غاب الصديق، الرائع غازي قهوجي، بعد أن تغيّب طويلاً عن أمكنته المألوفة في شارع الحمرا أو عن مقهاه، أو عن رصيفه، حيث تلتقيه، متأبطاً كتاباً، أو أوراقاً، أو جريدة، ليقرأ، أو يكتب في زاويته نفسها المعتادة. غاب غازي، بوجهه الهادئ، وبمشيته الصامتة، وبابتسامته المشعة، وبظرفه، وبسخريته، ورجاحة عقله، واعتدال فكره، وبشاشته، وحضوره الذي ينضح عقله بتاريخ هذه المدينة بيروت، وبصيدا، وبصور.. ابن عدة مدن غازي، وأليفها، ورفيقها وحبيبها، في أوقات الشدة والحروب، وفي أوقات السلم، إنما بهذا الحس المدني العالي، وجمالياته، وإبداعه، وتاريخ غازي، طفولته وشبابه، وحتى رحيله، من تاريخ المدينة، بمراكز إبداعها، وقامات مبدعيها، ورساميها، ومسرحييها، وتلفزيونييها، وكتابها. شارك في صنعها، وشاركت في تكوينه. أخلص لها وأخلصت له في عمقها الحضاري، والاجتماعي الخلاق.
عرفته قبل أكثر من أربعة عقود في الزمن الجميل لبيروت (قبل أن يغزوها الطغاة والرعاع من كل حدب)، وفي زمنها الجميل، كان جميلاً ومعطاءً ومجترحاً، ومبتكراً في تنوّع مواهبه، وثقافاته، وتعابيره، واهتماماته، وتبوّأ الصفوف الأولى، وكان له أن يكون جزءاً من مغامرة المسرح، والسينما، والتلفزيون، والكتابة الساخرة، والناقدة، على قدرٍ راقٍ من الديباجة، والتعبير.
عمل غازي شريكاً وصديقاً مع الرحبانيين عاصي ومنصور، ووضع تصاميم العديد من مسرحياتهما، سواء ما قدّم في بعلبك، أو في بيروت، أو في أمكنة أخرى. وعمل كذلك مع زياد الرحباني في مسرحيات متنوعة، خصوصاً في بداياته، وقدم تصاميم سينوغرافية لمسرحيتين أخريين ليعقوب الشدراوي في الطرطور، ثم اشتغل بطريقة متواصلة في المسلسلات العربية واللبنانية، ولا سيما تدريس مادة السينوغرافيا في الجامعة اللبنانية، وجامعة القديس يوسف، إلى أن نقل سخريته المرّة أحياناً، واللاذعة أحياناً أخرى، والظريفة البيضاء مراراً، إلى الكتابة. فراح ينشر إما دورياً، أو متقطعاً مقالات نالت إعجاب الناس والمثقفين، بخفّة ظل صاحبها، وبطراوتها، وبمألوفها، وغريبها، وطريفها، وجديدها، وتليدها. فنان الجمالية في المدن، وفنان الحكاية، وفنان الرؤية، وفنان الفكرة، والكلمة، وفنان السلم، والجلسة في المقهى، والمشية في الشارع.. كأنّما كانت حياة غازي قهوجي منذ عرفته في السبعينات وحتى اليوم مشغولة بهاجس الابتكار، والتجديد، زاخرة بالرؤى الجمالية، وبذلك الاعتدال في التعاطي مع الأمور الاجتماعية، والسياسية، مع تمسكه بمواقفه ومبادئه ومرتكزاته الفكرية، والأخلاقية، والوطنية، والحياتية، والعائلية. انسجم مع نفسه، ولم يقارعها، أو يجالدها، بتناقضات، وتقلبات، وتحزبات ضيقة، وشلليات مغلقة. انفتح على كل ما يخدم الإبداع، من دون تزمّت، ومن دون تعصّب، وكان جزءاً من تنوّع مذاقات بيروت، وصور، وصيدا.. وفي مستويات كثيرة، متصلة بالشأن الإبداعي أو الإنساني، أو التفكيري. ومن وفائه لإصدقائه، وانتماءاته، ومدنه، صاغ رؤية معتدلة لتعاطيه، ولعلاقاته، ولآرائه. اشتغل مع الرحبانيين وقدم ما يثري نصوصهما المسرحية والموسيقية والغنائية في جمالية تصاميمه، وعمقها الدرامي، والاستعراضي، والكوريغرافي. وهذا ما فعله مع يعقوب الشدراوي حيث ابتكر في مسرحية الطرطور سينوغرافيا طالعة من عمق الرؤية النصية والإخراجية، لتصير جزءاً أساسياً معبّراً عن مناخاتها، ومدلولاتها. والسينوغرافيا جمالية المدلول، واللون، والشكل والنص. وكاتباً، عرف كيف يصوغ أسلوبه الخاص، الجامع بين البسمة الرحبة والسخرية المبطنة..
غازي قهوجي (1944 2015)، جرحتني برحيلك. ستتغيب عن المدينة التي عايشتها في مرّها وحلوها، وستفتقدك بيروت، وأنا كم سيحزّ في قلبي أن أطوف الأرصفة والشوارع والمقاهي، ولا أرى إطلالتك، وبشاشتك، وظرفك، وعمقك.
وداعاً يا صديقي، خسرناك كثيراً وكثيراً!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.