قال العديد من الكتاب والنقاد إن كل الروايات ليست سوى سير ذاتية، حتى ولو طرقت مواضيع خارجية، أو اجتماعية أو سياسية. ربما، كان ذلك صحيحاً، وربما كان موضع نقاش. لكن، إذا أخذنا نتاج الروائية السورية غادة السمان الضخم، نجد أنها أقرب إلى السيرة الخاصة، التي تطل بها، أو تنطلق منها إلى مختلف الأمور الاجتماعية. سيرة خاصة في سيرة اجتماعية، أو مسار اجتماعي من خلال سيرة خاصة. المفرد والجمع يلتئمان. الخاص والعام يتمازجان. في روايتها الجديدة يا دمشق وداعاً تبدأ غادة السمان من بداياتها، وتختمها في بداياتها في بيروت، وكل شيء يتحرك بين البدايتين. البداية الدمشقية تنتهي في بيروت، وتغوص في بيروت، وتكتشف هذه المدينة التي كانت مفتوحة بكل أبوابها ونوافذها وشوارعها ومقاهيها ودور نشرها وكتّابها على كل العالم، لا سيما العالم العربي. وإذا كانت دمشق المكان الذي ترعرعت فيه غادة، والتمعت فيه موهبتها، وبرزت شخصيتها المتمردة، على التقاليد التافهة، فإن بيروت هي المكان الآخر الذي سيكون المساحة الحرة لجنون الحرية، وجنون الأفكار، وجنون المغامرات، في مجتمع كان يعيش مراحل خروجه من الأنماط الماضوية، ومن العادات المتكلسة، ومن التمرد على كل ما هو جامد. مجنونة التمرد تلتقي بيروت شقيقتها في جنون التمرد. وكأننا نقول إن رواية غادة يا دمشق وداعاً هي رواية الأمكنة بامتياز. الأمكنة بجمالياتها، وروعتها، وحميميتها أو تذكاراتها، في دمشق، وكذلك في بيروت ولبنان، خصوصاً البحر معشوق غادة السمان. عشقته في اللاذقية، وها هي تعشقه في بيروت. لكن الأمكنة بأزمنتها. فهي فقط ليست لوحات جمالية، وطبيعة خلابة، وياسمين، وزيزفون، وفل، وأشجار وغوطات، بل هي زمان أيضاً: أي أفكار، وهواجس، وتقاليد، وتاريخ، وسياسة، ومضامين اجتماعية، أي أنها الوجوه الأخرى التي تميز جمالاً عن جمال، وعيشاً عن عيش. فالطبيعة تتحرك بتحرك ناسها. وبطبائعهم. وبوقتهم، وبنوازعهم. أي ما يوازي حركة الفصول، والأيام، والليالي والنهارات: الطبيعة ليست جامدة. ولا ساكنة. ولا واقفة فقط في عناصرها، إنها الطاقة التي تتجدد. وهنا يقع الالتباس: دمشق الستينات التي عاشت فيها غادة، كانت تعاني بين حركة الطبيعة وحركة الحياة الحرة. الحياة المتعددة، الكثيرة، المتحركة، المتحولة. كأنما كان هناك صراع غير متكافئ بين غرائز الطبيعة المتفجرة بحرية، وبين الناس الغارقين في عاداتهم، ومحرماتهم، ومعتقداتهم، وعلاقاتهم وتراتبياتهم، ومراكزهم، ومواقعهم: كل شيء في مكانه. محصور في مكانه. لا يهزه الزمن. ولا تصيبه عدوى الطبيعة. الطبائع مفصولة عن الطبيعة. والطبيعة يتيمة بأزمنتها. هذا ما عبرت عنه غادة السمان: إنها هوامش الضيق تتسع، لتخسر هوامش التغيير، والتفرد، هنا، نوع من التوتاليتارية الثقافية والاجتماعية والعائلية، تريد أن تجعل من الناس أنماطاً أحادية، أو متشابهة، أو متماثلة. وكل خروج على هذه الروبوات الواعية واللاواعية هو خروج على أصالة المجتمع، أو خيانة لمقدساته (والمقدسات ليست أكثر من تعابير توتاليتارية تجمع الكل في رهبة واحدة).
