8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ذاكرتي الأرمنية!

عندما وُلدتُ في سن الفيل، تفتّحت عيناي على أهلي وجيراننا الأرمن. وراء بيتنا، بل لصقه، مخيم للأرمن قدم الأرض لهم أحد أثرياء البلدة وهو بشارة عكر. المخيم كان جزء منه من صفيح، وآخر من خشب، وقليله من حجر، أو الاثنين معاً. وربما، أول خطى خطواتها، كانت في بيتي ثم عند جيراني الأرمن. وترعرت معهم، وكبرت معهم. وما زلت أقابل بعضهم، بالصدفة، حتى الآن. ولم تكن اللقاءات سوى لقاء الأهل ببعضهم، لا لقاء الجيران فحسب. إلى جانب البيت كان منزل آرتين الخياط، وعائلته: صبيّان وفتاتان. ولم يوفر آرتين المشروب والعرق، وعندما كان والدي يريد أن يُصلح بنطلوناً، أو قميصاً، أو جاكيت، يقول لآرتين صلّحهم أنت وصاحي ما عندي غيرهم. ويبتسم آرتين، وعندما يسلم آرتين والدي القميص أو البنطلون أو الجاكيت بعد إصلاحها، يرفض أخذ أجرته لا بابا، إنتو جيران. هيدا بلاش (بنكهة أرمنية عربية). ويقوم جدل إذا ما بدك تاخذ أجرتك خليهم عندك. أرجوك يا آرتين الجيرة شي والشغل شي. وكان هناك آرتين الآخر، الكندرجي خارج المخيم في بيت نصفه صفيح وخشب والآخر حجر. آرتين الكندرجي لا يتعاطى الشرب. وآدمي وبيتوتي. وعنده ابن اسمه يغيا وابنته نسيت اسمها. يغيا أشقر حتى اللون الأشهب. تُصبّحه مرحبا يغيا، مرحبا كيفك؛ فيقول إذا إنتو منيح أنا منيح. كيف شغلك يجيب إذا شغلك منيح أنا شغلي منيح وهكذا دواليك. وكان يغيا طيباً طيباً، بعيداً عن المشاكل والتدخين...
أما آرتين الثالث فكان يسكن قرب سينما بلازا، (مقابل بيتي). وكان يشتغل في صناعة الأحذية. ووضعه أفضل طبعاً من آرتين الخياط وآرتين الكندرجي. لكنه كان يشرب العرق المثلث. وأحياناً يقامر. وكانت زوجته تلومه على ذلك إذا بتضل تلعب قمار بدنا نترك بيت أنا والولاد! أما آرتين الرابع فلُقب بـآرتين نظلي (اسم والدته) لأن والدته كانت تشتغل في المنازل، وكانت قوية لكن شديدة اللطف: كيفو أمّك؟، تسألني منيحة. بتسلّم عليك وكيفو جورج فأجبيها منيح منيح... آرتين نظلي كان يمكن أن يكون من القبضايات. كان يحمل مسدساً، لكنه لم يستعمله أبداً، مع هذا كان يحسب له حساب. أوعى آرتين نظلي ما بينلعب معو، وكان أيضاً يحب لعب القمار. وكان يخسر دائماً. أما ليفون فكان بيته مقابل آرتين الكندرجي، تحت الطريق، قرب كنيسة السيدة. العائلة مؤلفة من ثلاثة أخوة وفتاة لم تتزوج. العائلة كلها كانت تعمل في بيع الأحذية. فتحوا محلاً في سن الفيل، ثم محلاً في الحمرا. كان ليفون من جيلي. وانعقدت بيننا صداقة يومية. كان حبّوباً يتجنب المشاكل والتدخين والشرب. وقد برع في مهنته. يدخل بيتنا كما أدخل بيته، بدون أي حرج. كانت والدتي، تلف لنا عروستين زعتر مع رشاد وبندورة. أما وارطيوار اللصيق بيته بآرتين الكندرجي، فقد اندمج، منذ شبابه في الحياة في سن الفيل، فترشح إلى عضوية البلدية ونجح. وشيئاً فشيئاً بدأت أحواله تتحسن: أسّس مصنعاً للمطافئ، وسلك مشروعه وانتشر، فعمّر بناية من أربعة طوابق، استأجر أحدها أخي إيلي رحمه الله! لم يكن وارطيوار مع العائلة في انتخابات المخترة والبلدية. كان مع العائلات الأخرى، لكنه عقد صداقات مع الجميع. وبات من موقعه الجديد مرجعاً لبعض أرمن سن الفيل. وعندما سألت عنه قبل سنوات أخبروني أنه توفى.
