العطر والفقر وما بينهما مجموعة قصصية لاسماعيل الأمين، (عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت).
19 قصة، على الرغم من تنوع عناوينها، وأمكنتها، الجنوب، بيروت، لاسر ـ لندن، باريس، وتعدد شخصياتها، فكأنها رواية بتتابعها غير الأفقي، أو كأنها فصول يستكمل بعضها من دون قواعد الرواية التقليدية. لكنها، مع ذلك، تحتفظ بنكهة القصة القصيرة، باختزالها، ورشاقتها، واكتنازها، وسرديتها، المقطوفة قطفاً. أكان يمكن اسماعيل الأمين أن يصوغها كلها ضمن رؤية روائية متجانسة في زمنها، وأشخاصها، وأصواتها، في صوغ بنائي واحد؛ ربما! لكن ما قدمه في هذه النصوص يجمع الاثنين: اللغة المتجانسة الأسلوب، والسياقات السردية، والخيوط التي تجمع بعض فصولها وعناوينها.
نقول ذلك لأنني اكتشفت في كتاب اسماعيل الأمين هذا ما يوازي تصوراً روائياً يكتب قصة، أو قصاصاً يكتب رواية. وهذا ما عرفناه مثلاً لكتاب كبار، كتوفيق يوسف عواد وفؤاد كنعان ونجيب محفوظ ويوسف ادريس وموباسان ويوسف حبشي الأشقر والطيب صالح وحنا مينه ودوستويفسكي نفسه وغوغول ومورياك... وهنا بالذات أرى أن اسماعيل الفقيه، بخاصته السردية المزدوجة، كأنه تجاوز القول أن القصة القصيرة أقرب إلى الشعر منها إلى القماشة الروائية، باقتصادها الأسلوبي، وعمقها الشعري، وتلاوين مواضيعها، ومهارة تأليفها. فاسماعيل لم يكتب الشعر (بحسب علمي)، لكن كأنما ورث منه، تلك النزعة المشتولة والتعبيرية في التقاط الصورة، والمشهدية، ونثار الشخصية، وكسر الأفقية. لكن إذا تجاوزنا هذا التماثل، نجد أن الكاتب عبّر عن تمكن لافت في القبض على روح الأمكنة، وخلفية الأحداث، والتباس الأمزجة والأسماء والناس، ومقاربة الواقع بكثير من الاستقرار الحي، بعناصر عديدة، أبرزها السخرية، وتفكيك المعاني، وكشف العبث بما وراء العبث، ومسارح الأحداث بأحجامها الغامضة، ومفارقاتها، ونزواتها، ونزقها، وتراجيدياتها، والتصاقاتها بشروطها القاهرة أو بتمردها عليها، سواء في لبنان، الجنوب، بيروت، أو في فرنسا، ولندن...
ولهذا، يبدو على وضوح أنها سيرة متقطعة (والسيرة الذاتية نوع روائي وإن رأى بعضهم أن كل سيرة ذاتية هي متخيل ذاتي). لكن إذا كان لنا أن نتكلم عن المتخيل فيبدو من حالات الكاتب، وتجوالاته، وتنقلاته، وتعارضاته، واستسلامه، ومغادراته. فصيغة الغائب هي صيغة المتكلم. ولا فارق بينهما. أي أن الذات وهواجسها، ومعاناتها، وأحوالها هي التي تحرك الشخصيات، ومسارح الأحداث، والعلاقات العابرة أو المتوالية، بواقعيتها وبغراباتها، وما تمثل من هوية برانية، أو هويات مكتنزة وحتى متصارعة. لكن يبدو أن الجرح الجنوبي اللبناني، والغزو الصهيوني، كان الأدمى، والأقسى، والأشرس بين تلك التواريخ والوقائع، خصوصاً الأسر، وساحات القتال، والنضال. لكن هذا الجرح الذي لا يندمل أصلاً، رافقته أو سبقته أو أعقبته جروح، التأمت هنا، أو لم تلتئم هناك، سواء تركت أثراً أو تركت ظلالاً: الحب، والمرأة، والغربة، وما بينها من مسافات ومدن وأرصفة وأزقة ومقاه وحانات وخمر... وعشق، وعلاقات... ويمكن القول أن هذه الأسفار والانتقالات لم تكن في الأصل، هروباً من واقع، أو مجافاة لتاريخ خاص أو عام، أو غضباً من خديعة، أو إشارة، إلى إحباط، بقدر ما كانت جزءاً من طريق واحد، بين الوطن، وبلاد الله الواسعة.
