الفيلسوف الألماني الكبير هو شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء (هذا اللقب خُلع على أبي العلاء المعري، العصر العباسي الرابع) وهو في بعض أطروحاته كتب مقولاته بلغة ملونة، قوية، وأحياناً سردية، أو كقصائد قصيرة مثل هكذا تكلم زرداشت، (ترجمنا له نحو 40 قصيدة صدرت عن دار غاليمار)، وبعضهم يعتبره من أروع ما وضع هذا الفيلسوف. وهناك من يرى أن جبران قد تأثره في الطريقة (إلى تأثره بالأناجيل)، خصوصاً في كتابه النبي. لكن نيتشه لم يعتمد هذا الأسلوب المجازي فقط في تقديم أفكاره وفلسفته، وإنما بلغة فلسفية متمردة على الأطر الكلاسيكية (هيغل، كانط...)، وعلى فلسفة التنوير، التي بوأت العقل المرتبة العليا في تفسير العالم. نيتشه رأى العالم بمناظير مختلفة، متكاملة هنا، ومتناقضة هناك. فهو من جهة أبولينيان وديو نيسي: في الأول: النظام، الاعتدال، الوضوح، الفردية، العقل، وفي الثانية الديونيسية: النشوة، فقدان التوازن، الفوضى، المبالغة والجنون.
هذان المبدآن يتمازجان بطريقة فريدة عند الإغريق، كما يعرض نيتشه في دراسته الأولى ولادة التراجيديا. و التعارض يصبح كلاسيكياً استعمل بطرق شتى في علم الجماليات كما في النظرية الأدبية.
أما المبدأ الآخر الإنسان الفائق فهو يشير إلى ما يمكن أن يكون تحول حياة الإنسان في المستقبل، الذي يصبح فيها أكثر حكمة وأقوى، لأنها غير ثابتة أو متجمدة في طبيعة ساكنة.. لا تسيء على علاقة بالإنسان المتفوق، ولا في السوبرمان، ولا في ما بعد الإنسانية.
ومن هنا، تنبعث وجهته الأخرى العودة الأبدية ويتساءل رغبتي الحالية أتكون بهذه القوى لتكرر أبدياً؟ فهذا المفهوم يكوّن احتكاكاً بالتجربة، امتحاناً للإرادة، ليس مفهوم التكرار العاطفي للأحداث لما هو واحد.
أما موت الإله، فهذا التعبير أخذه نيتشه من الشاعر الرومنطيقي الألماني جان بول، الذي يشير إلى نهاية التوحيدية، فالإنسان الذي قتل الله هو أشقى سعداء البشرية، وخلف هذا الشعار يعلن زمن آخر.
وتفضي مسألة الله إلى مبدأ إرادة القوة عند نيتشه، وهذا لا يعني لا رغبة ولا قراراً بالهيمنة، ولكنه شحن طاقة ما نحن (لكل حياة طريقة في إرادة القوة). هذا الشحن يجري بين طرائق متعددة حيوية بتفاعلاتها.
أما النيهيلية، فتتجسد في الإنسان الأخير الذي تضعف إرادته ويتكرر ما الجدوى. النيهيلية تقول، عموماً لا للحياة، كما تقولها الأديان الكبرى: وفي صيغته الحالية، فتعني عدم إيمانه بأي شيء، وكل شيء يتساوى.
ماذا يعني نيتشه في القرن الحادي والشعرين. أفَقَدَ معاصرته؟ أم ما زال معاصرنا؟ فهذا الفيلسوف جايل الموسيقي فاغنر (ثم اختلف معه)، وماركس عجوزاً، وفرويد شاباً.. فمن الطبيعي أن يراه البعض ديناصوراً أكثر مما هو رائياً لهذا العصر.
لكنه، على عكس ذلك، اعتبر فيلسوفاً في القرن العشرين، أو فيلسوف القرن العشرين (كما قال روجيه بول دراوا في مجلة لوبوان الفرنسية). وعلى الرغم من أنه مات عام 1900، فإنه لم يُقرأ قراءة جدية إلا مع كامو، ودولوز، وفوكو، ودريدا وآخرين. فقد برهن الجميع كيف يمكن أن يؤخذ نيتشه ككشاف لهذا العصر، عصر الحروب العالمية، والتوتاليتاريات، وموت الله والفن، وانتصار النيهيلية.
لكن في عام 2015 يبدو العالم (كما يقول روجيه بول دروا) مختلفاً ولا علاقة له بما كان سائداً من عقود. فمسائل الاحترار المناخي، إلى الثورة الرقمية، واستغلال الجينات.. لم يعرفها نيتشه بمعنى آخر فإن بين ماضيه وزمننا ما من أي تقاطع؟ (دروا). هذا ما يقوله البعض. لكن دروا يرى أن ذلك خطأ فادح. لأن نيتشه يشق حاضرنا كالليزر يشرّح مآسيه ومصادره كما لا أحد. يتكلم عما لنيتشه، وعن العالم الآتي. فالأمر ليس معقداً كما يقول دروا، شرط أن نضع جانباً المبادئ الكبرى: موت الإله، الأبولينية، الديونيسية، الإنسان الفائق، العودة الأبدية واستبدالها بأحداس أخرى. فهي ليست أقل نيتشوية من سابقاتها، لكنها بقيت حتى الآن في الخلفية. فإذا نظرنا إلى نيتشه بطريقة أخرى، نجده أنه معايشنا ومعاصرنا...