أما إذا عدنا إلى الكمب الكائن وراء بيتي، فأذكر أنه كان دائماً نظيفاً، وكان كثيرون من الأرمن يحبون فريد الأطرش. لا اعرف حتى الآن لماذا فريد الأطرش. وأذكر أن الثري بشارة عكر الذي قدم الأرض لهم، حضنهم، خصوصاً أشكوي التي كانت تعمل في بيت بشارة عكر، حتى صارت من العائلة تماماً. وفتح أخوها محل مكانسيان لتصليح السيارات وخصوصاً الفولفو. وما زال المحل شغالاً حتى الآن. أما أخوه كره بيت فاندمج إلى حد كبير في عائلة شاوول وما زال حتى الآن. وعندما رأيته قبل بضعة شهور في سن الفيل عانقني بحرارة كأخ. وسألته عن أحواله وعن أحوال أخته أشكوي فقال لي أنها توفت، وأن شقيقه مكانسيان السيارات شغلو منيح. كنّا نذهب معاً إلى ملعب سن الفيل لحضور مباريات كرة القدم. كانوا يُحمّسون فريق الضيعة نجمة الصحراء ما عدا عندما يقابل فريقاً أرمنياً وكان هناك ثلاث فرق أرمنية في الفوتبول: كرمنيك (وهو مع الرامغافار)، وفريق الهومنتمن (طاشناق) والهومنمن (هنشاق). وعندما تشتد المنافسة بين فريق سن الفيل وأحد الفريقين الأرمنيين (وكانا الأقوى) يشتد الصراع بين الأرمن الذين يحمّسون أحد الفريقين، لكن المصيبة كانت تحلّ عندما ينازل الهومنمن فريق الهومنتمن على ملعب سن الفيل، وعندها ينقسمون سياسياً. أما جمهور الضيعة فكان يحبذ الهومنتمن لأن الفريق الآخر شيوعي والأول أي الهومنتمن يميني يقف دائماً مع الدولة.
ومع أرمن سن الفيل اكتشفت برج حمود (عاصمة الأرمن) ودور السينما فيها أراكس وسيفان وسينما كرمنيك، وكنا نذهب إلى إحداها بحسب الفيلم أولاً لأن الدخول كان رخيصاً (قبل سينما بلازا التي فتحت بين سن الفيل والنبعة). بل ولأنه كان يمكن أن ندخل بـ15 قرشاً، بعد دخول من يحملون بطاقات. لكن في السينما هناك، لم تكن المشاكل بعيدة، فها هو صوت يعلو في العتمة، زيح راسك، أو بيسكت ولي، أو سمعونا حتى تندلع معركة في العتمة بقناني البيبسي أو جلول، وأجبن الموجودين الذين كانوا طبعاً من خارج برج حمود: أنا وأصحابي الأرمن وغيرهم. فكنا نحمي رؤوسنا، ثم ننزل تحت الكراسي، حتى يفض المشكل. وكأن شيئاً لم يكن.

[ البسطرما والسجق
وهل يمكن أن ننسى محلات البسطرما، والسجق في برج حمود. فهذان الطبقان الأرمنيان، دخلا في قائمة الأكل اللبناني، لكن كان لهما في برج حمود نكهة أخرى، نكهة أرمنية أصلية. الله! ما زال لعابي يسيل على بسطرما برج حمود. وكانت هذه الأخيرة تتمتع بوضع اقتصادي أفضل من الكمب في سن الفيل. أبنية، وخدمات، وسياسة، والسيادة كانت للطاشناق، باعتبار أن البدوي والأشرفية والأحياء الأخرى خارج برج حمود، كانت لليسار الذين كانوا دون أوضاع مدينة برج حمود الاقتصادية، ما سمح لظهور القبضايات وكانوا شرسين، يجيدون استعمال الموس (يربطونه بمغّيطة في معصمهم ويشهرونه بسرعة). وأتذكر أسماء اشتهرت بعنفها مثل غارو، أو آرتين الأسمر، وكان علينا، نحن والأرمن معاً، أن نتجنّب عند ذهابنا إلى برج حمود الاحتكاك بهؤلاء القبضايات إلا كريكور. صديقي كريكور، الذي كان يضع فرّاعة على جانبه؛ وكان بارعاً في استعمالها، وأتذكر أنه كان عن بعد يستطيع إصابة شجرة وشك الفرّاعة فيها. كريكور كان استثناء. قبضاي أرمني في سن الفيل، ولم تخل أحياناً مواجهة بينه وبين بعض قبضايات الأرمن برج حمود، إذا تجاوزوا حدّهم إلى سن الفيل. وقد هزمهم كريكور بمساندة رفاقه غير الأرمن ومنه أنا. وعندما صادقت كريكور، كان يكبرني سناً، كان عليّ أن أجاريه لا بحمل فرّاعة، بل بسكين بست طقات، وهذا كان حملها ممنوعاً. طبعاً، لم أستعمل ذلك السكين، الذي كنت أخفيه في جيب بنطلوني، إلاّ عند التباهي قرب كريكور حامل الفرّاعة. وكنّا نذهب إلى حرش سن الفيل وكانت غابة صنوبر تمتد من قرب الجسر الواطي إلى عمق الضيعة، فإلى مار روكز في الدكوانة. وهناك نشتري بطحة عرق أو أكثر (وكنت في الرابعة عشرة)، وبعض رؤوس البندورة وعلبة سردين، وإذا أمكن بعض الخيار وندخن، ونشرب تحت ظلال ذلك الحرش الرائع، الذي لم يتبقَ منه اليوم سوى بضع صنوبرات متفرقة هنا وهناك.