زين، بطلة التمرد، تزوجت من رجل أحبته، لكنها، هكذا، كان لنوازعها، وأحداسها، وتطلعاتها، وربما هواجسها أن تطلقه. أحبته. لم يجبرها أحدٌ على زواجها منه، وعاركت الجميع لتفوز بمن تحب... ثم شحّ زيت الحب، ونضب، وانطفأ، وبات فتيله أيبس من خشب. انتهى الحب، وتمردت زين على حبها. على مغامرتها. على جنونها، لكن بجنون آخر: العادة تقول إن الزوج (في المجتمع الشرقي وحتى الديني) هو الذي يطلب الطلاق. والعصمة في يده. شاء من شاء وقبل من قبل. لأنه هو السلطة. والزواج هو تعبير عن السلطة، وكذلك الطلاق! فكيف لهذه الفتاة أن تحطم كل هذه القواعد، وتطلب الطلاق. إنه خروج على الأنماط الألفية. كسر للمرايا الصدئة. وهكذا، كان لطلاقها دويه في بيئتها. الدوي السلبي، داخل العائلات السعيدة، والأذهان المحافظة؛ كأنها تكسر بذلك سلطة مقدسة معطاة أو موهوبة سماوياً ودنيوياً للزوج. أن تكسر امرأة شابة بلا سلطة، سلطة الزوج أي سلطة المجتمع، فهذا يعني قفزاً خارج المألوف، وتخريباً للقواعد والقوانين الأبدية! لكن لا يتوقف انتهاك زين للأعراف بالطلاق، بل باتخاذ قرار فردي بالإجهاض. أجهضت عند طبيب تعاطف معها، ولم يفشِ هذا السر. بقي لعبة متواطئة بينهما، بل وكان سبباً في عقد صداقة حية بينهما. ونظن أن الإجهاض الذي مهد للطلاق كان محاولة لمغادرة نهائية لمرحلة ما، ولزمن ما، وربما لمكان ما. بتر الجذر العائلي الذي يحوّل العلاقة ربما إلى قفص اجتماعي، وعلاقات اجتماعية، بل وربما ويحل الإنجاب بإلزاماته اللاحقة، ووشائجه، محل الحب. إذا كان انتهى الحب عند زين فلِمَ الإنجاب. الإنجاب بعد الحب يصبح آلية جهنمية محرقة للعواطف، وللحرية، والانفلات، والجنون. أي كأنما تكريس لحياة بل حب. وعلاقة بلا حب: والتعويض العلاقات الاجتماعية السائدة. وهنا لا تعود المسألة مسألة شخص ما، أو حبيب ما، بل نزعة جديدة: الحب قيد كجوهر، ولن أضع روحي فيه، ولا جسدي، ولا كتاباتي. وهذا ما يفسّر هروبها اللاحق من الوقوع في الحب، حتى عندما قابلت غزوان، المثقف الفلسطيني، الحالم، الجميل. لا! سأبقى بلا قيود. هنا التمرد في أصفى لحظاته! تمرد على الحب هو تمرد على الذات وليس على المجتمع فقط. هو الارتداد إلى خبايا الذات المجهولة، إلى أزمنتها البكر، لاقتحامها، بلا سلاسل، ولا تحفظات. (أوليس هذا ما حدث مع الطبيب في البدايات؟). هل هو قرار عقلاني؛ ربما! ولكنه نزعة داخلية، بدأ رأس جبل الجليد... وما أدراك ما تحته! اكتشفت زين في مطالعاتها أنها مصنوعة للشغف والجنون ولكن بشروط أخرى، وبمواصفات أخرى. هي جبل تكتشف رأس جبل الجليد! وما أهوله. وعندما نقول إن رفضها هذا هو نزعة، فيعني أنها ليست نزعة منفردة منفصلة؛ إنها الكائن كله تجلى في جانب واحد من جوانبه. إنها كسر للهوية الذاتية الواحدة، لتربط كل هوياتها الكامنة بحرياتها المقبلة. إنها لعبة هويات سواء في العلاقات، أو في الكتابة، أو حتى في مجاهل الشغف. كأنها فضلت هنا أن تكون الغابة المتكاثفة غير الواضحة لا أن تكون الشجرة المعروفة، المعروفة، بسطوحها، وبثمارها، وفروعها! فلنقل إنها بدايات الدخول في تشعبات الغابة الذاتية... التي إن انفصلت كائناتها أو تشابكت تبقى ضمن فضاء متعدد غزير في الذات. الذات متعددة، فلماذا يجب أن أبقى في دمشق الخمسينات والستينات، حيث الذوات واحدة؟ وتالياً، لماذا يجب أن تفرض علي هذه الذات الاجتماعية مراسم الزواج، والأكل، والملبس، فرضها الكتابة والتفكير، والمحرمات والمقدسات (المقدسات تعني ذاتاً بلا صيرورة ولا سيرورة، محدودة، مكبوتة مسحوقة).
