8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قاموس مثيري الفضائح لمجموعة من الكتّاب الفرنسيين: عمل ناقص أغفل مختلف الظواهر العربية القديمة والحديثة!

صدر عن جريدة لونوفيل أوبسرفاتور الفرنسية العدد الجديد من مجلة Hors série لمحور طويل بعنوان قاموس مثيري الفضيحة في مختلف العصور من مرحلة الإغريق إلى أيامنا هذه.
منْ هُم الكتاب الذين حركوا سكون المجتمعات والسلطات السائدة الغربية وسواها بنصوص فنية أو فلسفية أو أدبية؟ لقد اختارت المجلة عموماً ما يتعلق بالغرب وأقله بالشرق، لكن، لا نعرف لماذا أغفلت أسماء عربية وغير عربية، أثارت نصوصهم وآراؤهم حفيظة المؤسسات الدينية أو السياسية أو الأخلاقية وهي كثيرة، وربما، أكثر سواء في الأزمنة القديمة أو الحديثة.
صحيح أنها جمعت أسماء محدودة مهمة تتحدى السائد بأفكارها، وسلوكها، وأعمالها الفنية، واخترقت المسلمات السائدة، إما بثورة على المفاهيم، أو بجرأة صافعة، أو بتجاوز المقدس والراهن، والأخلاقي، البوريتاني، أو الاجتماعي، مفتتحة بذلك طرقاً جديداً في الخطاب الفلسفي، والشعري، والأدبي، والمسرحي، إنما اختارت قامات معظمها معروف في الخروج على القوانين الوضعية، أو الدينية، أو الموانع الأخلاقية، لكن الصحيح أيضاً أن حصرها هذه الأسماء بما تيسر لها أو ما يفتح ذاكرات مفتوحة أصلاً، ومخيلات مطروقة أصلاً، أضعف من سعيها، سواء من الناحية المعرفية أو العالمية والعلمية، فهي اختارت العالم غاليليو وليس جيوردانو برونو، الذي دفع ثمن ثورته الكوسمولوجية والفلسفية، إحراقه حياً؟ لماذا إبراز ماتي مثلاً وليس موزار؟ نيتشه وليس كيرغيغارد؟ واي وليس آي ويوي؟ كوليت وليس سيلين.
وقد جاء في مقدمة العدد الموجزة، أن هذا المحور لا يدعي العالمية، ويتحدى الكرونولوجيا، من خلال التوازنات (غير المبررة)، كما أغفلت بعض المواضيع التي اعتبرت تابوات وهي كثيرة. لكن السؤال المُلحّ أن هذا المحور الفضائحي كأنه (بالنسبة إلى الغرب اليوم) من متاع الماضي: أي أن أولاً ما كان فضيحة صار اليوم إنجازاً، وما كان نقمة صار نعمة وما كان خارقاً صار عادياً. لأن، اليوم، وخصوصاً في الغرب، لم يعد ثمة شيء يصدم، لا الجنس، ولا الإلحاد، ولا أي نظام فكري. كأنما ما كان يثير فضيحة في طريقه إلى الانقراض.
المشرفون على هذا السعي الناقص وضعوا الأسماء بحسب الترتيب الأبجدي: من ألف إلى ياء أي من A إلى Z: نبدأ بالسيبياد أو العبقرية السيئة الذي لم يستطع اليونان تحمله. إن سفاهة وطموح هذا الرجل بحسب الشاعر أركيستراتي، الذي يتمتع بكل المواهب، لم يعجل في سقوطه فقط، بل بسقوط أثينا أيضاً. السيبياد الذي ولد عام 540ق.م، يصبح بسرعة نجماً في المدينة: ثراء، ووسامة، وذكاء نادر، إنه جوهرة بيركليس، وتلميذ سقراط. لكنه، أغرى زوجة الملك المحلي، وأنجب منها طفلاً، فنفي، وهرب، وعاد إلى اليونان ليُقتل بيد زوج غيور.


[أرطو
أنطونان أرطو شاعراً ومسرحياً، كانت حياته بمجملها فضيحة، جمع بين التحدي والإبداع، خصوصاً في نظرياته المسرحية. فهو صاحب نظرية مسرح القسوة وهو الذي هاجم المسرح الغربي واتجه إلى الفنون الإفريقية، مركزاً على دور الجسد، كبؤرة درامية، يكون فيها المسرح والأداء والنص عملاً تطهيرياً. إنها الصادم في كل شيء. الساخر من المعتقدات، والأفكار السائدة، سواء الأخلاقي منها أو الفني أو حتى الديني. كأنه كان على هامش الهامش، وعلى ثورة عاصفة على كل شيء.