لكن، تعرفت أيضاً إلى أرمن وافدين من الدكوانة، ليدرسوا في مدرسة سن الفيل الرسمية (مدرسة المعارف)، وكان تلامذتها خليطاً من سكان الضيعة، والنبعة، والدكوانة.

[ في المدرسة
لكن عندما انتقلت من مدرسة سن الفيل بعد نيلي شهادة السرتفيكا إلى مدرسة السان جان لابوتر في الدكوانة، عجت هذه المدرسة بالأرمن، وخصوصاً من برج حمود، ولم يخل هناك من وقوع خناقات بيني وبين بعض الأرمن، وأتذكر ذلك الذي أصبح صديقي، أوهانس، الذي كان يتباهى بأن وراءه كل أرمن المدرسة. وهؤلاء وأنا كنّا نركب البسكلاتات للمجيء إلى المدرسة. وأتذكر أنه كان هناك نحو 40 بسكلات للأرمن. واصطدمت بأوهانس في فرصة الساعة عشرة، ورميته بقنينة بيبسي لم تصبه. وبعد الظهر، وبعد الخروج من المدرسة اكتشفت أن أوهانس ينتظرني مع بضعة تلامذة أرمن، ليؤدبني، لكن نسي أوهانس أني أيضاً تربيت مع الأرمن، ومع قبضايات سن الفيل، فلم أخف. أنا رميت البسكلات وتقدمت صوبهم. وكاد يقع الاشتباك؛ لكن التلامذة الآتين من الدكوانة خصوصاً، وكان بينهم كما أذكر طالب اسمه طانيوس، وهو ضخم، وشجاع، وكادت المعركة تتخذ بعداً أرمنياً، عربياً، لكن في اللحظة ذاتها رأينا أبونا ساروفيم، وهو مدير المدرسة يقترب سريعاً يللا كل واحد عبيتو، وإلا بطردكم كلكم، مفهوم؟!. ركبنا البسكلاتات، وذهب كل منا إلى عرينه. أوهانس عرفت بعدها أنه صار شخصية مؤثرة في حزب الطاشناق، صار صديقي. وزارنا في البيت.
لكن أجمل ذكرياتي كانت مع التلميذ الأرمني الموهوب الفنان العالمي اليوم المقيم في باريس، وهو أسادور بزدكيان الذي كان ينال في صف الرسم وكان معلمنا الأستاذ مورتمر 10 على عشرة، وينال شقيقه جوزف 9 على عشرة. أسادور سلك طريق الفن ولمع، وجوزف سلك طريق التخصص بالكهرباء، ولمع.
كان أسادور يجلس قربي في الصف الخامس التكميلي، هو يُنَقّلني الحساب، وأنا أُنَقّله العربي. لكن، جلوس اسادور قربي، وهو الهادئ، لكن المتواطئ أحياناً كثيرة، كان يتورط معي، عندما اتشيطن في الصف، أو اثير ضحك الطلاب. يلتفت الاستاذ، متبيناً مصدر الصوت: أسادور وبول برا. وكنا نخرج إلى برا. ولم يكن أسادور ينزعج، ذلك لأن صداقة رائعة ربطتني به وبشقيقه، وذهبت ذات يوم الى بيته على خط التراموي ناحية برج حمود، واستقبلتني والدته بترحيب ولفّت لي عروس بسطارمهّ! آه! رائع!