إنها الكتابة إذاً: حرة كالحب. وصعبة كالحب. ومزاجية كالحب. ومتعددة تعدد الزمان والمكان. الكتابة المختلفة تتطلب ذوات مختلفة. مغايرة. متحركة ومتمردة. ولهذا، بدأت هذه المطلقة الصغيرة المشاغبة التي جعلت الحي الذي تسكنه رأساً على عقب بعد طلاقها، وصارت تهمة متنقلة ومثالاً سيئاً للآخرين والأخريات، بدأت بالكتابة الأخرى، من خارج قوالب المحنطات والمحظورات والأذواق السهلة المطمئنة. الكتابة كالرأي، كالقول، كالتفكير، لطمة، والثورة تبدأ بلطمة أو بضربة. دخلت زين في عالم الكتابة من باب التعبير عن ذاتها. من باب كسر الأقفال. من باب رمي المفاتيح الصدئة في الوجوه الصدئة. نشرت، كتبت، ظهرت على التلفزيون، تميزت بحليها، بذوقها، أف! صارت الفتاة الصغيرة ظاهرة، والظاهرة تعني العدوى. والحرية عدوى (كما الموت). والحياة عدوى. والجنون عدوى. وهذه العدوى تقسم الناس بين من يحافظون على عافيتهم الساكنة، وبين ناس يشرعون لهذا الوباء الجميل مصائرهم. ولهذا، حذا حذو زين العديد من الفتيات اللواتي تمردن على الإرادات العائلية والتقليدية، لا سيما في الزواج. هربن في ليلة كتب الكتاب (فضيلة مع نجم) مع من أحببهن.. الخروج الأول عن إرادة المجتمع لا بد أن يليه، في تلك المرحلة، هروب آخر (تزوجت فضيلة من حبيبها وأقاما في دبي). حرية أخرى تحققت في تلك البيئة. وعندما أخذت زين توسع دائرة نشرها من الصحف السورية إلى اللبنانية (وكانت يومها في عز فوراتها)، وجدت أنها لا بد أن تتبع مسيرة كتاباتها؛ إلى هناك. إلى مكان آخر أي إلى زمان آخر.
لكن في هذه النقطة بالذات انفرجت أمامها البيئة السياسية السورية الكبرى حاضنة هذه المناخات: النظام السياسي وأدواته المخابراتية. في زمان هذه الأمكنة الشاسعة ظواهر القمع، والضغط، والفساد، والسجون، وتكالب المخابرات، وتماديها على الحريات، خصوصاً حرية التحرك والكتابة. وهنا تصف زين برشاقة، كيف أراد أحد ضباط المخابرات أن يعطيها اذناً للخروج إلى لبنان مقابل ما يمليه عليه ضميره المخابراتي: استغلال هذه الفرصة للوصول إلى زين، وقضاء سهرة طويلة في مكتبه معززة بكل عناصر المتعة. وعندما هربت، وسرقت منه الاذن الذي ألغاه، عمم اسمها على الحدود باعتبارها عميلة للمخابرات الألمانية. الطبيب وحيلة المرأة لعبا الدور... وتمكنت بهما أن تضلل رجال الأمن على الحدود... وتخرج إلى بيروت. إلى ذلك أضاءت الرواية على الصراعات السياسية الأيديولوجية آنئذٍ في سوريا؛ من ناصرية، وبعثية، وشيوعية ويسارية، تلك التي انتهت بسيطرة الحزب الواحد على كل هذه الأحزاب الحركات. وتشير هنا، إلى رفضها لكل هذه الشموليات، وإعلانها ليبراليتها، أو حريتها، أو استقلاليتها!
