هل يمكن اعتبار أن نشوء المسرح العربي، مع أول مسرحية بالمواصفات الغربية مع مارون النقاش البخيل (1847) وأبي الحسن البصري، تم قبل زمن الحداثة، أم كان فاتِحة له، أم، جزءاً من الحيوية الملوحة بالتغيير مع كبار المفكرين النهضويين؟ هل أثرت بداية غربلة التراث، ومقاربة الواقع الاجتماعي (والسياسي)، في منتصف القرن التاسع، إشارة مهمة، أدركت بنية العقل العربي الخارج من عصور الانحطاط الألفية، إدراكها هاجس البحث عن أنماط تفكير جديدة، وأنماط فنون، وتالياً أنماط مشاعر وطرق عيش وحياة؟
نقول هذا استناداً إلى أن المفارقة اللافتة في الظاهرة المسرحية المبكرة، تكمن في أن المسرح كان من الاشارات التجديدية الأولى قبل الشعر والرواية والفن التشكيلي، علماً بأن المسرح كنوع مستقل بلا تراث عندنا وهذه الأنواع تكاد تكون راسخة في التراث العربي. فكيف يمكن أن تبدأ الحداثة أو تباشيرها باجتراح معجزة تتمثل في تأخر الشعر نحو نصف قرن ليبدأ بتململه، وخروجه من المتحف التراثي إلى فضاء التجديد، برغم أن الشعر ديوان العرب، سبق كل الفنون والأنواع منذ الجاهلية وحتى نهايات العصور العباسية؟ السؤال: لماذا كان يُتوقع أن يُبادر الشعر إلى الريادة، ففوجئنا بالمسرح. الأول موصول بكل المتن العربي. والثاني بلا متن. الأول تاريخ طويل يمتد قرابة 2000 عام، والثاني بلا تاريخ، اللهم من طقوس وتقاليد وعادات دينية واجتماعية مناسبية رأى بعضهم فيها مواد للمسرح أو للمسرحة، وهي أصلاً معممة وتلازم كل الشعوب والأقوام، بحيث إذا قبلنا هذا المنطق، علينا أن نقبل أن المسرح وُجد عند كل الشعوب (لا سيما البدائية) منذ عشرات ألوف السنين وهذا لا يعني أن المسرح غائب كمادة عن هذه الظواهر، أو أنه على نقيضها. والواقع أن قوة المسرح في أنه يمسرح كل شيء. من هذه الطقوس والأساطير والخرافات إلى أي مظهر من مظاهر الحياة القديمة والحديثة، بنقلها من هشاشتها وأمكنتها وأزمنتها ومفرداتها إلى الصوغ المسرحي. إضافة إلى أن هذه المواد هي أولية، وعمومية، يمكن أن تستخدم عبر عمليات تحويلها، في أي متن من متون الأدب والفن: من الرواية، إلى الشعر، إلى الفولكلور، أقصد أن هذه المادة سديمية تنتظر دائماً، أن تشكل بصوغ ما، لتنتقل من نصوص عمومية إلى نصوص خاصة. والواقع، أن هذا حدث فعلاً، عندما انخرطت هذه المواد في المرويات العربية: السير، وأنواع الوصف، وألف ليلة وليلة، لتشكل بذلك، عبر تلك المتون، عناصر أساسية في ما يسمى السرد العربي الذي اتخذ بنية مفتوحة لا سيما في ألف ليلة وليلة. من هنا السؤال: إذا كانت المرويات العربية وقد تضمنت، في ما تضمنت، أشكال الطقوس والخرافات والحكايات، أدركت أشكالاً متقدمة في بنيانها الروائي، وأثرت بشكل لافت، على الرواية الغربية الحديثة، فلماذا لم تسبق المسرح في السباق إلى الحداثة، على الرغم من تراكماتها الفنية والتاريخية؟
[ المشكلة
وإذا كانت الفترة السابقة شكلت مشكلة بطولها (وترددها)، فإن الفترة الحداثية شكلت أيضاً مشكلة:
أولاً ـ مشكلة وقت. إذ تدفقت كل المدارس المسرحية الغربية علينا دفعة واحدة وفي مدة أبعد من أن تكون كافية لتبلور اتجاهات ناضجة، أي خاصة، وأقل من أن تكون وافية لتحول مفردات تلك الحداثيات الغربية العمومية إلى حداثيات بمفردات ورؤى عربية. وهذا شكل نوعاً من القطيعة مع تراكمات المرحلة السابقة، بحيث بدا وكأن كل شيء طالع من توّه. من حاضره. ولعل هذا تحديداً ما أضعف تأصيل الابداع المسرحي العربي، بحيث يصبح التوقيع الاخراجي، والأدائي، والسينوغرافي، وحتى الكوريغرافي، دافعاً. والمفارقة أن ما أسميناه حداثة ما قبل الحداثة المسرحية دامت نحو قرن، فيما الثورة الحداثية العربية لم تصمد أكثر من ربع قرن، وهذا يعني أن التراكم الذي لاحظنا في المرحلة السابقة وأدى، كما قلنا إلى المسرح المسيس (عاشور، وهبة)، لم نلحظه في الموجات المتداخلة من المدارس المسرحية الغربية، والتي أفضت إلى ردود فعل عليها.
