لا أبالغ إذا اعتبرت جورج شامي من أكبر القاصين اللبنانيين والعرب، سواء في تراكم إنتاجه (وهو تراكم لا يزاحمه فيه أحد)، أو في تنوع لغته، والتمكن من أحوالها، وتنوعاتها، واختزالاتها، وصولاً إلى شعريتها. صحيح أن القصة القصيرة مظلومة في عالمنا العربي (ما عدا مصر ربما)، لكن لها الحضور الذي يضاهي الرواية والشعر؛ ويمكن في هذا المجال استحضار أسماء مهمة في مصر كنجيب محفوظ ويوسف ادريس ويحيى حقي، وفي سوريا زكريا تامر وياسين رفاعية والعجيلي وحنا مينه، وفي لبنان جورج شامي الطليعي هو في الطليعة، إضافة إلى توفيق يوسف عواد وفؤاد كنعان والياس الديري. ونظن أنه بين الستينات والثمانينات ازدهرت كتابة القصة القصيرة في الخليج، الكويت، الإمارات، السعودية والبحرين، قبل أن تنهض الرواية الخليجية وتنخرط بقوة في المسار العربي.
جورج شامي قاص قبل أن يكون روائياً، كما أن نجيب محفوظ روائي قبل أن يكون قاصاً. ربما يلتقي شامي الكاتب زكريا تامر في هذا التراكم النتاجي.
ويتخذ جورج شامي أهمية بارزة في كونه أخلص لكتابة القصة، عندما بدأت هذه الأخيرة تتراجع في العالم العربي وفي أوروبا وفي روسيا وأميركا. وهنا نستذكر كباراً كغوغول وتولستوي وتوركتييف وبوشكين، لا سيما الكاتب الكبير تشيخوف الذي اكتسب شهرته الكبرى في قصصه قبل أن يطغى دوره في المسرح عليها؛ من دون أن ننسى هيرمن هيسي وغي دو موباسان (أحد الكبار)، ولا جان جيونو أو أندره جيد... لكن مع هذا كأن الحداثة السردية هيمنت عليها الرواية في العقود الماضية، بحيث قيل أننا نعيش عصر الرواية وهذا صحيح باعتبار أن بداية الموسم الثقافي في فرنسا هذا العام يتضمن إصدار قرابة 670 رواية من دون حسبان المواسم المقبلة.
وهنا بالذات تكمن أهمية جورج شامي منذ 1956 وحتى اليوم، في أنه سبح عكس التيار، عنيد، وهذا يعني تجاوزه لكل موجة يفرضها السائد الروائي. وهذا يعني تجاوزه كذلك لما تحمل هذه الهيمنة الروائية من أمراض تجارية تتمثل بالبست سيلرز، أي بالأرقام والأموال، والانتشار. ونظن أن ما عزز صمود جورج شامي هو منحاه الطليعي، أو فلنقل التجريبي من دون الوقوع في بهلوانات التجريبية. وهذا بالذات ما جعله ينغرز في هذا الواقع بطبقاته وأسراره وخرافاته ومعطياته وصراعاته وأدواره وتحولاته. لكن هذا يعني عدم تبني شامي أي ايديولوجية أو نظرية حزبية كانت أو دينية أو حتى جمالية. الكتابة الروائية تنبع من هذا النبش اللانهائي في تحافير الواقع، بصبر النمل، ومرونة النحل ووفاء الكلب، ولعل أهم ما يميز جورج شامي هذا العزوف عن الإرشاد، والتوجيه، وطرح الأجوبة، والحلول، والوعظ؛ فالقصة ببنيتها الفنية، ولقطتها وسرديتها، وحكايتها وحدثها تتقدم باعتبارها سؤالاً، لا جواباً، وطريقاً مفتوحاً، ولا طريقاً أحادياً ناجزاً. ومن هنا إن كتابة جورج شامي ليست واحدة. لا أسلوبية. لا نمطية. لا قوالب تتكرر. في كل كتاب مجموعة قصص، قد يوحدها أحياناً مناخ واحد، مناخ نفسي أو اجتماعي أو نقدي لكن يميز كل واحدة نكهتها الخاصة، أو فلنقل نضارتها. فتكرار الأسلوب يميت حيوية الابتكار، ويوقع في الجفاف، وفي