إذاً، البيئة الاجتماعية في سوريا محافظة وقامعة، وبيئة النظام تعهدت القمع: البيئتان أطبقتا على الأفكار (أي الزمان)، وبات الخروج حاجة وجودية، ثقافية، إنسانية.
وكانت بيروت تنتظرها.
وهنا، ترسم زين (غادة) ملامح وصولها، ويخدم تلك المرحلة، وظواهر المجتمع الحرة. هناك تعرفت إلى مطعم فيصل حيث كان يلتم بعض السياسيين والمفكرين مثل مُنح الصلح، والهورس شو المقهى الشهير مقصد الكتاب والشعراء، وكذلك الأنكل سام، وشارع الحمرا، والصحف اللبنانية التي كان كثيرها يعرفها جيداً من خلال نصوصها المنشورة لتفتح لها صدورها ومنابرها. وفي بيروت التقت غزوان الشاب الفلسطيني الحالم والفقير الذي طلب يدها للزواج في أول لقاء صدفة من دون أن يعرفها أو حتى يعرف اسمها. وغزوان صار رئيس تحرير إحدى الصحف. التقيا: غزوان (غسان؟) وهي. (بل ربما الطبيعي) أن ضابط المخابرات السورية، الذي هاله إفلات زين من براثنه وقذارتها، أحست زين أنه يلاحقها، لينتقم منها، عبر جواسيسه. لكن بيروت آنئذٍ لم تكن في قبضة النظام السوري. ونجت من كل المحاولات.
فصل سوري ينطوي وآخر لبناني ينفتح. نافذة مغلقة أُسدل عليها الستار، ونافذة بعدة نوافذ شرعت لزين. من بيئة ضيقة، أسيرة ماضيها وتقاليدها وأعرافها إلى بيئة أخرى تبحث عن زمن جديد، وأفكار جديدة، وثورة جديدة، ومجتمع جديد: التقى الأحبان إذناً؛ زين وبيروت. لقاء أشبه بالسحر: هنا بالذات تغوص زين في عالمها الجديد، لكن بعناء بنت القاسيون وقوتها وشفافيتها. وعليها، على الرغم من كل هذه المعطيات الإيجابية، والرحابة، والتسامح، والترحيب، أن تتصرف بما علمتها إياه تجارب الماضي. فالحرية لا تُمارس مرة واحدة. ولا تُصنع مرة واحدة. بل كل يوم. وكل ساعة. حتى لتصير مهنة شاقة في زمن مركب، وها هي مهيأة، لكن حذار الفخاخ. وهنا أيضاً، حيث التحرك والمشاعر والانفعالات والأفكار بلا حدود، عليها ألا تعيد أخطاء الماضي، الحب، أهو خطأ مطلق، أم نسبي مرتبط بمكان وزمان معينين: وإذا كان الإنسان يحس بلا حرية بقوة التحدي، فعليه أن يحس مع حريته بتحدٍ أكبر: لم يعد من ذريعة لكي تتبعثر في الأفكار، أو في الانتماء، أو حتى في الحب. فالمسؤولية تكبر عليها، وعلى اختياراتها، وكتاباتها. فهناك في بيروت أقلام نسائية متمردة إلى أقصى الحدود، وهناك الثورات، والنقابات، والثورة الطالبية، والثقافات المتصارعة، والانتماءات المتضاربة. هنا، التعددية، والاختيار يصبح أصعب، لأن الاختيار المرتبط بالحرية إذا ضلّ السبيل، فالمصيبة أكبر. على عكس الاختيارات المصنوعة، المفروضة، الأحادية، في البلدان الشمولية كسوريا. إنه الحذر الخلاب؛ هذا. اللعبة الخطرة الجميلة. المغامرة المفخخة، الحرية المشرعة. هذا الحذر عند زين كان جزءاً من الانفتاح، جزءاً من الانخراط الحي في هذه المناخات المتشعبة بفضاءاتها، وأزقتها، ومتاهاتها، وضوئها، وظلمتها؛ كل شيء حاضر، لكن كل شيء في الطريق إلى التحول. وعرفت زين أنها هنا، دائماً على منعطفات خطرة، دائماً على متغيرات غير محسوبة: هذا رائع لمن اختار الطريق الصعب في الحياة والكتابة: المغامرة التي خاضتها في بيئتها، تختلف هنا جذرياً، لأنها متعددة المسلك، والمخاطر: الفتيات والنساء هنا يخترن اللباس المكشوف، والميني جوب، والديكولتيه والبناطيل القصيرة، ويجلسن في المقهى، وفي المطعم، يطلبن ما يشئن، ويقرأن ما يشئن. إذاً، الاختلاف في مساحات الاختلاف ليس بالأمر السهل. فالمجتمع هنا أمامها. وليس وراءَها كما كان مجتمعها الضيق. والاختلاف لا يطول إلى الملبس والمسلك، بل إلى التفكير والاختيار السياسي والأيديولوجي والجنسي.