وأذكر ان والدة أسادور كانت مثله كتومة، قليلة الكلام، لكن ذات وجه يشرق عندما ترحب. وبقينا معاً في المدرسة ذاتها سنتين أو أكثر.
أما ذكرياتي الأخرى السياسية، فكانت في معظمها، طالعة من الانتخابات النيابية في المتن الشمالي. أحزاب الطاشناق والهانشاق ورامغافار، كانت تتوزع بين لوائح يترأسها عادة حزب ماروني، الكتائب أو الأحرار. الكتائب كان حليف الدولة عموماً، ومثله الطاشناق، ولهذا كانت لائحة واحدة تضمهما. وأتذكر النائب سركيس دركالوستيان، الطاشناقي، وارتين مادويان الشيوعي: برج حمود مسكرة للطاشناق، وكل سيارة انتخابية معارضة، أو في اللائحة المنافسة، وأحياناً لائحة كميل شمعون والكتلويين والقوميين السوريين يردفها العنصر الأرمني، (الهنشاق المعارض)، كانت تدخل الى عرين الحزب زجاجها يحطم بالعصي، ولا يسلم دائماً سائقوها وركابها. ولم أشهد أن يوماً ما خسر الطاشناق في المتن، او في الاشرفية، إلا في الدورات الأخيرة، أي عندما غير سياسته من موالاة الدولة وأحزابها، إلى انحيازه الى الوصاية السورية وبعدها الايرانية. سقط في كل المواقع ما عدا برج حمود. وهنا لا يسعني إلا أن أتذكر وزراءً كباراً أرمن في الحكومات المتعاقبة خصوصاً خاتشيك بابكيان، الذي كان يجيد العربية افضل من كل نواب المجلس النيابي.
[ تركي بلدتي
بعدما تركنا سن الفيل إلى منصورية المتن، انقطعت عن زيارة بلدتي، ثم انتقلت إلى الحمراء. وما بين الاثنين وقعت الحرب عام 1975. وعرفت ان كمب سن الفيل قد زال، وانتقل أهله إلى السكن في ابنية في سن الفيل. وعرفت أيضاً أن الأرمن تعرضوا لضغوط كبيرة وقاسية أثناء الحرب من قبل بعض الميليشيات المحلية لتوريطهم في الحرب الطائفية. كلهم رفضوا، وقالوا تكفينا المجزرة الكبرى، فلم نعد نحتمل تعرضنا لمجازر جديدة. لكن هذا الضغط السياسي الذي رافقته اتهامات وتهديدات من قبل تلك الميليشيات، يضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي حمل الكثير من نخبة الأرمن في برج حمود وسواها إلى الهجرة إلى أميركا أو فرنسا.. ليفقد لبنان طاقات لا طاقة له بتعويضها.
وعندما خرجنا الى العالم الفسيح، من سن الفيل والكمب وبرج حمود (وكذلك النبعة). توطدت علاقاتي بفنانين أرمن كبار كبول غيراغوسيان الذي كان من أعز الأصدقاء، وكذلك سيتا مانوكيان، وكذلك مع مسرحيين أمثال برج فازليان وجيرار افيديسيان وبيار شامسيان..
ومع شعراء أرمن لا سيما صديقي سركيس غيراغوسيان عاشق الشعر العربي، ومترجمه الى الأرمنية. وهنا لا بد أن أذكر اني ترجمت عشرات القصائد الأرمنية الى العربية، ونشرت بعضها في ملحق النهار، وفي جريدة المستقبل.
لكن تبقى المكانة الرحبة فيّ لصديقين كبيرين: بول غيراغوسيان واسادور بزدكيان. الأول رحل، والثاني التقيته في باريس قبل عدة سنوات وكان لقاءً حميماً مليئاً بالحنين، وذكريات تلك المرحلة. أسادور يعتبر اليوم من كبار الفنانين العالميين.
اغتنمت الذكرى المئوية لمجزرة الأرمن على أيدي العثمانيين لأحيّي هذا الشعب الموهوب، الكبير، المبدع، الذي كان لي أن أعيش فترة من حياتي معه، وفي منازله، وفي مناطقه، وعاداته.. وطعامه العظيم البسطرما والسجق وحتى المقانق الأرمني الحار!
تحية إلى الشعب الأرمني في العالم، وفي لبنان، فنحن وهم شعبان، ذاقا مرارة الظلم والقهر والتهجير.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00