رحل الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري عن 79 عاماً في المغرب بعد معاناة صحية طويلة، هل نقول انه شاعر افريقيا، أم شاعر الزنج أم شاعر العبيد أو شاعر العروبة، او الصوفي، أو الغنائي، أو الخطابي، أو الدرامي؟ قد يكون الفيتوري كل ذلك، لكن اين ميزته، في شعر الستينات، والسبعينات مع رعيل كبار كالسياب والبياتي (وقبل ذلك بعض كبار الشعر السوداني كالتيجاني) من دون ان ننسى مراحله ومسرحياته المتداخلة.
ان النكهة الجديدة التي غذى بها الفيتوري التجارب العربية آنئذ هي الافريقية. كأنه أول شاعر أسود عبد (بعد عنترة الجاهلي)، يواجه غربة اللون وضعف الوسامة. انها جديده إلى الشعر العربي، الذي كانت تسوده آنئذ في الخمسينات والستينات، الاتجاهات القومية العربية (الناصرية)، واليسارية والشيوعية، والصراع العربي الاسرائيلي! جاء الفيتوري من النافذة الافريقية، ديوانه الأول (1955) أغاني افريقيا وأعقبه بثلاث مجموعات افريقية وعاشق من افريقيا، واذكريني يا افريقيا وأحزان افريقيا (1966) وقد مهد دخوله من هذه النافذة رحلته الطويلة في الشعر والتحولات والحياة. المناخ الافريقي بطبوله، وفقره وعبوديته وطقوسه، كأنه كان فتحاً جديداً في الشعر العربي الذي لم تكن افريقيته (مصر، السودان، تونس، ليبيا) تدفعه إلى التماهي بها.
لكن حتى شعره الافريقي، الذي غناه بجذوره وامتداداته، وعقده الشخصية معه، تحول على امتداد هذه الدواوين الثلاثة والمسرحية من شكوى خاصة، متصلة بلونه، وبشاعته (على حد قوله)، الى صرخة ثورة ونضال ومواجهة مع الاستعمار، والمحتلين والمستغلين، نصرة للحرية وللفقراء. انها مرحلة كاملة افريقية، هي الأغرب والأندر على امتداد الشعر العربي. بدأت بالشعور بالغربة (تماهى بفترة الأسود، العبد)، وبالاختلاف المذل، إلى الافتخار، والعشق، والحب. انه نداء الجذور:
جبهة العبد ونعل السيد
وأنين الأسود المضطهد
تلك مأساة قرون عبرت
لم أعد أقبلها لم أعد
وقد اشعلت افريقية ديوانه الأول (والآخر) موجة من الانتقاد القاسي عليه، خصوصاً من المفكر الشيوعي محمود أمين العالم الذي قال له انها مناسكك الخاصة تسقطها على قارة بأكملها على افريقيا، ويقصد انه بذلك اغفل النضال الطبقي، والثورات الايديولوجية والماركسية. وقد أورد الفيتوري اصداء من تلك الانتقادات محمود امين العالم، اثار عاصفة جدلية حول المفاهيم الايديولوجية للديوان.
لكن قول العالم لا يصح حتى في ديوانه الأول. ولو اعتمد الفيتوري مثلاً التباهي بالعروبة.. لنال النصيب نفسه من النقد.. خصوصاً من الطرف اليساري الذي لم تكن العروبة من أولوياته.
وعلى امتداد دواوينه يظهر الفيتوري تصوراً خصوصاً بعد تعرفه الى شعراء كبار كجبران (الذي تعبد له خصوصاً المواكب و النبي و فوزي المعلوف، وميخائيل نعيمه والياس ابو شبكة، ونعمة قازان، وايليا أبو ماضي وصولاً الى بودلير.. والسياب والبياتي، وانخراطه شيئاً فشيئاً، في القضايا العربية والقومية (قدم عدداً من القصائد لعبد الناصر)، ليربط بذلك الزنجية، والافريقية بالعروبة: فكلها تعاني المشاكل ذاتها، من الاحتلالات والوصايات، والاستعمار.
وهذا ما ظهر في انتقاله (غير المقطوع نهائياً) عن الغنائية العالمية حتى الخطابية، الى الداخل، والى الصرخة المدوية، من الشعور بالدونية إلى الانخراط في الثورة الافريقية، والعربية. وقد كتب عدة قصائد للدمونيا، وعبد الناصر، وبن بيلا، ونكروما، والسودان، وكانوا كلهم من ثوار تلك المرحلة.
وإذا كانت افريقيته ـ الزنجية، احتلت بداياته الطويلة، فانه تميز بالصوفية، وكانت موجة آنئذ عند العديد من الشعراء، عند البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس وسواهم. لكن صوفية الفيتوري لم تكن تاثراً ثقافياً أو ممارسة شكلية، وانما بحسب قوله جزء من كياني. فوالدي كان احد كبار الصوفية، ولهذا فلجوئي اليها ليس طارئاً، أو مفتعلاً أو ثقافياً فهي كما في معزوفة درويش متجول التفاته أعمق الى الداخل، موقف انساني ايجابي. انه الصوفي الثوري وليس ذلك الصوفي التقليدي المتهالك المهزوم، ونضيف هنا وليس كبعض المتصوفة الذين، كمعظم من انخرط في هذه الموضة، لفظيين، بعيدين عن التجربة بعمقها، وممارساتها، وجنونها.
وكما مازج الفيتوري زنوجيته بعروبته كسلاح للنضال، والمواجهة، فهو ايضاً، واضافة الى تجذره الصوفي، جعل من الصوفية سلاحاً للثورة (نتذكر الحلاج هنا) ومأساته.
وبين هذين المنحيين، تنوع الفيتوري في تجارب عشق وحب، كتبها بنبرة جديدة ملتهبة، وعايش مختلف الظواهر الاجتماعية في بلده السودان، والتناقضات العربية، والسياسية، وكان ان اسقطت هويته السودانية من الرئيس النميري، ليتبناه القذافي، الذي منحه الجنسية الليبية، وعينه سفيراً لليبيا في عدد من البلدان العربية ومنها بيروت. وكلنا يتذكر ذلك المشهد المؤثر الذي ركع فيه الفيتوري وقبّل ارض لبنان، بعد طرده من البلد لأسباب سياسية. وبعد سقوط القذافي، اسقطت هويته الليبية، ولجأ وزوجته إلى المغرب، ليعيش هناك.. ويموت.
وبرحيله، يفقد الشعر العربي قامة كبيرة حاول صاحبها، على امتداد سنواته، وتنقلاته، لتجاوز نفسه، عبر التجارب السياسية والاجتماعية والشخصية، وخصوصاً الشعرية. كان متعطشاً الى الخروج من مأزقه الأول سواد البشرة، فتجاوزه عندما احتضن العروبة والقضايا العربية والافريقية، وتعرف الى تجارب شعرية عربية وعالمية ساهمت في تطوره.
وعلى الرغم من تفاعل الفيتوري، بالمراحل الشعرية العربية، الا انه بقي بعيداً عن الاتجاهات الحديثة التي ظهرت مع مجلة شعر و حوار والدعوات الى ثورة على الموزون والتبسيط والمباشرة نحو القصيدة المركبة، الغامضة، مكسرة القوالب القديمة: كما نجد عند انسي الحاج، وأدونيس، وقبلهما توفيق صايغ، والسوريالية، وما بعد السوريالية. رحل الصديق الكبير، وصديق بيروت، لينضم إلى موكب الكبار بكل الغنى الذي خلفه وراءه. انه شاعر يرحل ونستبقي كثيره وصدق مساره، وشغفه الكبير بالشعر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.