هنا السؤال الكبير: شجرة في غابة كثيفة، تحتوي على أنواع كثيرة من الأشجار. وها هي على عتبة الغابة، أتكون شجرة جديدة... وسط هذه الكثرة من الأشجار، أتكون لوناً جديداً، وسط هذه الألوان الكثيرة، أتكون نكهة منفردة وسط هذه النكهات المنفردة، أتكون نبرة مميزة وسط هذه النبرات المميزة. ولأنها اختارت منذ بداياتها في بيئتها الطريق الوعر، الشاق، فها هي، ومن ملامح تداعياتها الداخلية وسلوكها، تبدو أنها في الطريق ذاته. كيف تلمع وسط هذه الأضواء كلها؟
هكذا يمكن رصد نهاية هذه الرواية المفتوحة... على المستقبل. هنا بداية رحلة طويلة، لا بد أن غادة السمان ستعبر عنها، لتصلنا بمصير أو بمصائر زين الدمشقية في بيروت.
قلنا إن هذه الرواية أقرب إلى السيرة الذاتية بصيغة الغائب، بصيغة استعارة شخصية زين، لكنها رواية، أي تحمل من عناصر الرواية المركبة، من أحداث وشخصيات متعددة، متناقضة. أعطت كل شخصية لغتها (النفسية والجسدية) من والدها الذي كان نجم هذه المرحلة، والذي كان بوصلتها، ورفيقها، وصديقها، ومكتشفها ومشجعها. إنها الشخصية الأكثر إيجابية. تليها شخصية الطبيب، وفضيلة وغزوان. مقابل شخصيات أخرى سوداء، كضابط المخابرات... والمجتمع عموماً كشخصية تمثيلية. وقد عرفت غادة السمان كيف تلتقط مجمل هذه الأحداث والشخصيات، والنبرات، والقسمات، والخلفيات، وترميها في حضن الرواية إلى مصائرها الحرة، من دون إقحام، أو ضغط، أو إكراه. ولهذا بدت الشخصيات حية، ذات لحم ودم وجنون وهواجس وخوف وفساد وطيبة... شخصيات أبعد ما تكون عن التجريد. وهنا بالذات يمكن القول، إن قوة هذه الشخصيات لم تفترس اللغة الروائية؛ ولا افترست هذه الأخيرة الشخصيات، تحت قوة المجاز، والشعر، والتداعيات الداخلية، والسرد والحوارات. تحركت الاثنتان بحرية، لكن من ضمن تمكن غادة السمان من السيطرة على كل اللحظات، وربطها في نسيج داخلي، بلا فكاك. أي أن كل العناصر المستخدمة من تداعيات داخلية ونبرات شعرية، وحوارات، ومن مستويات سرد، ومن رصد شخصيات، تذوب في بنية الرواية: تصبح مادة روائية، أي تمنحها جنسها الكتابي. وما البنية إلاّ مجمل الإيقاعات المتداخلة في النص: من سرد عادي نثري، ومن جمالية وبساطة ومن انفعالية، وسياسية، تصبح إيقاعاً واحداً، أو ما يسمى بنية مركبة بعيدة من الأفقية، وكذلك من الوعورة المجانية أو الألعاب اللغوية العبثية. كل شيء يخدم هذه البنية المركبة (أي غير المبسطة)، في فضاء تعددي، متشابك على غير تطويل سردي بلا حاجة، أو عرض عضلات فكرية أو حتى لغوية... لأنها تمس جوهر العمل الروائي: فالشعر كالفائض يكسر هذه البنية، والسرد المتكرر يمس الإيقاع، وتفكك الشخصيات يُعدم الحيوية، وحتى الهويات المختلفة.