[ الصدمة
فالمرحلة السابقة، على أهميتها، لم تصدم المجتمع، ولا ذائقته المتفتحة، ولا مشاعره، برغم المضمون التغييري الكبير الذي حوته، في حين أن ثورة المسرح الحديث، والتي تزامنت إلى حد كبير، في مختلف المدن العربية (القاهرة، العراق، بيروت، دمشق، تونس، المغرب، الجزائر، الكويت، البحرين...)، شكلت صدمة ما. بل صدمة كبيرة، لأنها افترضت، عبر تغيير موقع المسرح، تغيير موقع الجمهور منه. إضافة إلى أنها احتضنت التناقضات المتعاقبة في المسرح الغربي، في حاضنة زمنية واحدة. مما أدى إلى تبلبل، وارتباك، في الحالة المسرحية العمومية: عند أهل المسرح وعند الجمهور.
هذه الظاهرة الصدامية هي مهمة. وضرورية. لهز الضمير وخلخلة الذائقة. والعبور إلى دور جديد للمسرح: دور سياسي وجمالي وايديولوجي ومجاني ونضالي... وعدمي. مهمة في هذه الراديكالية في مفهوم المسرح. وبنيته. بمعنى آخر في التبني الواضح لاقتراحات المسرح الغربي نفسه. ولعل استمرار المسرح الحداثي في الاعتماد على الصيغ والمنظورات والمفاهيم الغربية (كما كان شأن المرحلة السابقة) عنى في ما عنى، أن لا تجديد ممكناً، أو تنوير للخشبة خارج المفهوم الغربي. فالحداثة المسرحية تعني حداثة غربية: من الروسي استانسلافسكي، إلى الروسي مايرخولد، إلى برشت، وبكيت ويونسكو، والألماني بيتر فايس، والفرنسي أنطونان أرطو، والبولندي غروتوفسكي... والإيطالي بيراندلو يعني أن هذه الاتجاهات المتضاربة كلها على امتداد نصف قرن في العالم، اختزلت في عقد أو عقدين عندنا.
[ الطغيان
ثانياً ـ إن هذا الطغيان الغربي على مسرحنا، أدى إلى ردود فعل أرادت التمرد على تلك النماذج، وطرح إشكاليات الهوية... الخاصة، سواء كانت شعبية، محلية، دينية، تراثية، أدبية، تاريخية. وهذا ما يفسّر آراء توفيق الحكيم ويوسف ادريس، وبعدهما أصحاب اتجاه الاحتفالية المغاربة (برشيد، الصديقي، الزروالي)... والتي تدعو إلى تأسيس مسرح عربي، بأدوات عربية، وبأفكار عربية... وبرؤيا عربية، كنقيض لهوية الآخر، أي الغرب.
على أن هذه الاحتفالية أو هذه الدعوة إلى تأصيل المسرح العربي، تمت عموماً ضمن البنية المسرحية الغربية، وحتى ضمن المرجعيات المفهومية والنقدية الغربية. والأخطر أنها وقعت في نوع من الايديولوجيا المطلقة في رؤيتها إلى المسرح الغربي، وفي دعوتها إلى مسرح عربي، قادتها إلى البحث عما ينسجم مع هذه المفاهيم، في التراث، لتكتشف جذوراً وهمية للمسرح ـ العربي في خيال الظل (وهو ليس عربياً) وفي الطقوس والعادات والتقاليد والمناسبات الدينية. (وهي معطيات يمكن أن نجدها عند كل الشعوب). بل لتقع في نوع من الأصولية المسرحية، التي تهدد في بعض نواحيها، بالانغلاق والانطواء وبالسقوط في نرجسيات ذاتية مرضية.
