غادرنا الصديق والمناضل والرفيق حكمت العيد. ببطء الكبار، شذرة شذرة، ضوءاً ضوءاً، نفساً نفساً، لكن بحلم الكبار. كأنه فُطر على الحُلُم. عاش أحلاماً كثيرة تتسع لحيوات عديدة، ولم يُقعده إحباط، أو يفلّ عزيمته يأس. شأنه في ذلك شأن القامات العالية. رافق وأسّس وواكب وشارك، رائداً، وقيادياً، في عصر الخروج الى التغيير، والمواجهة، النقابية، والسياسية، والاجتماعية، والفكرية. من النضال النقابي مع حركة المحامين، الى الدور النقابي في الحركة الطالبية، في الستينات والسبعينات. المفكر الذي أراد أن يغرف من حياة الناس آماله، ومن ميادين المجتمع، وتطلعاته، وقضاياه، أفكاره، وكلامه؟ ذلك الذي جمع بين النضال الميداني، والتغيير الايديولوجي، على غير انغلاق، وعلى صرامة في النقد، والانتقال بين المراحل المتصلة، من الناصرية، الى القومية العربية، الى لبنان الاشتراكي، والى اليسار الديمقراطي (كأحد المؤسسين الفاعلين)، فإلى ثورة الأرز... إنها الانتقالات الحاسمة لكن المفتوحة، التغييرات ذات الآفاق لا ذات الجدران، والقوالب، والنمذجات الأبدية.
حتى لنتساءل، وقد واكبته طويلاً، من صنع الآخر، هذه الأفكار التغييرات الجمة صنعت حكمت العيد، أو هو الذي صنعها... ربما لعبة المتناقضات الحية، ربما رغبة السير بأحمال من متاع الانفتاح الدائم، والنقد الدائم، والحسم الدائم. إنها تواريخ حكمت العيد، لا تاريخه. طرقه لا طريقه الوحيد. سبله المتصلة على تقاطعاته؛ هكذا عرفته قلقاً، يبحث مع القلقين، عن إطر وأفكار من الحياة، لا من الأصنام والأنصاب.
هكذا عرفته من نضاله النقابي في الجامعة اللبنانية (وهو أحد مؤسسي الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية)، عنيداً، في طرحه الإصلاحي، والبنيوي لهذه الجامعة، لكنه ذلك العناد المرن، الذي يوظف النضال من أجل التغيير، ومن أجل الثورة.
ترافقنا في تظاهرات واعتصامات عديدة، وملأت أصواتنا وهتافاتنا الفضاء والناس، من نهاية الستينات الى بدايات الحرب. وهكذا عرفته جُزءاً أساساً في الثورة الفلسطينية، والحركة الوطنية، والمقاومة الوطنية.. وعرفته بين الذين لاحقتهم وحوش الأنظمة العربية الطغيانية، تلك التي أرادت ضرب الثورة والمقاومة بالقمع والقتل، والإرهاب.
كأنما حكمت العيد مُصنوع من الشُّعَل، تنوسُ شعلة فيه، لتلتهب أخرى. وهكذا، لم يأفل له أمل، أو يحاصره إحباط، حتى عندما كان لحركة التغيير اليسارية أن تنزلق أو تضل بوصلتها، كان هو ورفاق آخرون، في المُطل المنتظر، في المرحلة المقبلة. رجل المراحل المقبلة، هو رجل المستقبل. وهذا قدر المناضلين، ألا يناموا على فكرة أو موقع، أو موقف، أو حزب، حيث لا معنى لما هو نهائي. من الناصرية الى الماركسية، ومن اليسارية الايديولوجية، الى اليسارية الديمقراطية المتعددة (مع اليسار الديمقراطي)، ومن لبنان الاشتراكي، الى لبنان اليساري الليبرالي، ومن الثورة الفلسطينية، والحركات القومية والوطنية، الى أحد أبطال الربيع اللبناني. ثورة الأرز. هكذا عاد، وارتبط بتلك الدوافع الاجتماعية، والسيادية والاستقلالية، والديمقراطية (غير المؤدلجة)، فكان، كعادته، من مؤسسي انطلاقة انتفاضة الاستقلال.
وهو بالذات مَن أطلق على الحركة الكبرى التي نشأت بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري اسم انتفاضة الاستقلال، وكانت البوصلة، في تدفق التظاهرات المليونية، التي أطاحت بالوصاية السورية، وكانت اللبنة الأولى في ما تفجر بعد ذلك في الربيع العربي.
لكن، وفي عزّ فرحته الغامرة، بعودة الجماهير اللبنانية الى دورها، وقد كحّل عينيه بمرآها، وهي تهدر في الميادين والساحات المحررة من قمع الوصاية السورية، كبُر عليه المرض... وشيئاً فشيئاً راح ينوس. ينوس. الى أن انطفأ...
حكمت العيد غادرنا، كما عاش، أحلامه أطول من حياته، وحياته كثرى، على ما اغتنت من تجارب ومخاطر، وشغف بالتغيير، والحراك؛ إنه الرجل الذي لم يهدأ، ولم يسترح، ولم يتوقف. محكوم بالأمل. نعم. محكوم بالمستقبل. نعم. محكوم بحب هذا الوطن. نعم. ولهذا، فهو غادرنا ولم يغادرنا... رحل ولم يرتحل. بقي حتى أقسى لحظات الألم، والعذاب، مسكوناً بآمال هذا الشعب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.