8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مسرح بستان الكرز لكارلوس شاهين على مسرح المدينة

معظم مسرحيات الكاتب الروسي الكبير تشيكوف تجري (أو لا تجري) على حافة هاوية، أو فقدان، أو موت، أو فشل: من العم فانيا إلى الأخوات الثلاث إلى بستان الكرز دائماً قبل النهاية. مسرح اللحظة التي تختزل كل شيء. ولهذا من الصعب القول أن لتشيكوف موضوعاً يعالجه، أو أزمة، أو حبكة (على الطريقة الكلاسيكية: راسين، كورني، شكسبير...)؛ فهو أصلاً يكره المواضيع: لا مواضيع في مسرحياتي! ولهذا، فإن الزمن هو البطل (تماماً كما أن اللغة عند بيكيت). الزمن الكاسح. القاسي، الذي نراه محفراً في شخصياته. لكن أعند تشيكوف شخصيات؟ إذا كأن مسرحه يكاد يخلو من الموضوع، فكيف تقوم شخصيات. لكن إذا لم يكن لا من شخصيات، ولا موضوع، فما معنى الحوار؟ الحوار ينفي الحوار (تماماً كما عند بيكيت وعند يونسكو إلى حد ما)، والحدث ينفي الحدث. لا يحدث شيء عند تشيكوف. والحوار غبار أمام جبروت الزمن. أمام العجز. في بستان الكرز يروي نهاية ملكية ترمز إلى حياة عائلة، ماضيها ووجودها، والضرورة قدرٌ مقتضب بتسليم الملكية إلى شاريها، وهو من طبقة غير بورجوازية. في العم فانيا، جماعة تتحلل أمام المرارة والفشل، في الأخوات الثلاث: مراوحة الشخصيات ودوران نسائها في عالم يغرق أمام عيونهن.
لكن ما الذي يضع مسرح بيكيت، الذي لا يتحرك، ولا جديد فيه ولا وقائع، أصوات (سوى ما هو ذرائع للكتابة؟) وبلا أفق؟ أتراه العبث؛ العدم؟ الانهيار المتدرج؛ قبول الأوضاع المتفاقمة؟ صحيح أن مسرحياته تجري كلها في الريف وفي ملكية مهددة، وسط أناس أذكياء لكن يثرثرون بكلام عبثي، تافه، لتخرج أحياناً من هذا الركام كلمة عميقة. لكن ما الذي يجعل مسرحه عبثياً (يبشر بعدمية كامو في الغريب، أو سارتر في الغثيان أو بيكيت في في انتظار غودو). الشخصيات تبكي دائماً على الماضي. نتذكر الشريط الأخير عند بيكيت، وتتكلم على المستقبل من دون أن تؤمن به. إذاً زمنان مُلغيان. الماضي مجرد حنين أو ثرثرة، وكذلك المستقبل. ولهذا فالشخصيات بين فكي زمنين، يتحركون ولا يتحركون... ينتظرون ولا ينتظرون... كأن الزمن المزدوج هو الشخصية الرئيسية عنده. لكن أصحيح أن هذه الشخصيات التي تتفوه بأي شيء، مفصولة عن حياتها الداخلية. محصورة في إطارها المكاني المهدد؟ على العكس، فالحياة الداخلية عند هذه الشخصيات تتكشف لكن بشكل مستقل عند الحوار. فعندما يتكلمون تحس بأنهم يفكرون في شيء آخر، أو يهتمون بأمور أخرى. حتى أن الحوارات تصبح غير محتملة، متثاقلة، إلى درجة تقوم إحدى الشخصيات بالمطالبة بالكف عن الكلام: نريد الصمت، لكي نتذكر بشكل أفضل، أي لكي نعجز في شكل أفضل. وفي بعض الأحيان يبدو أن الشخصيات منهمكة وكل واحد منها بأفكاره الخاصة، وهذه مفارقة، لأننا في المسرح، ونحتاج إلى حوار حقيقي. فالحوار متثاقل، مستحيل، وغير محتمل، وهي في الوقت نفسه مسرحية حوار! إذا كان كل ذلك عبثاً وهراء، وشبه غياب، فماذا عن التراجيديا عند بيكيت. الغريب أن تشيكوف عندما أخرج ستانسلافسكي إحدى مسرحياته أخذ عليه الإفراط في التركيز على التراجيديا... بدلاً من السخرية. صحيح أن العبث هو فن السخرية (أو التهديم عند بعض العبثيين)، لكن هناك رأيين: رأي يشدد على المنحى التراجيدي في مسرح تشيكوف، وآخر ينفيه ومنهم الكاتب. فما هو سر ذلك؟ وإذا كان لا فلسفة، ولا أفكار ولا سياسة، ولا إيديولوجيا، ولا موضوع ولا شخصيات بالمعنى المركب، فأين التراجيديا؟ ولهذا فإن تشيكوف يخلط كل شيء بكل شيء: العميق بالتافه، المدهش بالغباء، الفودوفيل بالدراما، الضحكة بالمرارة. لكن نرى أن عمق المسرح التشيكوفي هو تراجيدي بامتياز.