ونظن، أن جمع الخاص بالعام، والذات بالموضوع، على تناقض ما فيها، أو خلافها، أو انقطاعها، كل ذلك يشكل بانوراما مسيرة معلنة أو غير معلنة، أو دليلاً ببوصلات متعددة لكن غير مخطئة، أو عمياء.
ويأتي الكتاب كواصل لهذه المناخات، والأجواء، بما فيها من استمرارية لخط يجمع بين الواقعية الحادة المباشرة، الصادمة، وبين المتخيل بسواده وبياضه.
مجموعة اسماعيل الأمين القصصية، كأنها تعيد الروح لهذا الفن القصصي الذي يعاني ندرة أمام الشعر... والرواية.
مختارات
[المَهر
عاد حسن من الكويت بعد ثلاث سنوات وفي جيبه، وفق ما أشاع الجيران، أكثر من ثلاثة آلاف روبية، صرفها في اليوم التالي بأكثر من ثلاثة آلاف ليرة. وما إن انتشر الخبر حتى توافد الجيران والأقارب أولاً ثم معظم أبناء القرية. شرب الجميع مختلف أنواع الكازوز من التمر الهندي وجلول إلى الكندادراي. وتذوق الجميع سجائر من أنواع مختلفة لم يسمعوا بها من قبل. أشاد الجميع بطعم هذه السجائر ورائحتها، خصوصاً لاكي سترايك الأميركية أو لوكي الكويتية، باستثناء كحيل الذي أصر على تدخين الفلت الذي فرمه قبل أيام من محصول حقله. رفض كحيل سجائر اللوكي لأن ابن خالته رضا كان قد بعث إليه برسالة رداً على طلبه إرسال كرت زيارة لأنه قرر السفر إلى الكويت بعدما ترك المدرسة وأمضى سنتين من دون عمل باستثناء مساعدة والده في زراعة الدخان وقطفه. أكد رضا لابن خالته كحيل استعداده لإرسال كرت الزيارة لكنه حذّره من صعوبة العيش. وكان رضا قد ترك القرية بخُضرها الطازجة وهوائها العليل ومياهها العذبة المسكلبة المبرّدة في أباريق الفخار المصفوفة على الشبابيك الشمالية، ليرمي نفسه، في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، في صحراء قاحلة حرّها شديد ومياهها مالحة، ويُخصص لكل مجموعة من المهاجرين حوش يضم عدة عائلات، كل عائلة في غرفة، إضافة إلى غرف أخرى يُدحش في كل منها ستة أو سبعة ذكور، وقد يصل العدد إلى عشرة لدى وصول مهاجرين جدد.
ألحّ خليل على كحيل وأصرّ كحيل على رفضه، فتناول حسن علبة لوكي مسكّرة ودحشها في جيب كحيل الذي لم يظهر أي إشارة إلى أنه شعر بأن العلبة أصبحت في جيب قميصه الفضفاض الذي أعطاه إياه، الصيف الماضي، أخوه الجابي في شركة مياه جبل عامل، والذي تزيد قامته على قامة أخيه بنحو شبر ونصف الشبر، ويتقدمه كرشه ببضع بوصات إيذاناً بأنه الابن الشرعي لهذا الفخذ في العائلة الذي عُرف ببيت بو كروش بخلاف كحيل، الوحيد من أبناء هذا الفخذ، الذي ظلت معدته مجوّفة إلى الخلف، ربما من كيده، كما كان يقول ابن عمه عبدالرضا.
ـ أعطِنا سيجارة.. قال عبدالرضا..
سحب كحيل العلبة الصفراء المحشوّة بالدخان الفلت وقدّمها لعبدالرضا من دون أن يلتفت إليه.