ثالثاً ـ صحيح ان المسرح العربي الحداثي تأثر بكل ما في الغرب... حتى التقليد في بعض الأحيان. بل حتى اكتشاف أن وراء كل مسرحي عربي مسرحياً أجنبياً، ولكن الصحيح أيضاً، أن المرحلة الممتدة من منتصف الخمسينات ومن منتصف الثمانينات، هي المرحلة الذهبية الكبيرة التي ثوّرت فيها الخشبة تثويراً لم نعهده من قبل، على صعيد الكتابة المسرحية، وعلى صعيد الاخراج، وعلى صعيد المدارس والرؤى الدرامية. إنها الصدمة الايجابية للحداثة المسرحية، قدمت كباراً في الاخراج وفي الكتابة والسينوغرافيا والكوريغرافيا، وفرقاً جماعية أسست لاتجاهات تجريبية جديدة. ونظن أن الفضاء الذي يلف مجمل الحالات المسرحية، يمكن تلخيصه بظهور التجريبية والاختبارية والورش المسرحية عندنا. وهذه التجريبية التي جعلت اللغة المسرحية إشكالية وقضية، ومجالات التجديد والتجاوز من المقاييس الأساسية للحرفة المسرحية. إذ لم يعد مهماً إنجاز عمل بمواصفات التوصيل التقليدية المبسطة، بل بات مهماً كيف علينا أن نجدد بنية المسرح الجديدة، ونثور العلاقة بين الخشبة والجمهور، وبين الخشبة وعناصرها، وبين المخرج والخشبة والتقنيات والممثل. ودخول الكيف يعني دخول اللغة المسرحية بعناصرها كافة، في هاجس التغيير والتجريب، باعتبار أن الفن ليس منجزاً كاملاً، وإنما معطى خاضع باستمرار لاختبار مواده، وكيميائية عناصره. وبات السؤال: أين يقف المخرج أهم من السؤال ماذا يفعل المخرج. هذا الأخير الذي كان لا بد من أن يؤسس لورشة دائمة في مختبراته وتقنياته، سواء كان يحمل رسالة سياسية أو اجتماعية أو ايديولوجية، أم كان يتقدّم إلى إنجاز فني متجرّد من الرسائل والخطب. إنها الحداثة في أصفى صورها تحرّكها الأفكار والبنى والنظريات لكن أيضاً تحرّكها رغبة في اجتراح ما هو جديد. ومتجاوز. ومبتكر. ومتحرّك. أي جعل كل شيء قضية على المسرح. أو الأحرى جعل المسرح مكاناً لتفجير القضايا الفنية، والايديولوجية، والاجتماعية، والتراثية، كأنه صار مساحة حية، أو من المساحات الحية الأخيرة للصدام وللحوار، للتغيير وللاحتجاج، للاختبار والاعتراض على الاختبار، هذه المساحة الحية بدت وكأنها مساحة للحرية. الحرية المفقودة في هذا العالم العربي الشاسع بقمعه، الرحب باستبداده. وقد استدعت هذه الساحة ممتزجات عديدة من الأفكار الايديولوجية والسياسية والقضايا: من الماركسية، إلى الشيوعية، إلى القومية، إلى الليبرالية إلى اليمينية والعبثية واللامعقول والالتزام... كل ذلك مرفود بالمذاهب والاتجاهات المسرحية العالمية: البرشتية، الغروتوفسكية، الأرطوية، التسجيلية، الواقعية، الرمزية... حتى بدت الخشبة المسرحية العربية، في حدود زمنية لا تتعدى الربع قرن، مكاناً لتصادم هذه الحداثات المسرحية، ولحوارها، ولاختبارها، وجنونها وفنونها، برغم النكسات الكبرى التي حققها النظام العربي في هزائمه المبيَّنة بإذنه تعالى.