يا دمشق وداعاً عمل حي، مؤثر، يقبل عليك من كل جوانبه من جبل قاسيون إلى مقهى الهورس شو.
صدر الكتاب عن منشورات غادة السمان في بيروت.
مختارات
.. في التاسعة وعشرين دقيقة كانت زين بانتظار الشاعر علوان. (لقد علمني أبي منذ صغري الدقة في المواعيد سامحه الله. فأنا دائماً أنتظر الجميع نصف ساعة على الأقل! وثمة ذريعة لا تبلى: زحمة السير!).
ما كاد علوان يصل متأخراً حتى هاجم طاولتهما باللطف والإعجاب الشاعر خفيف الظل: كامل، قادماً من بلده خصيصاً للاحتفال بحزبه الذي صار الحزب الحاكم.. وقال لزين: انضمي الى حزبنا.. الرفيقات غير جميلات..
ـ هل تبحث عن جارية أم عن رفيقة؟.. وتابع محتفلاً: إنه زمن الأنبياء الصغار.. هذا هو الاسم الذي اخترعته لهم.. أليس مناسباً يا زين؟
ـ هناك الأنبياء الصغار وهناك الشياطين الصغار أيضاً..
ـ أنت ليبرالية ولا يعجبكم العجب! سأذهب للاحتفال على مائدة أخرى..
سألها علوان: لماذا كنت عدوانية هكذا مع الرفيق كامل؟
ـ لأنني أغلي غضباً.. رفيقك ناهي يريد مني الذهاب الى مكتبه الليلة في العاشرة ليلاً.. نعم ليلاً.. ليعطيني اذناً بالسفر الى بيروت لأتابع دراستي هناك...
ـ لا أصدق..
ـ الناس تثرثر عن ممارساته وأمثاله وسلوكهم القمعي.. لقد سجنوا شقيق الشاعر عامر، الملازم باهر، ابن القرية القريبة من بانياس لأنه وحدوي، وغير راضٍ عن انفرادكم بالحكم..
ـ لا أصدق..
ـ إنه الآن في سجن المزة.. علمت بذلك من ابن عمتي الفلسطيني الذي يريد السفر للعمل مع الأديب غزوان على إصدار مجلة جديدة في بيروت، ويحاول أزلام ناهي إرغامه على أن يصير من أصحاب الخط الحلو(1)..
ـ لا أصدق..
ـ يثرثر أهل دمشق عن صفقاته.. يشتري شركاؤه من الفاسدين من أبناء بعض الأسر العريقة أدوية منتهية الصلاحية ويضعون عليها تاريخاً مزوراً وتباع للمرضى.. وحتى تطعيم الأطفال لم ينجُ من تزويرهم.. فهي فاسدة أو فاقدة للصلاحية لا فرق.
ـ لا أصدق...
ـ يدفعون بالصحافيين ناهيك بالشعراء الى كتابة المدائح تمجيداً بهم وبالحزب الأوحد، وذلك يساهم في تكوين طبع خطر لديهم هو العزة في الإثم.. إثم أحادية الحقيقة والعظمة الموهومة.. ألم تقرأ القصيدة الأخيرة لصديقك كامل عن الأنبياء الصغار؟ إنهم يؤذون الثورة.. ويربون لدى أمثال ناهي وهم العظمة وبالتالي ديكتاتورية الانفراد بالقرار.
ـ لا أصدق..
ـ صار حديث الناس التضييق على الحريات كلها تدريجياً وهدر المال العام والفساد..
ـ لا أصدق..
ـ ثمة فساد تنبغي مكافحته قبل أن تعج الثمرة بالدود.. يجب تصحيح ما يدور منذ البداية..
ـ لا أصدق..
