8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ديوان أماكن الروح لطارق ناصر الدين:

الشاعر طارق ناصر الدين، يصدر كتابه الجديد أماكن الروح (الحركة الثقافية في لبنان) متضمناً مجموعة من النصوص صاغ معظمها في الفترة الأخيرة، واعتمد القصيدة الموزونة عمومياً، وكذلك التفعيلة، وصولاً إلى قصيدة النثر. لكن حب طارق للإيقاع الوزني قديم، قدم تجربته، تمسك به على الرغم من كل التحولات التي أصابت بنية القصيدة العربية، فهو حبيبه الأول والأخير. يذكرنا ببيت أبي تمام:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحبّ إلا للحبيب الأول
لكن طارق ناصر الدين المفتوح على كل الحالات الذاتية، والموضوعية، والسياسية (وله ماض نضالي في الحركة الطالبية في السبعينات مدافعاً عن قضايا الجامعة اللبنانية الوطنية)، وملتزماً خطاً ناصرياً لا يحيد عنه، ومنخرطاً في الهموم الفكرية والإيديولوجية، لم يحد في التعبير عن هذه الاعتمالات عن الشعر الموزون. إنه سبيله وموحيه، وأداته، التي مهر فيها، والتمع، وتمكن منها، بحيث صارت جزءاً من كلامه، ومشاعره وغضبه ورثائه وتكريمه وصرخته.
ولكن من قال إن الشعر الموزون قد حمل أوزانه ورحل، لتحل محله لغة أخرى، أو إيقاع آخر، أو تقنية أخرى، سواء كانت قصيدة النثر أو النصية أو النص المفتوح أو الكتابة؛ وأظن أن كل هذه الأشكال يمكن أن يتضمنها نص واحد، ولشاعر واحد، ولتجربة معينة. وهذا ما فعله عدد من الشعراء الفرنسيين. بل إن عدداً وفيراً من الشعراء العرب الحداثيين اعتمد قصيدة النثر، والعمودي، والتفعيلة مثل أدونيس، ونزار قباني، وجبران وعبدالمنعم رمضان، ومحمد بنيس، وعصام محفوظ.. إذاً ولأن الوزن، أو قصيدة النثر، ولكل إيقاعه، ليست اللغة، فمن الطبيعي أن تضم اللغة كل هذه التنوعات. (فالأسلوب أيضاً ليس اللغة). وإذا جاء اليوم شاعر عمودي وصاغ قصيدة اتخذ من الوزن فيها مادة تجريبية للتجديد، وفتح آفاقاً أخرى، فهل ننحي تجربته جانباً، وكأنه جاء من عصر الدينصورات؟ فكل ما وجدنا في قصيدة النثر نجده في الموزون: من الغموض المضيء إلى سواه. ففاليري الكلاسيكي الموزون شاعر غامض، وكذلك مالرمه، وهولدرلن، وأبو تمام. فالغموض ليس من سمات القصيدة النثرية اللازبة، وكذلك تحطيم البنية والإيقاع. وهذا ما فعله سعيد عقل في تجربته الرمزية... وقد امتد ذلك إلى التفعيلة، حيث كانت مجالاً للتجريبية، والثورة داخل تركيب القصيدة، ومحيطها ودلالاتها، هذا ما نجده إلى حد عند السياب، وعند أدونيس، وسليم بركات وميشال سليمان ومحمد علي شمس الدين وشوقي بزيع، وصولاً إلى سعيد عقل.
إذاً، المعركة منفية أصلاً بين هذه التنويعات الإيقاعية، وجعل ذلك سجالاً أمرٌ لا طائل منه، يؤدي إلى تقسيم التجربة الشعرية تقسيماً برانياً. المهم، الحركة الداخلية كيف تختار التعبير الملائم لطبيعتها... والمهم أن يتمكن الشاعر، في هذه التشاكيل المختلفة، أن يجيد صوغها، وتطويرها، وسوقها إلى أماكن جديدة.
طارق ناصر الدين ليس شاعراً تجريبياً بالمعنى التقني، لكنه شاعر اتحدت فيه لغته بإيقاعها، وتجربته بقياسها. كأنها صارت سليقة مكتسبة، أو فطرة مشغولة، ينساق فيها الكلام بتلك العفوية التي تحمل نضوجها، بل ونضارتها، ككثير من الشعراء، كجاك بريفير، ونزار قباني، أو كصلاح لبكي من دون أن ننسى الأخطل. فالتجربة هي التي تخلق شكلها وليس العكس.
وعلى امتداد قصائده في كتابه الجديد، تظهر تلك الحرفية وكأنها من عفو الكلام، ويبدو هذا التمكن وكأنه من تفجر طبيعي، أو سلاسة شفوية، أو مهارة مخفية. وديوانه الجديد تعبير عاطفي (ووطني)، وحميم عن الأماكن، التي مزجها بالروح، أي بالجسد، والحواس، والفكر، والانتماء، والمكان عند طارق ناصر الدين هو الإنسان أيضاً. ليس مجرد مسرح لحياة طبيعية: العائلة، الأم، الأب، وابن شقيقه وكلية الحقوق (التي كانت ملعب تعلمه ونضاله)، وجورج شكور...
فهؤلاء محددون بشميم الأمكنة، التي جزء منها، وهي جزء منها، من مياهها، وجبالها وأقاليمها، وثلجها، ومدنها، وقراها... وعندما يرثي طارق شخصاً يحبه، كأنه يرثي أمكنته أيضاً، وهي غالباً ما تكون مشتركة.
والفصل الثاني أما في الأماكن فهو استمرار، لا تبديل فيه ولا تعديل. عناوين من حالة واحدة، وخصوصية واحدة، وهذا ما يفسر مزجه بين جبران ولبنان. وما الفارق بينهما، وهما روح واحدة، وجسد واحد:
صنين شيخٌ غوى والأرز يحمله
للاعتراف وأمر الرب غفران
وهكذا يصل إلى بيروت التي كانت ضحية العملاء والدكتاتوريين! ويتوقف عند الشعراء الذين أحبهم ورحلوا، ليصوغ رثائهم بقصائد مؤثرة، وعاطفية، من نجيب جمال الدين، إلى نزار قباني: أحلى شعراء الأمة مات، ومحمد الماغوط ومحمود درويش وجوزف حرب وسميح القاسم...
فالشعر مكان، والقصيدة مكان، والشاعر مكان، وكل شيء مكان، إذا ما تحوّل حالة، أو انتماء، أو رمزاً، أو إيحاء أو عشقاً.
مشوار طارق ناصر الدين بين أمكنة الروح، هو دخول في الذات، في الذكرى، في الموت، في الغضب، في الخوف. إنه يجمع كل هذه العناصر التي صارت جزءاً من جسمه، وحواسه، وذاكرته، ومخيلته، نظمها بمهارة عالية، وببساطة حميمة، بعيدة عن تجريبية الغموض، والتعقيد، والافتعال، والبلاغة المجانية...
إنها بساطة القلب لأنها بساطة الروح!