رابعاً ـ إن هذه الفورة المسرحية الكبيرة، أكدت أن الحداثة المسرحية العربية، كفرع من فروع النهضة والتنوير، هي جزء أساسي من الحداثة الثقافية العربية. بل جزء تمكن من مضاهاة وموازاة إنجازات الشعر والرواية والنقد والسينما والفكر. بل كأن ما تم من إنجازات على الخشبة المسرحية من المغرب الكبير إلى المشرق، كان أخطر مما كانت عليه بعض الفنون الأخرى، لأنه فن المواجهة المباشرة، الحيّة، اليومية بينه وبين الجمهور، بدون وسيط.
إذا كانت الحداثة تحمل بذور نقيضها وضدها، وما قبل الحداثة، تحمل بذور الحداثة، وحتى الانحطاط يحمل بذور النهضة، فإن المسرح العربي، في صعوده القصير، كان يتضمن ما يمكن تسميته اللاحداثة، أو الحداثة المضادة. فحتى في عز التجريبيات الصعبة كان بدأ يتسرب إلى المسرح النهضوي الجدي ملامح طاغية من الفنون والأنواع الأخرى، بطريقة تصيب الجوهر الدرامي. بعضهم يُسمي ذلك ما بعد الحداثة، ونحن نسميها الحداثة المضادة، لاعتبارنا أن ما بعد الحداثة مهما تشعبت، وانعطفت، وانقلبت هي فرع من فروع الحداثة، بل ورافقتها منذ نشوئها الرسمي أو الاصطلاحي.
من هذه الملامح:
1. اختراق اللغة التلفزيونية (حواراً وديكوراً وإخراجاً وأداء) العديد من الأعمال، مما جعل الالتباس كبيراً بين اللغتين، والتداخل علنياً.
2. هجرة بعض أهل المسرح إلى التلفزيوني مما أفقده كثيراً من قوته.
3. وقوع المسرح أحياناً كثيرة في البعد الواحد للصورة التلفزيونية. أي طمس الدلالات المتعددة المفترضة في الصورة المسرحية. (وهذا يفضي إلى ما يدعو إليه ما بعد الحداثيين).
4. اختزال مفهوم المتفرّج أحياناً كثيرة إلى علاقة تبسيطية قائمة على اعتباره متفرّجاً موقتاً للمسرح، أو متفرّجاً استهلاكياً، وعلينا تقديم وجبات سريعة له كزبون ثابت، أو كزبون ثابت في أعمال غير ثابتة.
5. استخدام الشاشة التلفزيونية في بعض الأعمال الجدية استخداماً غير مبرر. أو بالأحرى لا يخدم لا فكرة العمل ولا متنه. وفي هذا تسريب ما لطغيان هذا الفن على اللغة الدرامية.
ومن هذه الملامح:
1. استعمال السينوغرافيا كأدوات وتجهيزات وملابس ومؤثرات وإضاءة وماكياج، استعمالاً شكلانياً مضخماً ليفترس العمق الدرامي بما في ذلك دور المخرج والممثل والنص. مما يعني أن هذه الشكلانية تسطح العمل، وتوقعه في الأفقية، والتخبط، والاغراءات البصرية والسمعية الهشة. أي تصيب جوهر التجربة والمحاولات التجريبية عليها. ولعل هذا ينقل المسرح من زمن حداثي مكثف، مبطن، كاسح، إلى زمن استهلاكي، (افتراضي) (يسمونه ما بعد الحداثة).
2. تشيؤ العناصر الدرامية (الممثل، المخرج) عبر غلبة الشكلانية السينوغرافية (المجانية)، يعني انتفاء حيويته الانسانية، بحيث يُلغى الممثل كبؤرة أولى للدراما، والمخرج كمنظم وراسم للرؤية، وللنص كحقل دلالي خصب لاستنباط وسائل الاخراج والتقنيات.
3. هذا التشيؤ لم يسقط المسرح في اللامسرح، وإنما عزز المنحى الشكلاني الذي يذيب المسرح في أنواع أخرى؛ أي يطمس خصوصيته، وبنيته، وآلياته وحالاته المميزة. مما يجعله فناً مائعاً لا هوية له، ولا دور، ولا فكرة، ولا بنية. ولا سيرورة. فناً يشبه التلفزيون. وفناً يشبه عرض الأزياء. وفناً يشبه مكاناً للإضاءة أو للانارة. بمعنى آخر، انفصاله عن حيوياته ومكوّناته.
