8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل غونتر غراس: آخر الضمائر الفلسطينية الحية في أوروبا!

رحل الكاتب الألماني الكبير غونتر غراس عن عمر يناهز السابعة والثمانين؛ والذي يعتبر من أهم كتّاب ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. عاش التقسيم الألماني، كما سقوط جدار برلين، لكنه مع هذا كيساري راديكالي، عنيد، وايديولوجي متنور، اتهم ألمانيا الأخرى (وهو الذي عاش في ألمانيا الشيوعية). بأن الوحدة بين الألمانيتين الشرقية والغربية، أدّت إلى هيمنة الألمانية الرأسمالية، والتي باعتبارها الرأسمالي، تشوه ألمانيا، بتحويلها إلى سوق مفتوحة، ضاربة كل القيم الاجتماعية، والخصوصيات، بنزعتها المعولمة.
إنه صاحب طبل الصفيح (عام 1959) والتي فازت بجائزة نوبل بعدها بـ40 عاماً، والتي تلتها روايتان أخريان هما القط والفأر وسنوات الكلاب، في ما يطلق عليها ثلاثية وانستيغ. ومن رواياته المشهورة مدينتي ومنسية السرطان (2002).
لكن تبقى رواية طبل الصفيح التحفة المميزة لديه. وقد حولت فيلماً سينمائياً، بعد عشرين عاماً من صدورها. وقد كان صدور هذه الرواية تعبيراً عن قدرة الألمان، بعد الهولوكوست، على إنتاج روائي كبير، مصوغ بتقنيات عالية، ومتأثرة تأثيراً كبيراً بأسلوب السرد العربي القديم (كما صرح الفيلسوف أدورنو).
لكن غونتر غراس، وعلى امتداد سنواته، سياسياً من الطراز الأول، محصناً بمواقف راديكالية يسارية حتى في زمن تراجع اليسار في ألمانيا وأوروبا، بل كأنه من أواخر شهود الثبات على مواقفهم، من خلال انحيازه إلى المضطهدين والمظلومين، واتخاذه مواقف أثارت جدلاً كبيراً وموجة من ردود الفعل والانتقادات. فإلى موقفه من نتائج الوحدة بين الألمانيتين، وغضبه من رؤية القيم الاجتماعية والتنويرية والإنسانية، تنهار أمام زحف العولمة، فإن مواقف أخرى عديدة، كان لها الدوي، منها معارضته الشديدة للحرب التي شنتها أميركا على العراق عام 2003، وكذلك تضامنه مع الشعب الفلسطيني، وإدانته للممارسة الصهيونية، وإقامة المستوطنات، واستخدام العنف المتمادي في حقهم، ودعوته الملحة إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. ولا يمكن نسيان إغضابه إسرائيل، بإشادته بالعالم النووي موردخاي فعنونو الذي فضح تفاصيل البرنامج النووي الإسرائيلي السري عام 1986، صائغاً هذا الموقف في قصيدة ملتهبة بعنوان بطل من أيامنا.
ولم تتورع إسرائيل وبعض كَتَبتِها، عن اتهامه بمعاداة السامية، وانحيازه إلى النازية. لكن هذه الهجمة المنظمة عليه، لم تثنه عن تكرار استهداف إسرائيل بانتقاداته العنيفة، عندما انتقد الكيان الصهيوني باتهامه إياه بتهديد السلام العالمي، وسط مناخات ثقافية وسياسية مؤيدة لها في ألمانيا، ما جعل إسرائيل تدعو إلى مقاطعته ثقافياً وأدبياً. كما أثار ضجة عندما نشر قصيدة نثرية بعنوان ما ينبغي أن يقال، وهاجمها فيها عبر تهديدها بضرب المنشآت النووية الإيرانية.
سواء وافقناه بعض مواقفه، أم ناقشناه فيها، فإن غونتر غراس، من آخر ظواهر اليسار الراديكالي الثقافي في ألمانيا وأوروبا. وعندما نشاهد اليوم أحوال اليسار في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا... من تراجع، وتدهور، وانحراف، وتعديل في الأفكار، وخضوع لأيديولوجية العولمة، والسوق، وطغيان القيم التسليعية، والتخلي عن مبادئها الأساسية نحو ليبرالية مشوبة، أو وقوع في أمراض الهويات المتعصبة، نأسف لرحيل هذا الرجل الذي بقي صوتاً حراً يقاوم استغلال الشعوب وفي مقدمهم الشعب الفلسطيني.
كأنه آخر المحاربين القدامى لقضايا العالم الراهنة، بحس إلى جانب مباشرته السياسية السجالية، يتمتع بدراية ومتابعة لما يجري حول العالم، لكن من موقف المتفرج السلبي، بل من موقع الملتزم العضوي، الاجتماعي والإنساني والاقتصادي.
برحيل غونتر غراس، كأنما يرحل عالم بأكمله، عالم النضال، والمثقف العضوي، الذي لا يتردد في كسر التابوات الذرائع في تعبيره عن تضامنه مع العدالة، والقيم الثقافية، والإنسانية.
إنه آخر اليساريين الراديكاليين. إنه الضمير العالمي الذي انطفأ وسط انطفاء قناديل ثقافية كثيرة!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00