مختارات


[ بيروت
[ -1-
يا أوسع من بحرك، يا أضيق من صبرك
يا أغنى من فقرك يا أغلى من مهرك
يا بيروت
يا أطهر دير يرفع منه القسيسون أذان الفجر إلى الملكوت
يا طعنة سيف الحرية في جسد الشرق المكبوت...
يا مخبا أحلام الفقراء الآمن من عين الطاغوت
يا أحدث أغنية للحب واقدم وصف للياقوت
يا حلماً لم يحلمه الموت فكيف يموت يا بيروت
[ -2-
يا همّ سواك وحزن سواك وحب سواك
وأنت البنت الموؤده
يا ثغراً راوده الشيطان فجنّد فيه
الله جنوده
يا والدة يهجرها المولود
وتهرب منها المولوده
يا ارضاً يقتل يومياً فيها الوعد
ويومياً تُتهمُ الموعوده
يا بيتاً يسكنه الغرباء ويا أهلاً
من غير بيوت
يا بيروت
[ -3-
عيناك الوطن ومنفاك الوطن بكل الكواكب
تنتشرين
وحدّك العلمُ وغنّاك القلم واضناك الالم
وتبتسمين
غاصت مدنُ العصر بأوحال العصر ورأسك مرتفع
فوق الماء وفوق الطين
تتهاوى كل عواصمنا واحدة واحدة
يا بيروت
[ طرابلس
طرابلس أكاد أراك قفرا
فأين العز يزأر فيك زأرا؟
عصيت على الخضوع وإذ تمادوا
صرخت بهم، أنا ببنيّ أدرى!
لقد شاؤك جارية لعبد
وإنك حرة، تلدين حرا
طرابلس، أرى الايام حمرا
ويعذر من بشر ردّ شرا
لمن زرعوا اليباس عليك قولي:
أنا الفيحاء قلبي فاح عطرا
لمن أغروك بالتكفير قولي:
أنا أم الشمال فكيف أغرى
لعبد الناصر انتسبي وقولي
انا أم العروبة لا أعرى

ويوم الثورة الأغلى تنادت
مددت يديك للثوار جسرا
هنا الارواح سورٌ خير سور
عدو الله فوقك لن يمرّا
أب الأحرار... عاهدناك يوما
على أعمارنا عمراً وعمرا

[ تنورين
(إلى الشاعر غسان مطر)
يا صاحبي الحلم مذ حملتني القلما
عاهدت نفسي ان لا أترك القِمما
قلبي حليفي، وارزي رايتي، ودمي
حرٌ وأعرف سفاحي يريد دما
وحاكمي صنمٌ مذ نصّبوه على
عينيّ أكره هذا الحاكم الصنما
يرى الضحايا على ساحاتنا رِمما
فيطرح الصوت يا من يبعث الرِمما
وحين طاوله صوت الجياع بكى
وسد أذناً، وبالأخرى شكا صمما
وحاكمي فئة مذ سلطت وطغت
ما عدت أُبصر لا حُكما ولا حكما
يا دولة الذل والاقزام، كم قزم
علا نفوذاً.. ولكن لم يزل قزما
والزاحفون لغازي عنجر غنماً
هم نفسهم خرجوا من عوكر خدما

لبنان افديك افدي كل طيبة
على روابيك أفدي الغز والشمما
افدي طيور الهوى الصافي وقد رحلت
الى بلاد تراعي الطير والنسما
أفدي العناقيد والأغصان مثقلة
بكل ما لذ فوق المشتهى وسما
افدي خدود صبايا.. قبل نظرتنا
يضرّج الخد من خوف بأن أثما
يا صاحبي الحلم.. تنورين عاشقة
للشعر، والشعر في أيامنا ظُلما
طغت عليه حثالاتٌ معوّدة
أن تُستباح لمن يستأجر الذِمما
من ارضكم وهي بعضٌ من مواجعنا
إني سأطلق هذي الصرخة القَسما:
لو هجّروا ولدي، لو فجّروا بلدي
لو دمروا جسدي، لو كسّروا القَلما
أبيات شعري تشّق القبر ترجعني
سيفاً اصيلاً، وكفاً تحملُ العَلما.

تنورين 27/8/2005

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00