السهولة، وفي الاجترار. إذ ليس عند جورج شامي درباً اكتشفها ثم عمد إلى سلوكها سلوكاً رتيباً، لينتزع منها دهشة الجديد، أو المتجاوز. لكن الجديد عند جورج شامي ليس منسوخاً من نماذج قائمة، سواء أجنبية أو عربية. كل قصة تقريباً هي نموذج بذاتها. من هنا قوة الفجاءة، أو فجاءة الذات في اكتشافها المتجدد أدواتها، انطلاقاً من معطياتها الخاصة. مثلاً أول قصة في كتابه الجديد كلب النافذة (عن رياض الريس للنشر، 2014) عاشقة القطط تختلف بنبرتها النقدية الاجتماعية عن قصة نحن في الرحم. لكل منهما آلياتها الكتابية وإن جمعهما اليسر في التعبير، وامتزاج العامية بالفصحى بطريقة سلسلة، تخدم الجد الساخر، أو السردية المتنوعة. كما أن هاتين القصتين بحجميهما تختلفان عن ثمن الرقص مع الشيطان، فهي طويلة نسبياً، وتختزن بذوراً روائية، سواء في حواراتها (نسمة مسرحية) أو في قصها. بل كأن الحوار هنا يأخذ شكل المحاكمة بين راهب الدير والشخصية الرئيسية، بل نبرة اتهامية، فالراهب لا يتورع عن اتهامه بأن الطفل ابنه ليرد هذا الطفل ليس ابني ولا أنا أبوه. وحدها أمه الساقطة تعرف من أبوه. أمه تفرضه عليّ لتكيدني وتستر عارها(...) لقد هددتني يوم امتنعت عليها بالانتقام (ويضيف) أجل أعرفها، التقيت بها في الخان ونحن في الطريق من جبيل إلى قنوبين... أجل اختليت بها في طرزا ولكن.. وهنا عنصر جديد اختليت بها بناء على طلب والديها(...) كانا يريدان أن تهتدي على يدي لكنني لم أمسسها بدنس وكان والدها واقفاً إلى جانبها حجراً أصم والطفل يصرخ جائعاً أين ثديك يا أمي (ميلودرامية). وهنا مناجاة المتهم تدخلي يا ملائكة الرحمن ونجيني. أشعلي في ضمير هذه الساقطة لهب الإيمان لكي تتراجع عن تهمتها الباطلة. وكان حكم رئيس الدير بتجريده من كهنوته... وطرده من الدير. لكن المفاجأة تمثلت في مصير الراهب المتهم الذي أخذ يحس بعد أيام تحولاً في جسده(...) صار يشعر كلما حمل طفلاً في يديه وشده بعفوية إلى صدره بأن نغمشة تدب، وما يشبه الخدر اللذيذ، ثم لا يلبث أن يتلمس في الحلمتين نزا أبيض. وما أن يقرب فم الطفل إليهما حتى يأخذ بالرضاعة مستلذاً بالمذاق والطعم... كل ذلك في المغارة. وراحت أٍسئلة تطرح عليه. كان ناسك المغارة يغرق في التفكير ويستعيد لحظة لقائه بتلك المرأة... الخوف والمرض والإرهاق تأخذ منه مأخذاً. الناسك المحتضر يتحامل على نفسه.. ثم يهوي أرضاً فبوغت الطفل. فملأ الصراخ حنجرة الطفل عمانوئيل، فهرول الرهبان على الصوت وهرولوا إلى المغارة. والمفاجأة الكبرى غير المنتظرة أنه حين عروا جسد الراهب لغسله، فإذا الجسد الممدد أمامهم جسد امرأة بكل أنوثتها... فخروا ساجدين وصاحوا ملء أفواههم مارينوس امرأة يا أبت الرئيس.. أهي معجزة؟ أم حالة؟ أم تحوّل؟ لا شيء أكيداً، ولكن الأكيد أن هؤلاء الرهبان الذين دانوه... لم يعتذروا.
وهنا فحوى القصة التي تجرّدت من الالتباس، لكنها ارتدت التشويق والمفاجأة بعد المفاجأة... تمهيداً للحقيقة الأخيرة؟
إطلالة جديدة لجورج شامي، ذي التراث القصصي المتراكم، والمتنوع، تجعله يحتل موقعه الأمامي في فن القصة اللبنانية والعربية.