[ بريجيت باردو
الأسطورة الفرنسية بريجيت نجمة والله خلق المرأة لفاديم والاحتقار لغودار، عجّت حياتها الخاصة بالفضائح، وخصوصاً صورها العارية. اعتبرت منذ عام 1965 رمزاً جنسياً. جسدت الانفجار الجنسي ووصلت سيرتها إلى العالم كله، لكنها قسمت النقاد حينها والأجيال. لكنها بعد نهاية عملها السينمائي اتخذت سبيل الاهتمام بالحيوان والبيئة.
[ جورج باتاي
كاتب حكاية العين ومدام ادواردا لا يثير الفضيحة بمعناها العمومي، بل يصدم ويضلّل ويثير الاشمئزاز. لا يرتاح ولا يريح.
جورج باتاي (1887-1962) بورنوغرافي تاريخ الصين ومدام ادواردا وأمي... كتب القصص الأعمق جرحاً وانمزاقاً في القرن العشرين زرقة السماء. لقد تناول الجنس عندما كان تابوهاً. في عام 1929 بروتون، وسارتر 1943 تعرضا له بشكل عنيف وغريب. سارتر بسخريته الشرسة، معتبراً إياه صوفياً جديداً.
[ بودلير
صدم المجتمع والعالم الفني بديوانه أزهار الشر وأثار ضجة على كل المستويات.
في عام 1857 أثار نشر ديوانه التحفة أزهار الشر موجة من النقد. فـالفيغارو دانت هذا المستشفى المفتوح على كل انحلالات القلب. وقد لوحق الشاعر لتهجمه على الأخلاق الدينية، وانتهاك الأخلاق العمومية والمجتمع. وقد حُكم عليه بسحب ست مقطوعات أو قصائد من أزهار الشر هي Léthé وA celle qui est trop gaie وتحول مصاص الدم واللآلئ وليسبوس ونساء مدانات. ولم يسامحه المجتمع آنئذ على كتاباته الفجة عن الجنس، والجسد، والناس لكنه أجاب عجنتُ الوحل وصنعت منه ذهباً.
[ بوكوفسكي
حالة خاصة شارل بوكوفسكي في سلوكه وفي شعره. كان يرفض الانصياع للقواعد الاجتماعية، في نتاجه. شعره صادق وأكثر من شفاف، وأكثر من مشاغب، وإذا كان مشاغباً فلأن المجتمع في نظره خاضع لما يأسر التطلعات، والتفجرات، والخروج على القطيعة. هذا ما ظهر في كتابه ملاحظات رجل قذر، الذي نشر في بعض الصحف. وأثار ما أثار من استياء النفوس المحافظة والرجعية لكي لا يقال المنافقة، وصار بوكوفسكي رمز استدعاء الفضيحة. بل أنه، بحسب بعض الآراء، فضيحة متجولة. وإذا كان جماعة البيست والهيبي وبعض الاحتجاجيين هامشيين، فهو على هامش الهامش، ولكن تجب الإشارة إلى أن الفضيحة عنده ليست مجانية أو مفتعلة. يقول أحب أن أهاجم إلى حد ما، لأن ذلك يجعل الأمور أكثر إنسانية، لكن ليس الهجوم الصاخب الذي يسحق كل شيء، فهذا مُدمر كلياً. تجب إقامة توازن: أن أُمدَح قليلاً، وأُهاجَم قليلاً!
[ أندره بريتون
رأى فيه الناس الجديون ثائراً أكثر من اللزوم، والمتحررون أخلاقياً أكثر من اللزوم، والكتاب شاعراً أكثر من اللزوم، والشعراء، ملتزماً أكثر من اللزوم. قلّما تعرض لهذا القدر من الهجوم، من قبل أناس متعددين. وما إن أنشئت السوريالية، أسرع بعضهم بوأدها. في بعض أقسى الكتابات الأدبية وأعنقها. فهذه الجثة الوليدة تكف عن إثارة الغبار. هذا الملحد جُعل بابا كنيسة جديدة على غرار ماركس ورمبو، وشابلن، وفرويد وهيلين سميث. هذا اللقب كان صادراً عن سخرية لاذعة، حيث اعتبره المتحررون أخلاقياً أكثر من اللزوم، والكتاب شاعراً أكثر من اللزوم، والملتزمون غير ملتزم أكثر من اللزوم ومثقفو اليمين، يسارياً، واليساريون اعتبروه بدورهم، خصوصاً الشيوعيين، الذين رأوا فيه متحرراً إلى درجة لا يمكن فيه أن يكون ملتزماً واعتبره الستالينيون تروتسكياً، والتروتسكيون فوضوياً.
