كبير آخر يرحل. انضم الى قافلة الراحلين، بعد معاناة مع مرض القلب.
رحل الروائي الكبير جمال الغيطاني الذي قال فيه نجيب محفوظ انه خليفتي. لكن الغيطاني كان اكثر من خليفة، في الرواية والنصوص، والمقاربات، والمقالات، والافكار، والمواقف، والمواقع. كان ظاهرة متعدة الثراء، متنوعة المساحات، مجددة القديم في لغة الحاضر، ومبتكرة الجديد في فن الرواية. ونظن ان اهم ما يميزه هذا الصديق الرائع، انه لم يتوقف عند اسلوب واحد او الاحرى اسلوبية تتكرر في نماذج، وتتتالى في مناخات واحدة. فمن الروايات ذات الاستلهام التراثي مثل الزيني بركات التي نشر فصولها في الثمانينات في مجلة المستقبل التي كانت تصدر في باريس، وتقدمت ككشف جديد في معماريتها، ولغتها المستأنسة النبرات القديمة بنكهة جيدة، الى الواقع الشعبي، والتغلغل في الشخصيات والامكنة والضواحي كما في وقائع حارة الزعفراني (1991)، الى رسالة البصائر والبصائر (2001). وهي تطوير لهذا الغرف الابداعي من التراث الثقافي والشعبي والتاريخي، والى شطح المدينة (1999)، ومتون الاهرام (2000)، وحكاية المؤسسة عام 2002، والتجليات بأجزائها الثلاثة (2005).
وفي هذه الاعمال وسواها، يظهر الغيطاني ثقافة موسوعية واسعة للأدب القديم، واعادة اكتشاف الادب العربي القديم بنظرة معاصرة. وهنا بالذات تكمن تمايزاته عن الآخرين، استلم القديم ليبني جديداً وبأسلوب شعري، تخيلي، على غنى لغوي غزير، واتجه الى المسائل الجديدة، البيروقراطية في المؤسسات الصحافية وسواها، والسياسية، والافكار المعاصرة، والارهاصات الدقيقة، والتوغل في فنون البنية السردية، والشخصيات المعاصرة والقديمة، بنفس روائي متعدد. بمعنى آخر، لم يقع الغيطاني في التجربة الواحدة، ولا في النظرية السائدة، ولا في الافكار الجاهزة، سواء ما اتصل باتجاهاته السياسية (اعتقل عام 1966 لاسباب سياسية)، والفكرية، ولا جاور مدارس روائية معلبة. اي انه اختار التجريبية المفتوحة بدلاً من النظرية المغلقة. وهذا مهم جداً في مسيرته الكتابية، من اسلوب مستل من انجازات القديم، الى آخر واقعي، دقيق، معاصر، راهن، موضوعي، في سرديته، معماري في تكويناته السياقية. انه من جيل السبعينات في مصر والعالم العربي، شهد ما شهد من التحولات، والهزائم، والانتصارات، وواجه القمع، والاتجاهات البوليسية، والمخابرات، من منطلق التفكير الحر، والكتابة الحرة، والشعور الحر. فالرواية عنده فعل حرية، من دون تابوهات، وفعل ابداعات من دون محاذير، وفعل تجاوز من دون قفز، او انتقال. كتب منه، والى القارئ المتشعب (لا القارئ الايديولوجي الاحادي) القارئ المبدع، والقارئ الشعبي، والسياسي، وتوجه الى الامكنة، والضواحي، بحس قريب، رهيف، والى الطبقات السياسية بحاسة نقدية شرسة. كان من النخب ومن الطلائع، لكن ولا مرة كان الغيطاني في برج عاجي او على حيادية بلا طعم ولا رائحة. لهذا عندما يكتب عن القديم وبالقديم، تحس وكأن كل الزمن بتعابيره، وروائحه، تفوح منه، من يديه، وقلبه، وذاكرته... ومخيلته. وعندما يكتب عن الجديد، فإنما على غير استنساخ تجارب عربية او غربية، او خضوع للانماط والموضة، او استجداء للظواهر والمقامات السائدة.
لكن الغيطاني، الذي ترجمت روايات عديدة له الى لغات اجنبية، كان يحتل ايضاً موقعاً طليعياً في الحياة الثقافية، والصحافية، ويكفي ذكر انجازه الثقافي اخبار الادب في منتصف التسعينات، لنعرف، وعبر مفهوم هذه المجلة الاسبوعية، المنفتح على العالم العربي، والعالمي، وهذا الحس السجالي الديموقراطي على صفحاتها، كل ذلك طالع من تكوين الغيطاني، الراسخ، والجديد، والحر، والحديث، وهي المجلة التي استقطبت كبار الفنانين والادباء العرب والعالميين.
انه جمال الغيطاني، بسجله المشرق، وصداقته الحارة، وبحضوره الخصب، وكتاباته المشرعة على كل ما يعيشه، ويفكره، ويحسه، ويهجس به، ويطالعه، ويصادفه، ويساجله، ويحاججه، ويواجهه، انه جمال الغيطاني يرحل اليوم عنا. يرحل بعدما هزمه قلبه النبيل فصمد مرات، الى ان توقف هذا القلب.
جمال الغيطاني، ايها الصديق، كم تعز علينا القاهرة من دونك. وكم يعز علينا غيابك.
انه الغياب الكبير لروائي ومبدع كبير!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.