مختارات
[ صلاة في مهب الريح
ظل طالب الطب أسبوعين وهو يحاول اقناعي كي أرافقه في نزهة جوية بطائرته الخاصة!
كنت قد رأيته ينكب في فترات العطل الجامعية، وفترات الراحة على صنع طائرة من خشب طولها ستة أمتار وتتسع لراكب واحد، فظننت انه يقوم بصنع إحدى لعب الأطفال، ولكنني حين أطلعت على الخرائط والمواصفات وتواقيع المهندسين الاختصاصيين والمؤسسات الرسمية الخاصة بالملاحة الجوية، أدركت أن الأمر جدي وأعمق من لعبة!
سألته، ونحن في الطريق إلى المطار الذي يبعد حوالي ثمانين ميلاً عن محل إقامتنا:
ـ سنطير بطائرة من خشب؟
قال:
ـ لا...
قلت:
ـ طائرة ذات محرك واحد؟
قال:
ـ لا!
قلت:
ـ طائرة حربية؟
فابتسم وقال:
ـ لا...!
قلت:
ـ إذن طائرة نفاثة!؟
قال:
ـ لا...!
قلت بحزم:
ـ طائرة موجهة من الأرض!
قال:
ـ لا!
قلت:
ـ إذن ستطير بجناحي خفاش!
قال مستغرباً
ـ وما هو الخفاش؟
قلت:
ـ طائر الليل الأعمى!
فغرق بالضحك!
كانت الطريق إلى المطار، منبسطات من الأرض تغرق في منبسطات: هنا قطعان البقر والجواميس ترعى داخل أسوار وعوائق خشبية.. وهناك خيول بالألوف ترعى في الآفاق.. وهناك البحيرة تتمدد على جنباتها غابة تشلح غواياتها على مد النظر ثم ترخي رأسها على قمم تعانق قمماً وتحتضن تلالاً!
كانت الغبراء غبراء حقاً، والحرارة خارج السيارة المكيفة تجاوزت حد الأربعين درجة مئوية، والشمس تتسلل من الغيوم المتقطعة فتنفخ لهباً ثم تتوارى.
وفي مكان جانبي من المطار، كرج رفيقي بقامته المنمنمة، ورأسه المستديرة فلحقت به مثل ظله، إذا به يقف أمام رف من الطائرات الصغيرة بينها الصفراء والخضراء والحمراء والذهبية.
كانت كل طائرة مربوطة إلى الأرض من مقدمها ومؤخرها وبطرفي الجناحين، كأنها الخيول المطهمة في اسطبلات السلطان!
ووقف رفيقي أمام إحداها متأملاً كمن يتفرس في وجه حبيبته ثم نظر إلي مبتسماً وقال:
ـ هذه هي طائرتي!؟
قلت مستغرباً ومستفهماً:
ـ هذه! وهل هذه طائرة؟
فأجاب:
أجل هذه طائرة!
فسألته:
ـ واين محركها؟
فأجاب:
ـ لا محرك لها!
فسألت:
.... وكيف تطير؟
فأجاب:
ـ سترى!
وأردف:
ـ وستقودها أنت بنفسك!
فواجهته بحدة وبعفوية:
ـ أنت مجنون تهذي!
فلم يجب، واندفع نحو مقدمها ففك رباطه، ثم انتقل إلى مؤخرها ففعل الشيء ذاته، ثم فك أسر الجناح الأيمن فمالت على جناحها الأيسر بهدوء لأنها فقدت توازنها، ثم انتقل إلى الجناح الأيسر ففكه من عقاله!
كنت مسمراً مكاني مشدوهاً لا أصدق وأردد في داخلي: هذا المجنون يريد مني أن أنتحر هنا فوق جبال سان برناردينو في أقاصي ولاية كاليفورنيا، بكل عباطة، إذا كان لا بد من الموت، فليكن في ارض الوطن فلربما كتب لي.
أن أنزل منزلة الشهداء.
وكانت ماريا، رفيقتنا البولندية، تشغل حواسي بنضجها الأشقر الوردي القسمات، وتزيد على مخاوفي رعباً اقرأه في أمائرها ونظراتها وتصرفاتها الرافضة للمغامرة، التي تشبه الحركات الهستيرية!
وفجأة لوح لي بيل، ودعاني لأن آتي إليه فلما اقتربت منه، قال:
ـ سنجرها إلى المدرج، ولكن ببطء!