تابعت زين قائلة، وهي تتأمل الصندل العتيق للشاعر علوان وقميصه نصف المهترئ أعرف أنك مفلس ونقي، ومعك لن أشعر بأن فخاً ينتظرني خلف كل خطوة وكلمة، على العكس من الملازم ناهي..
وتابعت زين بأسلوبها المباشر الجارح: إنه ببساطة وغد يحاول استغلال منصبه لمكاسب جنسية أو مالية أو انتقامية أو شخصية أو دهليزية لها صلة بعقده النفسية، وغير ذلك كثير.. فالاشتراكية عنده تعني استبدال طبقة ثرية بأخرى مفلسة تحتل مكانها وتتابع ممارساتها وتتحالف مع الفاسد منها وشعبنا السوري في معظمه كادح يحلم بالرغيف.. والعلم لأولاده.
ـ لا أصدق..
ـ فكرت بالاتصال بأحد الرؤساء المباشرين لناهي لأشكو لهم ممارساته لكنني خفت أن يكون أحدهم شريكاً فيها أو ساكتاً عليها أن ناهي مشهور بأنه بطاش، يستطيع تكرار أفعال السلطان الأحمر وتذويب العدو في مغطس من الأسيد..
ـ لا أصدق..
ـ حسناً. تعال معي لتشهد بعينك أنني لا أكذب وأن ناهي بانتظاري منذ عشر دقائق.
ـ لا أصدق...
ـ لسانه يقول: الثورة لكنه يعني الثروة فهي هاجسه الوحيد.
ـ لا أصدق..
ـ حكم أفراد من أمثاله خطر للغاية.. فلا بد من وجود المؤسسات الديموقراطية.. والتعددية..
ـ لا أصدق..
ـ تعال معي لتصدقّ.
كالمنوم، نهض علوان خلفها حين نهضت والنادل ينظر اليهما بدهشة، إذ تجاهلاه ولم يطلبا شيئاً ولم يغرقا في حوار غزلي.. (أنا صخرة في قاسيون. لن يخيفني ناهي. لن أقبل يده. سأفضحه وليكن ما يكون. نعم أنا مطلقة وذلك يُحسب ضدي كمواطنة.. ولكن من تراه لا يخبئ جثة في خزانته؟ أنا على الأقل عارية الحقائق مثل شوكة تحت المطر). طوال الدرب لم يقولا كلمة وهي تقود سيارتها بسرعة. (أنا غبية أنا حمقاء.. كيف اقترف ذلك كله وجدتي تكرر: العين لا تقاوم المخرز. لا. لست غبية. أنا صخرة في قاسيون.. لا تخافي يا زين.. لا.. لست خائفة).
توقفت زين بسيارتها أمام أحد مباني شعبة المخابرات والأضواء مطفأة فيه.
قال الشاعر علوان وهو لا يريد أن يصدق شيئاً مما ذكرته له: انظري، المكان مغلق.
لم تجب، بل أشارت اليه بأن يلحق بها.
المدخل انفتح بدفعة صغيرة من اصبعها على الباب. اتجهت في الممشى نصف المعتم صوب غرفة الملازم ناهي ولم يسألها معاونه شيئاً وهز رأسه بالتحية كأنه كان بانتظارها. تخلف الشاعر علوان عنها قليلاً كأن قدميه لم تعودا تقدران على حملة أمام هول التهمة التي تكاد تبدو حقيقة. وهكذا سبقته زين الى غرفة الملازم ناهي الذي انقض عليها معانقاً وهو يقول: كنت أعرف أنك ستحضرين.. أعرف أنك تموتين للحصول على الاذن بالسفر هذا.. وكان يحمل بيده الاذن بالسفر فانتزعته منه وهو يضحك. وقبل أن تقول زين شيئاً وهي تتملص منه، قال الشاعر علوان الذي وصل الى مدخل الغرفة وعيناه لا تصدقان ما يراه صارخاً: لا يا رفيق.. لا يا رفيق.. لا... وهجم على ناهي ليبعده عنها.. وربما ليضربه..
أمسكت زين باذن السفر. وانطلقت هاربة بسيارتها.. وتركتهما يتحاوران عقائدياً!! (...)
(1) وصفٌ يدعو به أهل دمشق رجال المخابرات الذين يكتبون التقارير عن كلام الناس وأفعالهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.