ـ لا. ليس من هذه.
ـ من أين إذن؟
ـ من علبة اللوكي.
ـ أي لوكي؟ قال كحيل باستغراب شديد.
ـ العلبة التي دحشها حسن البلّوطة في جيبك أمام الجميع.
ـ إلى متى ستظلون بهذه العقلية الإقطاعية. قال كحيل الذي كان قد لحق أخويه وانتسب إلى الحزب الشيوعي إبان الاضطرابات الأمنية التي يسميها الحزب في أدبياته الثورة ضد عملاء الإمبريالية من أنصار حلف بغداد.
ثم أضاف وسط دهشة عبدالرضا الذي استغرب العلاقة بين السيجارة والإقطاع.
ـ حسن البلّوطة حين كان يعمل أجيراً عندكم. أما وقد كدح في الكويت وعاد بثلاثة آلاف روبية فقد أصبح من العيب تجاهل اسمه الحقيقي: حسن زهرالدين.
حسن كان مثل معظم الفلتيّة في الضيعة يُنسب إلى لقب أمه البلّوطة. البلّوطة لأنها كانت قصيرة وسمينة وبالتالي مكتنزة مثل البلّوطة.
البلّوطة هي ثمرة الملّول وكستناء الفقراء وقمح أيام القحط. يشويها الأطفال على صفيح معدني صدئ يوضع فوق موقد من حجرين صغيرين، وتوقد ناره من عيدان الحطب اليابس المنتشرة في الحقول. وأيام القحط أو بعد مواسم غزو الجراد وفراغ صوامع القمح، وندرة الشعير والذرة بنوعيها الأصفر والأبيض، يجفّف الفلاحون البلّوط لطحنه وخبزه.
ـ بطّل حسن البلّوطة لأنه خلع عليك علبة لوكي؟!
سحب كحيل العلبة من جيبه ورماها بعيداً لتستقر في قمة مزبلة عياش. لكن عبدالرضا كان قد وصل إلى رأس المزبلة معها أو بعدها بلحظة أو لحظتين. وضعها في جيبه وسارع نزولاً نحو بيته.
حين رمى كحيل علبة السجائر الأميركية شعر أنه هزم الإمبريالية والإمبرياليين أجمعين شر هزيمة. مثلما اعتاد كيل الهزائم لإسرائيل. كانت إسرائيل في كل مرة تشن عدواناً على لبنان تُهزم مرتين: مرة على يد المقاومة ومرة على يد كحيل. أول مرة اخترق فيها الطيران الإسرائيلي الأجواء اللبنانية رفع كحيل رأسه وبصق عليها فصفّق له الفتية الذين كان قد أغدق عليهم الأجور مقابل مساعدته في زراعة شتل التبغ، والذين التحق معظمهم فيما بعد بالمقاومة. وحين كانت القوات الإسرائيلية تنصح سكان الجنوب بالانتقال إلى أماكن آمنة بعيداً عن مسرح العمليات كان كحيل يساعد كل من يشاء الرحيل لكنه يظل في منزله وحيداً. وهزيمة إباء الرحيل أشد مضاضة على أشرار الاستيطان من الهزيمة العسكرية لأن الأولى أبدية والثانية قد تكون مرحلية.
وبعد كل غارة يتفقد منازل الجيران ويحصي الخسائر ويعيد إقفال الابواب التي تفتحها ضغوط الانفجارات. وحين استقر الاحتلال في قرى الشريط الحدودي التي هجرها معظم سكانها ظل كحيل في خيمة نصبها فوق منزله الذي نسفه العملاء، وراح يغيظهم واشرار الاحتلال بزراعة شتل الاشجار المثمرة في حدائق المنازل المهجورة. وحين عاد المهجرون الى قراهم بعد التحرير كانت قريته قد تحولت غابة كثيفة من اشجار الزيتون والعنب والتين واللوز والمشمش والاكيدنيا واثمار أخرى لم يعتد ابناء قريته على رؤيتها في حقولهم. هزيمة سياسة الارض المحروقة امام البستنة الدؤوبة.
