكلمات طعم كل العمر، بمد يده، أو بانبساطاتها، أو باعتمالاته، أو بانتظاراته. غرفة العناية الفائقة هي غرفة انتظار المجهول. غرفة الحصار بالجدران البيضاء، أو الساطعة بظلالها الأبيض، أو حاملة الممكنات، والمفاجآت، والرحيل، والعودة، والوداعات، والأمل.
لحظات حية أحياناً، على جسم استهلكته حالاته. لكنها حية. كأنها الكوة الباقية لرؤية الحياة، أو تذكرها، أو كرهها، أو احتقارها، أو الكفر بها، أو... افتقادها البطيء.
لكن جهاد إلى تلك الداخلية المرة النائحة بعطور غامضة، يتمرد على أوضاعه.. يتمرد على جهاده. يتمرد على شرطه. فالجسم الصديق والأليف كأنه تحول غازياً نفسه، ملتهماً نفسه. عدو نفسه. إنه من الغزاة الداخليين. وكل مرض هو غزو الجسم، الجسم. انتهاكه. انتهاشه. وهنا تبدو المخيلة في ركام هذه اللحظات وكأنها تبحث عن ألوانها الأخرى، عن تداعياتها، يتذكرها، ويستعيدها: ليكون أصفرها صادماً اللون الأصفر صدمني اللون الأصفر المستخدم على جدران المقبرة الفرعونية، أصفر رصين متماسك شهي متواضع وغامض في آن. هذه الحداثة. لكنه تنويع على الشيء. عل ما خلّفه التاريخ في حواسنا. هذه التنويعات على اللون الأصفر (على بحر الرمل)، من أجمل قصائد الكتاب. ذلك لأن جهاد الزين يسقطها من جسده، وحالاته، ولغته، ومفرداته، وطبائعه. فاللون رؤيا في النهاية، في تدرجاته، وخصب في تأويلاته. اللون رؤيا أي تأويل. أي ابتكار. الأصفر هو الحنون على المراكب في الغسق/ الأصفر الجبلي جبروتاً ونار/ الأصفر المشبوه ورداً في المقابر (على وزن المتدارك). إنه من صناعة العينين الذاهلتين هنا، أو المستمتعتين هناك، أو المروعتين هناك...! بل كأن الوحدة نفسها تصنع ألوانها، أكان أصفر، أو أخضر، أو أبيض، أو أزرق... والوحدة صانعة الرؤى، والمخيلات، والوجوه. وهذا ما نجده في قصيدته السهو: وحيد ولست الوحيد فماذا ستفعل هذا الصباح لتخفي براهين يوم سخيف؟. فالسمو أيضاً لون من ألوان العبارة ضاقت أو اتسعت. ألوان الداخل واعتمالاته، وذاكرته وحالاته، وغضبه، وجنونه: ولن يختفي عند حذائك أي دليل بأنك مزقت قلبك أودعته سلّة المهملات... إنه الغضب المتحلي احتقاراً لهذا الداخل. وهذا العمر. وهذه التفاهات... ونظن أن نص الخديعة الأقسى، ليس سوى تجليات تلك الانشطارات بين الحياة والموت والخسارة لا أبجدية للخسارة فاخترع لغة الخسارة واعتنق ديناً يعادل موت ماضيك النهائي/ احتسب زمن الخديعة في الظهيرة بعد دفنك في الصباح. الخسارة لا تعني هنا خسارة شوط ما، بل هي اليأس من الخسارة... ومن الربح، ومن الحسابات: أي تعداد لها بعد الموت؟ لا شيء! الخسارة شاملة هنا، بلا رحمة، ولا سبيل، ولا استرجاع، ولا استرداد، وصولاً إلى الدين. كأن جهاد يريد ما يعادل موت ماضيه، لا أن يعوضه، أو يبرره، أو يفسره. هنا فعل الدين يستدعي ديناً آخر مجهولاً وميؤوساً منه. إنه الفراغ المطلق. فراغ الهاوية. فراغ السماء. فراغ المصائر. فراغ الحياة... وفراغ الموت: اللانهاية معدومة بنهاياتها، بخديعتها، بأصولها وبمساراتها. لكن يبدو أن الجهاد يرى في لحظاتها القصوى ما يعينه، وما يستدر عيشاً مسكوناً بالموت فمنهم بين أصوات الذين أحبوك وقد كثروا فجأة/ قرب شباك غرفتك المعتمة/ هل تراهم يدورون بين مرايا عنايتك الفائقة /لن تراهم ولن تسمع اصواتهم ترى لون اصواتهم من سريرك/ديالا ومروى تضيئان عجزك مثل انتظار أعياد رائعة في البعيد، انه الزوجة والابنة، ديالا من الوان الضوء، من الوان الأمل، من الوان ما يتبقى من حياة تعبة. فلا الدين، ولا الانتظار، او الخوف، ما يعنيك بل الآخر.