فالأمكنة دائماً متشابهة: صالون قديم، متهالك، وفارغ وسجاد قديم، وبعض الأدوات التي تذكر بالماضي أو الطفولة. أي ديكور النهايات. وإذا كانت الحياة عند تشيكوف بلا حكاية، والمغامرة غائبة، فإن هناك ثمة ضوضاء (الكلام غير المجدي) أو الهروب يشكلون نوعاً من مواجهة سلبية للقدر. (وهنا بالذات يمكن الكلام على غياب البطل، وحضور البطل السلبي). والفراغ رهيب، لكنه يحس، ويلمس، ويعاني، ويكون واضحاً: من هنا التراجيدي فالفراغ يفترض التراجيدي، إضافة إلى وعي العدم.
لكننا هنا في التراجيديا السعيدة إذا صح التعبير، فالمرارة موجودة، وكذلك الوعي، لكن العدائية، والسينيكية، فمرارته نصف مرارة، بلا ثورة، ولا غضب، ولا انتقام، ولا في فعل ولا جحيمية. هذا ما شاهدنا وقرأنا في عدد من مسرحيات تشيكوف، خصوصاً بستان الكرز، المسرحية الأخيرة التي كتبها المؤلف قبل موته.


[المسرحية

نظن أن هذه المقدمة، على طولها النسبي ضرورية، لننطلق من نص تشيكوف إلى النص الإخراجي لكارلوس شاهين. وأول ما يتبادر إلى ذهننا هو وفاء المخرج للروح التشيكوفية، وتعابيرها، وسينوغرافيتها، ومناخها وشخصياتها وحواراتها، وسخريتها، ومبالغاتها.. فهي أولاً مسرحية نص. وشخصيات. وكلام، وهذا ما فعله شاهين. فبدأ بالديكور: صالون قديم، سجاد عتيق، فوتوي، كراسي، بعض ألعاب الطفولة، حصان خشبي... دمية: أي الماضي والحاضر. وحسناً فعل شاهين بعدم اعتماده كثيراً على المؤثرات الشكلية، والسينوغرافيات الجمالية (كما فعل بيتر بروك، وبوب ويلسون، وفيبزير وأحد المخرجين اليابانيين الذين قدموا المسرحية في أحد مهرجانات القاهرة التجريبية. طبعاً المهمة، في غياب هذا الثراء البصري، تصبح أصعب. فعلى المخرج إذاً أن يتكل على الممثل كبؤرة أولى أساسية للعمل، لا أن يعتمد على السينوغرافيا الشكلانية التي تفترس النص، والممثل، والأمكنة، والمناخات، ليكون البطل عندها الديكور. لا المؤلف، ولا المخرج ولا الممثل.
ولهذا، ركز شاهين على تحريك نحو 15 أو 16 ممثلاً. وهذا ليس بالأمر بالسهل. فلو كانت المسرحية من عدة ممثلين، أو خمسة، أو ستة، لهان الأمر. لكن عنده هذا الكم من اللاعبين في غياب المؤثرات: الإضاءة، الموسيقى، الوسائل الجمالية... بل كأن الأمر يزداد صعوبة عندما نجد أن المسرحية بلا بطل فردي، وإنما البطولة جماعية. أوركسترا متشعبة عليه ضبط إيقاعاتها، ومفرداتها وإيقاعها. هذا ما حاول المخرج فعله، وإن أفلتت منه أحياناً شذرات من الإيقاعات وأوجدت فجوات بنائية في الأداء، إلاّ أن الجميع اشتغلوا بنفس كلي، تعددي، تنوعي، ولكن ضمن فضاء واسع. ونظن أن اشتغال شاهين على الممثلين، يعتبر ظاهرة إيجابية، عندما نجد أن معظم المسرحيات العربية اليوم، كأنها باتت بلا مخرج: أو توسل الكوريغرافيا المفرطة، أو السينوغرافية المبالغة، أو الانسياق إلى اللعب على الطريقة التلفزيونية، بحيث بات عسيراً التمييز بين التمثيل التلفزيوني والمسرحي، ولا بين الإخراج التلفزيوني والمسرحي، ولا حتى بين الديكور المسرحي والتلفزيوني.