اختفى اسم حسن البلوطة من الضيعة بصورة نهائية وراح كل من وجهاء الضيعة يبدي استغراباً شديداً اذا سمع أحداً من أبناء الضيعة يتحدث عن حسن البلوطة.
ـ من هو حسن البلوطة؟ يقول الوجيه وهو جاره الباب بالباب.
ـ حسن البلوطة!.. جاركم يا حاج!
ـ ....
ـ وصل من الكويت أمس.
ـ الذي وصل من الكويت أمس جارنا حسن زهر الدين. وقد ذهبنا هذا الصباح الى بيت الاستاذ عقيل وطلبنا يد ابنته مهى للعريس اللقطة حسن زهر الدين.
ـ لا إله إلا الله. حسن البلوطة سيتزوج مهى ابنة مدير المدرسة.. وماذا ستفعل بشهادة البريفه التي نجحت فيها قبل ايام وسيعينها والدها استاذة معه في المدرسة.
ـ نعم.. شو العجب.
ـ صحيح حسن شبوبية واشقر وطويل.. لكنه بدون شهادة. ومهى مثل القمر وبشهادة.
ـ أنا ما بعرفها ومش شايفها.. إنما سمعت قصة الحاج سعيد معها. الحاج سعيد كان العصريات قاعد مع أوادم الضيعة بالساحة ومرت مهى ترتدي تي شورت وبنطلوناً مثل الرجال، ولم يمر سوى أشهر قليلة على تكور ردفيها وانتفاخ رمانتيها، فبصق الحاج سعيد خلفها. استغرب الجميع، وسأله محيي الدين كيف تبصق على هذا القمر؟ أم أنك ما عدت تتص لبعيد؟
ـ أنا أبصق عليها؟!.. أنا ابصق على تلك التي عندي في البيت. تلك التي أصبحت، عاماً بعد عام، تشبه والدها ذيب. يا خيي أنا عم نام مع ذيب بفرشة واحدة، وما بدك ابزق على هالآخرة المنتنة.
ـ لا.. انا بعرفها.. اشتغلت اكثر من مرة عند الإستيذ وشفتها بقميص النوم الصيفي وزنودها بيض مثل التلج. وما بظن إنهن يعطوها لابن البلوطة.
ـ عيب عليك! ثلاثة آلاف ليرة وابن البلوطة؟! ابن زهر الدين. واردف قائلاً: إنه سيدفع مهرها مقدما الفي ليرة، ومؤخرها عشرة آلاف ليرة ودونمين في شواثة مزروعين تيناً.
ـ أنت عم تحكي وكأنها تامة.
ـ طبعاً تامة.. والخميس، تظلوا بخير، راح تنزل تقص في بيروت.
ـ طبعاً في بيروت.. في جميع محلات صور لن نجد ذهباً بألفي ليرة.
اختفى حسن البلوطة.... واصبح حسن زهر الدين ومهر مهى حديث السهرات على الافاريز الاسمنتية الجديدة في أزقة الضيعة، وفي كروم العنب، وفي صحاري القثاء والبطيخ والآلاف المؤلفة، والدونمات المترامية الأطراف، وتينها البقراطي و العسلاني الشغل الشاغل لبنات القرية وشبانها. ففي سهرة كل عرسال أو خيمة كانت سرعان ما تنزلق قصص الحب وتلميحات الشغف ونأمات الشهوة الى مهر مهى.
ـ من اين سيأتي عريس أختها الصغرى بكل هذه الأموال إذا ما أراد الأب المساواة بين الأختين.
ـ الصغرى ستعنس في ذقنه ولن تجد من يدفع كل هذه المبالغ الطائلة.
ـ وهل يحسبها الأميرة ديانا؟
ـ لا، ابداً، إنما باعها بالفلوس الى شاب جاهل قدم على السرتفيكا ثلاث سنوات ولم يفلح.
ـ ولكن كيف سنشتري عرائسنا فيما بعد.. هذا الزواج يجب الا يتم.