أي الانسان في صورته الحميمة، المتجذرة في الروح بل العصا التي يحطم فيها اليأس لا تجوز هزيمتك الكاملة /جسمك الميت ليس مهماً فسوف يقوم قريبا تقول ديالا ومروى/ وحقا يقوم.. انها معجزة العازر تتداخل في جسد منهمك. انهما شقيقتان، والمعجزتان. والايدي الممتدة كجسر بين الموت والحياة. انه الحب في النهاية صانع المعجزات لكن رصين غرفة العناية الفائقة ترفعه انفاسه، وذاكرته، الى الأمكنة التي أحب، من مدن (دمشق، بيروت، فالى اهدن.. بل تسترجعه صورة رغده في قاعة التدريب على الرقص، وأظن من أجمل نصوص الكتاب بصورها الجمالية، الصور مجسدة الحركة، وفي المشابهات الحية. قصيدة الصور هذه بامتياز: في قاعة التدريب كنت ضئيلة جداً وأوهى من شعاع خافت/تفيض قبل الرقص بالجسد المولّه كله/كحمامة حطت لتغوي نفسها.../ ومن القصائد الشجية الحنينية القريبة من القلب والحواس والمتأصلة كثرة من اياد.
سأغفو فتياً هنا في دمشق/ وأحمو هناك ببيروت كهلاً/سأغفو هنا منيعاً في دمشق/وأصحو هناك ببيروت هتلر/سأغفو سعيداً هنا في دمشق/ واصحو هناك ببيروت ميتاً.
مجموعة جهاد الزين هذه خاصة. وهذه فرادتها. عبر عنها بالتفعيلة، وخصوصاً بالبحور المتجانسة: الكامل، الرمل، المتدارك، المتقارب، مما يساعد على بلورة ايقاعات متحولة، وصور مركبة، ومشاعر قلقة، ونقمة قلقة...
انها قصائد الحواس، والقلب، والتأمل، يمكن وضعها كلها تحت صورة عائلته التي حضنها طويلا وحضنته في غيابه ممدداً على سرير المرض في غرفة العناية الفائقة، وخارجها!
عمق هذه النصوص ان الحب احيانا قريب من المعجزات.
مختارات
2. فاتني العرس
فاتني العرس الذي لم ينقض
وتمادى صوته مرتجعا
كلما حلمٌ من الشام أتى
ارتبكت غيبوبتي فارتدعا
4. الأصفر
ألأصفر البحري عمقاً واللئيم على المراكب في
الظهيره
اللئيم كما الظهيره
الحنون على المراكب في الغسق
الأصفر الجبلي جبروتا ونار
الاصفر المشبوه ورداً في المقابر
الأصفر الثوري إذ يأتيك مجنوناً ومفتريا وحار
الأصفر الذئب الذي يغزو جذور اللون يفتك في
اصوله
الأصفر الصفر الذي..
فالبدايات النهايات انتحار
8. المشفى
اعلمت انك راحل وعلمت أنك عائد
وقد التقت فيك الطريق
لا فرق بين الرحلتين فأنت ميت عائد أو أنت ميت
راحل...
لوح يديك على سريرك انه الوطن الوحيد،
سريرك الوطن الوحيد فحيّهِ..
شعباً وارضاً واحتفل بسلامه
حافظ على استقلاله
نم في بياض جباله وسهوله
وانشر شراشفه البهية راية
وارفع تِهِ الكأس التي حملت
دواءك نخبهم،
نخب الذين كرهت أو كرهوك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.