[ كارافاج
هذا الرسام، من أكثر الذين أثاروا فضائح حوله، في القرون الوسطى (1573-1610). فهو مثلي، مجرم، وثوري في الرسم، وكان في كل المستويات ثائراً رائعاً. تشكل سيرته نقيض المحافظة التي أثقلت أوروبا المسيحية في القرن السادس عشر. وقبل خروجه من روما عام 1606 أقلق الشرطة مرات عديدة.
وقد اتهمته الكنيسة (محاكم التفتيش) بانتهاك الحدود بين المدنس والمقدس، وهو يشبه إلى حد ما جان جينيه: فهو قاتل (مبارزة في أيار 1606). وقد أثارت لوحة موت العذراء ودعوة متى، كثيراً من اللغط، والاتهام، حتى وفاته عام 1616.
[ .. وفضائحيون آخرون
وقد ضمّ هذا القاموس فضائحيين آخرين كالرسام غوستاف كورييه، والكاتبة كوليت، وسلفادور دالي المشاغب الكبير وديوجين الذي تحدى الاتينيين في القرن الرابع قبل المسيح، واعتبرهم كلاباً، متوحشين، لكن ورعون. وكذلك مارسيل دوشان، وقد أثار معرضه عام 1913 في نيويورك السخرية. حيث رأوا في لوحته عارٍ ينزل الدرج فضيحة فنية. والفيلسوفة والكاتبة سيمون دو بوفوار صاحبة الجنس الثاني، والتي اشتهرت بقولها المرأة لا تولد امرأة، بل تصير امرأة. وأورد القاموس العالِم غاليليو الذي جعلت منه نظريته آنئذ الأرض تدور رمزاً للعالم الاحتجاجي في مجال العلوم، محطماً الجوانب الأساسية للفيزياء وعلم الفلك. وقد أورد أن القمر هو غير كامل كالأرض وأن النظام الشمسي ليس فريداً من نوعه في الكون. وهذه النتائج أعادت النظر بالمنظور الأرسطي لكمال السماء؛ وبدت هذه الاكتشافات وكأنها تشكك في الدين نفسه، والرؤيا الدينية للعام فهو يلتقي في أطروحاته كوبرنيك: الأرض ليست جامدة في مركز العالم، لكنها تدور حول الشمس. وهذا يناقض النظرية الأرسطية المقدسة آنئذ، وكذلك الكتاب المقدس وخصوصاً التوراة.
وقد دين بالهرطقة والكفر وأرغم على التخلي عن اكتشافاته وآرائه، بعد موجة من التهديدات، والعنف. وبعد غاليليو يدرج في القاموس جان جينيه، اللص والشاعر الذي يُحرض على الجريمة، والمسرحي المشاغب.. وبعده الروائي ميشال هولبينك، اليساري اقتصادياً، والمحافظ على الصعيد الجنسي وعرج القاموس على الانطباعيين الذين اعلنوا تمرداً على القواعد الفنية والمفاهيم التشكيلية مدرسة، تعتبر انعطافاً في مسار الفن، ومن روادها كلود مونيه وخصوصاً في لوحته الشمس المشرقة التي اثارت السخرية والاستهجان عند التقليديين. ولا يغفل القاموس الكاما - سوترا، التي تعبر عن الاسس الفكرية الهندية، والقوة الجنسية المتفجرة في اصل العالم، كتبت هذه الملحمة في القرن السادس ق.م بتواقيع شباب براهمانيين. ونقرأ عن الفيلسوف جاك لاكان صاحب الكلمة النبوئية في علم النفس التحليلي (الفرويدي). وكذلك رواية لوليتا التي تروي الرغبة الجنسية الجارفة عند رجل ناضج لقاصر في الثانية عشرة من عمرها. إنها رواية فلاديمير نابوكوف، التي أثارت سجالاً كبيراً، وكسرت قرارات الرقابة، وتحولت فيلمين اميركيين مهمين.