شاهين واضح (وضوح تشيكوف)، أنه المسرح، بكل مفرداته. وجمالياته وخصوصيته. وهذا يحسب له كثيراً.
وفي هذا الإطار، استمتعنا بمسرحية فقيرة متقشفة، مقتصدة، أضاءت على دلالاتها العميقة. فالمخرج عرف جيداً الدلالات التشيكوفية، ولم يطمسها، لا بالبهارات ولا بالتوابل. بل وضع الممثل كقيمة مطلقة لعمله، وباتت المسؤولية كلها على عاتقه. وهنا بالذات استمتعت، بعدما شاهدت عشرات المسرحيات العربية والأجنبية وقد وقعت في الفراغ الجمالي.
موريس معلوف، المخضرم، والإيمائي الرائع، كأنه غرق في دوره، وانغمس فيه، بتمكن، وشفافية، وبخفة الحركة، وبالخلفية التشيكوفية في دور شيخ سمعان.
أما رنده أسمر هذه القامة التمثيلية اللبنانية والعربية السامقة، والتي لعبت أدواراً مركبة وصعبة عديدة مع مخرجين لبنانيين وعرب، واكتسبت اسماً لامعاً في بلادها وخارجها، فها هي، في دور الشيخة ليلى الاقطاعية، المبذرة، اللاهية، الباذخة لكن ذات المرارة الممتزجة بالعبثية، وذات الفقدان الممتزج بالسعادة، تلمع وتتألق في لحظات قوية، وراسخة، في مشهد صعب، اختلطت فيه الضحكة، مع الدمعة، مع الألم، في نبرة واحدة. هذه الشغوفة بالمسرح، اختارت هذا الأخير (كما اختاره تشيكوف) لا منفذاً للأزمات، بل طريقة مواجهة وإن يائسة!
ونتوقف كذلك عند دونيا (سيرينا الشامي)، وعند شارلوت (مربية أطفال)، وندى (جويس أبو جودة) وفيوليت (كارول الحاج) لتتحلى تحركهن المتوازن، والمفاجئ، والحيوي، على امتداد المسرحية، خصوصاً الوصلة الراقصة في الحفل، أو التعبير الميلودرامي عن الحب. ونظن أن شاهين أخذ في الاعتبار اهتمام تشيكوف بالحضور المسرحي المميز في مختلف أعماله. وهنا بالذات نعود إلى رنده الأسمر في دور شيخة ليلى وهي، في أدائها كأنها طالعة من مناخات تشيكوف، في تجسيدها التراجيدي بالكوميدي، والحنيني بالمرارة، والفقدان بالدرامي العذب. تراجيديا العذوبة. هذا ما أراده تشيكوف وحافظ عليه شاهين. أما كارلوس شاهين، فقد تمكن من تركيز حضوره، المليء بالحوار... العبثي، وكذلك بغبار الكلام، والابتسامة، تعبيراً عن العجز. أما علي سعد (دور سليم) فكان، على الرغم من صعوبة موقعه كتاجر، قريب، وعلى الرغم من طموحاته، غير مزعج (تشيكوفي)، وكذلك جوزيف زيتوني وهادي دعيبس، وفارس (حسام صباح)، فقد تناغموا في تحركهم، ضمن المناخات المفترضة في العمل.
لكن، إذا كان تشيكوف لم يكن يميز بين الكوميدي والبورلسيك، وبين السخرية والتراجيديا، وبين الدراما والعبث، فإن إيقاع المسرحية انحاز بشكل مفرط أحياناً للتوابل، وللمبالغة في الفودوفيل، مما حرفه إلى حد ما، عن الجد التشيكوفي، وأوقعه في نوع من الأداء التلفزيوني أو الفودوفيل.
على الرغم من كل هذا، فقد قدم المخرج كارلوس شاهين، عملاً مميزاً (على الرغم من ضعف الإمكانات المادية)، سواء في وفائه للعمق التشيكوفي أم في طريقة لبننته للعمل، وإرجاعنا إلى الريف اللبناني في أواخر القرن التاسع عشر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00