الشاعر رينه شار أحد أكبر شعراء فرنسا في القرن العشرين، متعدد الاهتمامات، والعلاقات. فهو صديق الفنانين، وصاغ معهم نصوصاً على لوحات، أو لوحات على نصوص. كما أنه معروف بتعمقه في الفلسفة، وهذا يظهر أحياناً في شعره من دون الوقوع في النثرية أو التفسيرية. وقد عقد صداقة مع الفيلسوف الألماني هايدغر والتقيا مرات عدة.
غزير في عطائه مقتصد في رسائله، متقشف في كثافته، خصوصاً في الشعر. شارك في بداياته في الحركة السوريالية، ومن ثمرتها المطرقة بلا معلم (استعار العنوان كما غيره أحد شعراء السبعينات في لبنان)، وارتين، ونشط في أعمال السوريالية مع أندره بروتون وبول ايلوار وصاغوا تجربة ثلاثية بعنوان Ralentin travaux. ثم ترك السوريالية إلى نقيضها، أي إلى القصيدة المنحوتة المشغولة، الموحية، ذات الغنائية المشدودة.
من أعماله يافطة على طريق التلامذة (1937) والليل في الخارج مدار (1938) ووحدهم يبقون (1945) وأوراق الهيبنوز (1946) والقصيدة المتصدعة (1947) وغضب وسر (مختارات من أعماله الشعرية) وكلير (1949) وشمس المياه (1957) والبحث عن الأساس والقمة (1955) وقصائد كثر مختارة (1957) والكلمة أرخبيلاً (1962) وحضور مشترك (1964) والعصر الكاسر (1965) وثلاثة ضربات على الأشجار (1967) وأغاني بالاندران (1977) ونوافذ نائمة وباب على السطح (1979) ونواحي فان غوغ (1985) ومديح مشتبه به (1988) وفي محترف الشاعر (1996). وهذا الكتاب الذي نقاربه اليوم Lettera amorosa.
أما نصوص هذا الكتاب، فقد نشرت للمرة الأولى في غاليمار في مجموعة أسوار التي كان يديرها ألبير كامو، صياغة أولى نشرت في المجلة البرتغالية Arvore تحت عنوان إكليل أرضي من أجل ملاك من الرصاص.
وقد زين المجموعة الفنان الكبير جان ارب، لكن رنيه شار أعاد صوغ هذه النصوص وأضاف إليها، وظهر ذلك في الكلمة أرخبيلاً (1961) وفي حضور مشترك (1964)، وقد طبع من هذه النصوص نسخاً محدودة في جنيف مع ليتوغرافيات الفنان الفرنسي الكبير جورج براك، التي تظهر في هذه الطبعة الجديدة.
أما عنوان Lettera amorosa، فهو يذكر بأحد النصوص المسرحية المونودرامية من الكتاب السابع Madrigaux لمونتفردي. العمل مؤلف من قصيدة واحدة لكلوديو اشيليني (1574-1642)، والعوان يعني لا جزء منك غير متصل كلياً بك بقوة الحب الذي لا يقهر.
[ -1-
زالت الحرارة عني هذا الصباح. رأسي من جديد واضح وشاغر موضوع كصخرة في حقل على صورتك. الريح، التي كانت تهب من الشمال أمس، هزت بأمكنة جنب الأشجار الميتة.
أحس بأن هذه البلاد تدين لك انفعالية آمل تحدياً وعينان مختلفتان عن تلك التي من خلالها يرى العالم من قبل. رحلت لكنك تمكثين في طواعية المناسبات، بما أن هو وأنا تألمنا. لطمأنتك في فكرتي، قطعت مع الزوّار المحتملين، مع الحاجات والتناقض، أستريح كما تؤكدين على وجوبي القيام بذلك. أذهب أحياناً إلى الجبال وأنام. وعندها، في الحقيقة وبمساعدة طبيعة مناسبة حالياً، أتخلص من الأشواك المغروزة في جسمي، حوادث قديمة، دورات لاذعة.
هل تقدرين على قبول رجل معك على هذا اللهاث الشديد؟
[ -2-
أيتها الأقمار والليل، أنت ذئب من المخمل الأسود، قرية، على سهر حبي. تفحّص أجفانك كانت أمي تقول لي، منحنية على نعاسي تلميذاً. كنت الحظ حصاة صغيرة تعوم، أحياناً كسولة، وأخرى حادة، حصاة ملساء لتخضّر في العشب. كنت أبكي. أردت ذلك في نفسي، وهناك فقط.
[ -3-
نشيد الأرق
أيها الحب المنادي، ستأتي الحبيبة،
غلوريا الصيف، أيتها الثمار!
سهم الشمس يخترق شفاهها
عشب النغل العاري على جسمها سيغلق
منمنمة شبيهة بعدسة العين، السحرية،
هدية أقدم براري الحقل للمتعة
فليقطر الشلال، فليحرر الفم
[ -4-
أتصور أحياناً أنه من الجيد الغرق في سطح مستنقع، حيث تعذر على أي زورق أن يغامر. ثم، الانبعاث في مجرى سيل حقيقي حيث تغلي ألوانك.
[ -5-
أنت متعة، مع كل موجة منفصلة عن تالياتها. أخيراً كلها دفعة واحدة تحمل. إنه البحر الذي يبني نفسه، يبتكر نفسه. أنت متعة، أنت مرجانة من التشنجات.
[ -6-
غائب في كل مكان حيث يُحتفل بغائب.
[ -7-
من لم يحلم، متسكعاً على طرق المدن، بعالم، بدلاً من أن يبدأ بالكلمة، يبدأ بالنوايا؟
[ -8-
أي حركة عدوانية تثقل عليك؟
شخصك يستعجل، قبلتك تختفي.
الأول باختراعات الآخر، وبلا رحيل،
يضاعف الآثار.
[ -9-
لا أستطيع أن أكون ولا أريد أن أعيش سوى في فضاء حريتي وفي حرية حبي. لسنا معاً نتاج تسليم، ولا حجة استعباد أكثر وهنا أيضاً. وكذلك أنقود بخبث الواحد ضد الآخر عصابة بلا ملامة.
[ -10-
فُلكنا، الأكحل، غرق في لحظة راياته. في حطامه وغباره، الإنسان برأس الوليد - الجديد يظهر من جديد. أصلاً نصف سائل، نصف زهرة.
[ -11-
الذي يسهر في قمة المتعة مماثل للشمس كما الليل. من يسهر ليس له أجنحة، فهو لا يطارد.
[ -12-
شحاذ وجعي أتألم من سماع ينابيع الطريق تتقاسم تفاحة العواصف.
[ -13-
ليس سهلاً البقاء مرتفعاً على موجة الشجاعة عندما نتبع بنظرنا عصفوراً يطير عند مغيب النهار.
[ -14-
لا أخلط العزلة مع قيثارة الصحراء. الغيم الذي يسهّد هذه الليلة أذنك ليس ثلجاً نائماً، ولكن من الرذاذ المأخوذ من الربيع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.