وبالفعل لم يتم. فقد بادر المختار، الذي لا يكن اي مودة للاستاذ، واستدعى البلوطة وزوجها ونصحهما بتزويج حسن من ابنة عمه، وبمهر لا يزيد على مئة ليرة مقدماً ومئة اخرى مؤخراً ويبني بما تبقى بيتاً صغيراً يؤوي فيه والديه واخوته بدلا من العيش تحت الدلف في الشتاء وبين الفئران في الصيف.
ـ والله يا مختار هالجوازة ما عجبت حدا. قالت البلوطة.
ـ وانت يا حاج شو رأيك؟
ـ إلي بتريدو يا مختار. قال الزوج.
ـ إحكي معي يا مختار، شو بدك فيه. أني بعرف اتفاهم مع ابني. عألو بيوزن بلد. قالت البلوطة.
تراجع حسن وتنفست مهى الصعداء. فهي كانت مترددة ولا تعرف ما تقول أو ما تفعل. كان بودها أن تعمل أستاذة في القرية. لكنها عادت الى الدوامة نفسها حين وصل صالح ابن الميزوخ من ذكر وبدأ على الفور بناء قصر كبير في الحاكورة المجاورة لمنزل المدير. وقيل ان الفلوس تنزل في جيوبه كل صباح مثل الميزوخ. والميزوخ هو مطر عزير يهطل فجأة. ويمكنك ان تراه متجهاً نحوك مثل سياج مائي يمتد من السماء الى الارض. لكنه يتوقف بفجائية الهطول نفسها. وميزوخ الفلوس وصل فجأة من داكار في السنغال الى شقرا في جبل عامل.
حسابه في البنك يزيد على مئة الف ليرة واشيع أنه طلب يدها وأنه سيدفع مقدماً عشرة آلاف ليرة. اي ما يساوي راتب والدها زائداً راتبها لو عينت استاذة، لمدة عامين كاملين.
تزوجت مهى صالح في بداية ذلك الصيف وخطبت اختها لأخيه. لكن مهرها كان اقل بكثير من مهور عزة وحسيبة وبديعة وصبحية اللواتي تزوجن في اسابيع الصيف اللاحقة بعدما تدفق العرسان من الكويت والسنغال، وحتى من استراليا وكندا، ولم تعد المبالغ تحسب بالأرقام الاربعة أو الخمسة، بل بالستة ارقام وما فوق، سواء تعلق الأمر بالعروس أم بقطع الأرض المناسبة لبناء الفيلات والقصور. ولم يتمكن المختار من تخريب أي من صفقات الزواج او بيع الأراضي. وعقله الذي تمكن من ادراك حجم مبالغ الارقام الستة قصر عن مبالغ التسعة أرقام وما فوق. وكان يفهم بصورة شديدة الوضوح حواره مع الأهل لكنه مع العرسان والمهاجرين كان يشعر وكأنهم يرطنون بلغة أجنبية. لغة حروفها عربية وكلماتها عربية لكن جملها اعجمية. لذلك امتنع عن واحد من اقرب انشطته الى قلبه وعقله ووجدانه. وجيبه ايضاً، اي التوسط في بيع الاراضي وجمع الرؤوس على الوسادات. ولكن حين وصل الأمر الى ابن اخيه طارق لم يعد بوسعه النأي بنفسه عن الأمر، خاصة بسبب إلحاح أخيه والد طارق وأعمامه.
ـ لماذا يا ابني تريد ان تدفع هذا المبلغ الطائل ثمناً لقطعة ارض بعيدة وغير صالحة للعمار؟
ـ استثمار يا مختار. لم يكن بوسع المختار كشف ورطته والسؤال عن كلمة استثمار. وهل هي عربية أم بلغة تلك البلاد الأميركية. لكنه نقل التساؤل الى ميدان آخر أكثر خطورة.
ـ استحمار فهمنا. ولكن لماذا دفع هذه الآلاف مقدم مهر ابنة القطش؟
ـ استثمار ايضا يا عم. كما تعلم الاولاد مسؤولية الزوجة.