أما نيتشه فله الفسحة. وهذا طبيعي، بالنسبة إلى فيلسوف حطم الحداثة التنويرية، وسلطة العقل المطلقة، والدين، وبشر في نهاية القرن التاسع عشر بـموت الاله وأورد في كتابه الشهير هكذا تكلم زرادشت آراء اثارت ضجة، واعتبرت فضائحية بل واعتبرها البعض احد أكبر الانجازات في تلك المرحلة. ومن نيتشه إلى المخرج بازوليني، الثائر والمثلي والشيوعي والمستبيح، أقيمت عليه دعاوى ومثُل أمام المحاكم بتهمة إفساد الأولاد القُصّر.. انه شاعر كبير وسينمائي كبير.. وعقائدي كبير. ومن بازوليني إلى رمبو الشاعر الشمسي الغضوب، عشيق الشاعر بول فرلين، والذي هجر الشعر في بداياته.. وحتى مماته وهو في السابعة والثلاثين. ومن الذي وردوا في القاموس الماركيز دوساد الذي فكر بطريقة ثورية في العلاقة بين الجسد والروح، وصولاً إلى سقراط الذي اعتبر انتحاره بالسُّم حركة قطيعة وانفصال عن القيم السائدة.
أما الفيلسوف سبينوزا الذي فصلته الطائفة اليهودية في حياته، واثار فضيحة دينية لرفضه كل اوالية ميتافيزيقية او غيبية. ويختم القاموس بأوسكار وايلد الذي جمع بين الانحراف والقداسة في كتاباته وسلوكه، ودِينَ عدة مرات في حياته وسجن عام 1895. وهو مشهور بدفاعه عن نفسه اثناء محاكمته بقوله، أنا لم اضع موهبتي في أعمالي، بل وضعت كل عبقريتي في حياتي.
توقفنا عند أهم الاسماء التي وردت في هذا القاموس الفضائحي. لكن ما لفتنا ان تسمية هذا العمل قاموساً لا ينطبق لا مع بنيته ولا مع حجمه ولا مع شموليته، وليتهم سموا هذا الكتاب المفيد مختارات أو ملفاً أو محوراً لكان مناسباً لما قدموه.
[ أين العرب؟
والغريب أن جهود من اشرفوا على هذا الكتاب ومن كتبوا فيه، بقي محصوراً في أطر جغرافية وثقافية محددة. وهنا بالذات نتساءل باستغراب كيف تم اهمال الفضائح (الخلاقة) في الثقافة العربية والمسيحية والاسلامية القديمة والمعاصرة، والتي لا تقل لا جرأة ولا عمقاً ولا تحدياً عما أورده القاموس. فهل يعرف هؤلاء ما عاناه ابن رشد وكيف أُحرقت كتبه، وكيف قُتل ابن المقفع صاحب كليلة ودمنة وقطع أشلاء ورمي في الفرن، كيف صُلب الحلاج لاتهامه بالكفر والزندقة، وكذلك فضائحية قصائد ابي نواس وقوتها وتحديها. وننتقل إلى العصر الحديث، ونذكر جبران خليل جبران وقد رمي عليه الحرم من خلال كتاباته، وكيف منعت الكنيسة في لبنان تدريس كتبه باعتباره ملحداً ومتعرضاً لرجال الدين، خصوصاً في بعض اقاصيصه مثل خليل الكافر. وحتى النبي هذا الكتاب الذي ما زال من الكتب الأكثر انتشاراً في العالم، ووجِهَ بدعوات لمنعه ومصادرته لأنه يمس الذات الالهية. أوليس هذا ما اتهم به المفكر المصري نصر حامد ابو زيد بعد الفتاوى التي دانت افكاره، واعتبرتها تمس بالدين، وهرب إلى أوروبا، بعدما كُفِّر وطالبت الفتاوى التكفيرية بفصله عن زوجته. وهذا ما تعرض له، سلمان رشدي بعد فتوى الأمام الخميني بإهدار دمه إثر صدور كتابه الآيات الشيطانية؛ وما تعرض له نصر حامد ابو زيد تعرض له عدد من المثقفين العرب كالمصريين كالشاعر حلمي سالم الذي رفعت دعاوى ضده بتهمة المس بالذات الالهية، وكذلك الباحث جابر عصفور والروائي الكبير نجيب محفوظ (نوبل) بعد صدور كتابه اولاد حارتنا، وصدرت بحقه اتهامات وفتاوى مطالبة بالتنكر لهذا الكتاب (صدر في بيروت) باعتباره ينتهك الدين، وقد حاول بعض الاسلاميين المتطرفين اغتياله، وقبل ذلك اغتيل الصحافي فرج فوده من قبل متطرفين اسلاميين.. ولا ننسى كيف وجه كتاب المفكر السوري صادق جلال العظم بعد إصداره في السبعينات نقد الفكر الديني في بيروت، والذي غادر حالياً سوريا إلى بيروت فإلى أوروبا (ألمانيا) هرباً من بطش النظام البعثي، لا سيما بعد انضمامه إلى ثورة الشعب السوري ضد هذا النظام الاستبدادي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00