فسألته:
ـ ... كيف؟
قال:
ـ أنا أشد من جهة اليمين، وأنت تشد من جهة اليسار، ونندفع بها معاً!
وتقدم من الجهة اليسرى وسحب من طرف الجناح مسباراً غليظاً مخفياً في خده وقال:
ـ أمسك بهذا المسبار وتقدم معي.
وفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى الجناح الأيمن.
ورحنا نشدها معاً ونندفع بها إلى المدرج كما لو كنا نمسك بلجام حصان ونندفع به إلى المرمح!
ولما استوت في وسط المدرج قال:
ـ سأشرح لك بعض التفاصيل.
كانت طائرة تتسع لراكبين يجلسان الواحد وراء الآخر وبينهما فاصل نصفي بحيث يمكن للراغبين ان يتكلما دون انزعاج، وباستطاعة كل راكب من الاثنين ان يقودها وحده: ففيها لوحتان للقيادة ورادعان. وحافظا توازن، وفي كل لوحة قيادة عدة آلات، لمعرفة الاتجاه، وسرعة الرياح والارتقاع والهبوط!
قال لي:
ـ عليك ان تحافظ على توازنها فتمسك كل واحد من حافظي التوازن بيد وتضع كل واحدة من قدميك على احد الرادعين، إذا اردت ان تنحرف إلى اليسار عليك ان تضغط بقدمك اليسرى، وهكذا الحال بالنسبة إلى اليمين، وإذا اردت ان ترتفع شددت بحافظي التوازن نحو صدرك، وإذا أردت أن تنخفض، ضغطت حافظي التوازن إلى الامام.
كان يشرح لي ذلك وأنا أنظر إليه بعينين فارغتين سابحتين في هول المغامرة!
يشرح وهواجس الفضاء تسحق عظامي وأتساءل في سري: اين المحرك؟ كيف سترتفع عن الأرض، كيف سنسبح في الفضاء؟ كيف سنعود إلى الأرض؟ أين مظلة النجاة؟ أين؟ أين؟ أين؟ وهو يشرح، ويشرح، وعلى وجهه تتراقص الابتسامات، فكأني به كان يقرأ في دخيلتي كل المخاوف.
سألت:
ـ أين سأجلس؟
قال:
ـ في المقعد الأمامي.
سألت:
ـ وأنت ماذا ستفعل؟ هل ستوجهني من الأرض كما كانوا يوجهون رجال الفضاء خارج جاذبية الأرض؟
فأجاب:
ـ لا، سأجلس في المقعد الخلفي!
قلت، بعد ان اطلقت تنهيدة عميقة كادت ترتفع بالطائرة عن الارض:
ـ ارحتني، اراحك الله.
ثم سألت:
ـ ... ولكن كيف ستطير؟
فلم يجب، ولوح بيده في احد الاتجاهات، فاذا بطائرة صغيرة بمحرك واحد، وبحجم طائرتنا تتقدم منا، وهي تجر حبلاً من الفولاذ، مجدولاً، لا يقل طوله عن الخمسين متراً.
فتقدم أحدهم وعلق طرف الحبل بحلقة متحركة عند مقدم طائرتنا، يمكن التخلص منه بالضغط على زر من الداخل!
وبينما كنت أجلس في مقعد القيادة، واربط الحزام، واقبض بخوف على حافظي التوازن، وارخي قدمي على الرادعين، كان رفيقي يطبق فوق رأسي القفص البلاستيكي الواقي، ثم يستدير فيجلس هو في مقعده الخلفي ورائي، ويفعل الشيء نفسه ثم يرفع سبابته مشيراً إلى قائد الطائرة ذات المحرك بالانطلاق!
وراحت الطائرة تختال أمامنا، وتشد بنا وراءها على المدرج، وبينما كانت فرائصي ترتعد، وصديقي في الخلف يضحك ويغني، إذا بنا بعد حوالي خمسمائة متر من الركض على العجلات نشعر بأن طائرتنا قد ارتفعت عن الارض، وأخذت الطائرة القائدة ترتفع اكثر ونحن نتبعها بنسبة ارتفاع تكاد توازي ارتفاعها.
كانت نسبة الارتفاع بمعدل ثلاثين متراً في كل الف متر، ثم أخذت تزداد حتى الخمسين متراً.
عندما بلغنا علو الف متر، قال لي صديقي:
ـ اضغط الزر وفك الطائرة من عقالها!