هذه المرة سمع المختار الكلمة جيداً واشتد احساسه بالحرج، ولم يتمكن من اقناع جبروته بالتنازل والاستفهام، رغم انهما وحدهما هو وطارق الذي لا شك يدرك جهالة عمه المختار.
ـ على بركة الله يا عمي. لكنني سأبلغ أباك وأعمامك أنني لن أتدخل في هذا الأمر ولا في غيره.
ـ يا مختار.. أنا لما بتزوج من عزة الحلوة المتعلمة، مهما دفعت أستثمر فيها لمستقبل أولادي.
انتهى الصيف وتزوج من تزوج، وخطب من خطب، واشترى ارضا من اشترى. وتوزعت العرائس في الكويت والسنغال وكندا واستراليا، وقلة منهن في المانيا وفرنسا وبريطانيا.
ذلك الصيف لم يتمكن اي من العرسان المقيمين في القرية او في بيروت من الزواج لأن المنافسة كانت مؤلمة وغير متكافئة. قبل ذلك الصيف كان الاستاذ في القرية يطلب يد من يشاء ويستجاب الى طلبه. وكل أم تأمل الاطمئنان الى مستقبل ابنتها بتزويجها من ابن عمها او ابن خالتها أو ابن جارتها، خاصة اذا كان استاذاً يقص معاشه آخر الشهر قصاً.
لكن مهور المهاجرين وقصورهم وسياراتهم الفارهة قذفت بالاستاذ المتعلم والحزبي والمتدخل في جميع شؤون القرية والبلاد الى اسفل السلم الاجتماعي.
انتظر الاستاذ نهاية الصيف للنزول الى السوق واتمام نصف دينه. لكن الحلوات والمتعلمات وبنات الأصول تزوجن وسافرن. وكان البحث عن عروس في القرية وجوارها مثل الوصول الى سوق الخضر قبل المغيب بقليل، فاما تعود خائباً، وإما تكتفي بما تيسر، واما تنتظر يوماً آخر. لكن هل يحمل الصيف المقبل غير تدفق العرسان المقرشين وخيبات العرسان المقيمين؟ ومن تدخل سن الزواج خلال الفصول الثلاثة قبل الصيف المقبل، هل تكتفي بما تيسر أم تنتظر موسم الصيف، الجميع ينتظر، البريد يحمل في الاسبوع مرتين رسائل تبدأ الواحدة منها بالبسملة والتحية. وقد وصل المبلغ الذي ارسلته الاسبوع الماضي وكل شيء على ما يرام لم خايسنا سوى قلة مشاهدتكم. بضعة اسطر ثم تسهب الرسالة بوصف العرائس الجاهزة. بنت الأرنب صار عمرها خمسة عشر وداخلة في الستة عشر وستقدم هذا العام على البريفة. تمها متل الفرنك، ومنخارها مثل حص الفول، وشعرها الى اسفل ظهرها، ونهديها واقفين مثل رأس القط الصغير. وفلاكاتها متل البطيخ العدلوني. الها تم ياكل وما الها تم يحكي. طالعة لأمها مخلق منطق. امها بنت السيد خليل حملت زوجها المغضوب هالعمر كله ما سمعنا لها صوت.
ومع ذلك جازف الاستاذ عبد المقصود وطلب بنت المختار. لم تكن أمينة على قدر كبير من الجمال ولم تكن بشعة. تقول أم عبد المقصود انها ناعمة وهو التعبير الذي يعني في قاموس نساء القرية انها ليست جميلة لكنها مقبولة ومؤدبة. سر المختار كثيراً حين قيل له ان الاستاذ سيتقدم بطلب يد ابنته التي تصور انها ستبقى عانساً لأنها لا تليق بعرسان الصيف. لكنه لا يعرف الاستاذ عبد المقصود الذي كان يدرس في مدرسة قرية مجاورة.
ـ شو عامل شغل يا ابني؟
ـ معلم مدرسة يا مختار.
ـ إي. شو علي... الشغل مش عيب.. العيب القعدة مثل ابني لا شغلي ولا عملي. أهلاً وسهلاً فيك.
اسماعيل الأمين








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.