4. هذا الكلام على السينوغرافيا يستدعي الكلام على الكوريغرافيا، (المسرح الراقص أو مسرح الايقاع أو الحركة، أو استخدام الرقص) التي بدت في العقدين الأخيرين وكأنها حلت محل المسرح. فكأن مصمم الرقص أخذ مكان المخرج والممثل والنص. أي تماماً ما حدث مع السينوغرافيا. ولعل الانخراط في هذه الموجة الراقصة غالباً ما أفرغت العمل من قوته، ومن زخمه، ومن قراره أو مقاصده المنشودة، بحيث وقع العمل في الاستعراض بعيداً عن العرض. وبحيث تحوّل الجسد أداة تزويقية ترفيهية، برانية، بعد أن كان بؤرة الدراما (أرطو، غروتوفسكي).
إن هذه الانتقالات في المسرح بدأت تتسرّب وتتأكد وتجتاح لأنها، عن وعي أو لاوعي، ارتبطت بالتحوّلات التي أصابت الفكر الحداثي (التنويري) في صميمه.
فنحن نعرف أنه من منتصف السبعينات بدأت تتراجع الأفكار الكلية والشمولية والايديولوجية، بل وبدأت تتراجع اقتراحات النهضة والتنوير، سبقها استنفاد لكل المدارس المسرحية والفلسفية من ملحمية (بيسكاتور وبرشت)، وتسجيلية (بيترقايس)، وعبثية (بيكيت، يونسكو)، وقبلها الواقعية الاشتراكية (الستالينية، الشيوعية)، ومن ثم مسرح القسوة (أرطو)، والمسرح الفقير (غروتوفسكي). هذه المدارس (عمقها ايديولوجي) تلازم أفولها، إلى حد كبير مع أفول الزمن الايديولوجي وزمن الأفكار والحقائق والقضايا الكبرى، من دون أن ننسى تراجع الفكر القومي والاشتراكي والعروبي أي فكر التنوير. فكأنه لم يعد من مكان للأفكار. بل كما هو نقيضها، وقد برزت، بعد ذلك، طفرات ما زالت تطفر، من الغرائز الطائفية والظواهر المذهبية، والدينية والاثنية في ما يسمى صراع الحضارات(!)
مرحلة كاملة تراجعت، ليحل مكانها فراغ وأنواع من الارتداد إلى قيم ما قبل الحداثة، وقيم الاستهلاك، والهشاشة، والتقلبات والتبدلات السريعة. (وهي كلها من مفردات ما بعد الحداثة، وإن كانت موجودة في تضاعيف الحداثة). زمن اللاأفكار. واللامشاريع. واللاتجريب. واللادلالات. واللااستبطانات. ولا القرارات المتعددة. زمن القراءة الواحدة المرتجلة. زمن الإغراء اللحظوي. زمن العابر، كل هذا أثر في عمق الحداثة المسرحية، وأضعف هاجس المغامرة، والمجازفة، والخصوصية، والتميّز. فإذا كان كل شيء يتم سريعاً، فليسرع المسرح معه. وفي سرعته هذه بدا، على الأقل في المرحلة الراهنة، وكأنه يصطدم بنفسه، يرتطم بدوره وتاريخه. وينقلب على تراكماته التي امتدت عندنا قرناً ونصف القرن.
فهل هذا ما نسميه مسرح ما بعد الحداثة، بهذه المواصفات الفرجوية العابرة كالنيزك، المتقلبة كالموضة، المفرغة كالاعلانات، المغرية كعارضات الأزياء...
شخصياً لا أطلق عليه تسمية ما بعد الحداثة لاقتناعي بأن الحداثة لا تنتهي، وبأن ما نراه في المسرح والفنون الأخرى، هو الجزء الآخر من الحداثة. فلنقل أنها حداثة ما بعد الحداثة أو الحداثة ذات السمة الاستهلاكية، وهي حداثة بدأت مع أول عمل مسرحي مع مارون النقاش ورافقت كل المراحل المسرحية.
في ذلك الوقت كنّا نسميها الحداثة. أما اليوم فنسميها ما بعد الحداثة.
(أنتهى)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.