قلت بعفوية ورفض:
ـ لن أفعل... أريد أن أعود إلى الارض!
قال بحزم:
ـ إذا لم تفكه أنت، أفكه أنا.. ولكني أريد منك أن تأخذ المبادرة، عليك ان تشعر انك القائد!
فأجبته:
ـ أنا قائد بري... والله لم يمنحني شجاعة النسور!
فرد علي:
ـ الشجاعة لا تتجزأ.
قلت:
ـ شجاعة واحدة تشدني إلى الارض، هي حب الحياة!
قال:
ـ أنا ظلك، فلا تدعني آخذ مكانك فتصبح أنت الظل!
قلت:
ـ خير لي أن ابقى ظلاً حياً تابعاً من أن أصبح أثراً ميتاً.
فتحداني:
ـ هذا انهزام!
قلت:
ـ هذا اتكال... لا تنس أنني شرقي!
قال:
ـ إذن اتكل علي.
قلت:
ـ هذا كفر، لقد علمونا الا نتكل إلا على الله!
قال متوعداً:
ـ إذن، سأضعك في مهب الريح، تحت رحمة الله!
ورأيت الحبل يسقط أمامي، فسقطت معه آمال كثيرة، واستبدت بي الرغبة المجنونة كي أهرول وراءه لالتقاطه. ولكن الطائرة القائدة أخذت تبتلعه رويداً رويداً وهي تبتعد عنا مخلفة إيانا فعلاً في مهب الريح!
ودار بيني وبين رفيقي حوار اشبه بحوار الطرشان، استسلمت في نهايته إلى قدري، وهو من قدر وطني الذي كبلوه بأمراس ثم اطلقوه خارج جاذبية المكان والزمان يتخبط بعجزه! وربطوه إلى عجلات ومحركات وسحلوه وارتفعوا به إلى العلاء ثم افلتوه وعطلوا له كل محركاته الذاتية وأسلموا قياده الى ملايين الرغبات والارادات! وها هو رهين الضياع تتنازعه آلاف الايدي وتكبح جماحه آلاف الروادع! الرأس هو الظل، والظل هو القائد وبينهما نبتت مخالب الميكيافيلية!
وأخذت أستعيد أنفاسي واطمئناني، وانتزعت من ذاتي شجاعة لذاتي ثم استرخيت ورحت أحدق بالارض، فإذا كل شيء صغير وممسوح، كما هي مسامير دقت في الارض فبانت منها طبعاتها ومعالم رؤوسها فقط!
كان يراودني دائماً شك وهو بعض من سوء الظن: هل من المعقول صديقي قد احتاط للسقوط بمظلة النجاة، حتى بدا مطمئناً إلى هذا الحد؟
واستردني من ذهولي:
ـ هل أنت مرتاح؟
فأجبت:
ـ بدأت أرتاح!
قال:
ـ تمتع بالمناظر التي تغمرك من كل جانب، إننا نطير في طقس جميل، الرياح معتدلة، والرؤية واضحة، والسماء صافية.
سألت:
ـ هل ستطول الرحلة، ارى أننا قد بعدنا عن مطارنا!
قال:
ـ باستطاعتنا ان نبقى الوقت الذي نشاء، لا تخف.
قلت:
ـ بدأت اشعر بطعم المغامرة!
قال:
ـ إنها متعة، ولكن لا تنس ان وراء كل مغامرة متعة، المهم ان نغامر!
قلت:
ـ فعلاً بدأت دخيلتي ترتاح إلى مصيري!
قال:
ـ المهم ان قيادك بيدك، وليس بينك وبين الطبيعة أي قدر آلي، أنت هنا لست عبد الآلة، هي عبدة لك توجهها وتتحكم بها.
قلت:
ـ المهم أن أعود سالماً إلى الأرض، ولا فرق عندي طالت الرحلة ساعة او ساعتين!
قال:
مضى علينا ثلاثة ارباع الساعة وستبدأ بالهبوط. دع كل شيء، لقد جاء دوري الآن!
واستغرق هبوطنا حوالي الربع ساعة.
وحينما حطت بنا الطائرة على أرض المطار كانت ماريا الأرملة البولونية، جارة صديقي جاثية تصلي، والى جانبها وقف ولداها الصغيران، وهما بنت وصبي، يصفقان لنا!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.