سيرته متلاطمة ووعرة، ولد عام 1844 قرب لايبزيغ، وكان والده قساً لوثرياً. ما بين 1865 و1869، أستاذ فلسفة كلاسيكية في بال.. في 1878، ينشر تباعاً اعتبارات غير راهنة بدأت صحته تتدهور. علق دروسه.. يكتشف الروائي الفرنسي ستاندال صاحب الأحمر والأسود. في 1878 علق نهائياً تعليمه لأسباب صحية. وفي 1881 يصدر المعرفة فرصاً. 1883-1884 يسافر إلى نيس، وجنوى، وتورينو، وروما. ينشر هكذا تكلم زرداشت. في عام 1888 يصدر جينيولوجيا الأخلاق؛ ويلفظ أنفاسه عام 1900 في أول أيام كانون الثاني، حيث انهار في تورينو.
ما أريد أن أشير إليه هي الجريمة التي ارتكبتها شقيقته بحقه، وبحق أفكاره، عندما حورت بعض نصوصه، وشوهتها، وتلاعبت بها، لتبدو وكأنها رائدة للنازية. وقد سلمت هذه النصوص المشوّهة لهتلر نفسه، وتم بعد ذلك استغلالها دعائياً لمصلحة النازية خصوصاً الإنسان الفائق. وهذا ما أوجد التباساً كبيراً في مواقفه، وقلباً لمعانيه، وتصوراته، وتشويهاً لبعض فلسفاته. وقد راجت هذه النصوص باعتبارها تعبر عن أفكار نيتشه، لكن تمكن بعض البحاثة من اكتشاف هذه الجريمة لإعادة قراءته قراءة صحيحة.
هتلر كافأ هذه الشقيقة وأجزل لها لقاء خيانتها لشقيقها.
هنا ننشر بعض مقتطفات نيتشه غير المعروفة، مترجمة إلى العربية.
مختارات
[ قيم
[1
لا تتعاطوا إطلاقاً مع شخص الذي شارك في كذبة العنصرية.
[2
من يكره الدم الغريب أو يحتقره ليس فرداً، لكنه نوع من البروتوبلاسم الإنساني.
[3
استحلفكم يا أخوتي، أبقوا أوفياء للأرض ولا تصدقوا الذين يكلمونكم عن آمال ما فوق الأرض! فهم مسمّون.
[4
أفضل أن أطقطق أسناني من أن أتعبد التماثيل.
[ 5
كل شيء يوضع في خدمة البربرية الآتية، ولا يستثنى من ذلك الفن الحالي والعلوم.
[6
علينا، قرب الأزهار، والأعشاب، والفراشات أن نعرف الانحناء في مستوى طفل بالكاد يتجاوزها.
[7
يهم كثيراً أن تعرف هدفك، أفقك، قواك، دوافعك، وخصوصاً المثال وأشباع نفسك لتحدد ما معنى الصحة، حتى بالنسبة إلى جسمك.
[ 8
يمكن أن نعمل بغرائزنا، مثل البستاني، وهذا ما يعرفه قلة من الناس، نزرع حبات الغضب، الشفقة، الدقة، الغرور، بطريقة نجعلها خصبة ومنتجة..
[9
نفكر بسرعة بالغة، نفكر في طريقنا، ونحن نمشي، في معمعة الأعمال من كل نوع، حتى عندما يتعلق الأمر بالتفكير في الأمور الأكثر جدية. لا يلزمنا سوى قليل من الوقت لنتحضّر، وكذلك قليل من الصمت: كأنما نحمل في رؤوسنا آلة ذات حركة لا تتوقف تستمر في العمل حتى في الظروف الأقل مناسبة.
[ 10
غير عصري، هذا الاعتبار ما زال قائماً لأنني أحاول أن أفسر كسوء، وكمعوق أو نقيصة أمراً يفتخر به زمننا. كوني أيضاً تلميذ الازمنة القديمة وخصوصاً اليونان اكتسبت كطفل من ذلك الزمن، التجارب التي أسميها غير عصرية.
[11
وبمَ أنت تؤمن؟ في هذه المسألة يجب أن يكون وزن كل شيء محدداً من جديد.
[12
ما الذي يجعل الأمر بطولياً؟ التقدم إلى الأمام في الوقت ذاته، بكل آلامنا وآمالنا.
[13
وبمَ أنت تؤمن؟ عليك أن تصبح ما أنت عليه.
[14
وما هي أكبر المخاطر؟ في الشفقة.
[15
وماذا تحب عند الآخرين؟ آمالي.
[16
وماذا تسمي رديئاً؟ ما يجلب دائماً العار.
[17
ما هي إشارة الحرية المحققة؟ ألا نشعر بالعار أمام أنفسنا.
[18
ليس ضرورياً أبداً، وحتى مرجو، الانحياز إليّ، على العكس، بكمية من الفضول، وكما أمام نبتة غريبة، وبعمود ساخر، يتراءى لي أنها طريقة أذكى لمقاربتي.
[19
إبتعد خوفاً من أن يعلموك أن الحكيم هو أيضاً مجنون.
ترجمة: ب.ش








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.