مي منسى، الاعلامية والناقدة المتميزة، لم تأتِ الى الرواية متأخرة. بل جاءت الرواية إليها مبكرة. مبكرة في حياتها ووقائعها، وحكاياتها، ومعاناتها، ولغتها الحية (تكتب نقداً كأنما لرواية، ورواية كأنها لنقد، بالمعنى الابداعي). كان كل شيء مهيأ فيها وحولها لتخوض الكتابة من داخلها، ومن انفتاحها، ومن مقارباتها مجتمعها الصغير والكبير. وهكذا في 1998 أوراق من دفاتر شجرة الرمان، وثم المشهد الأخير (2000) وانتعل الغبار وامشِ والساعة الرملية (2009) وماكنة الخياطة (2012)، وأخيراً رواياتها الخاصة جداً بلغتها ونفاذها وعناصر عذوبتها، فإن شفافيتها قاسية عليها، وعلى شخصياتها.
عملها الأخير تماثيل مصدّعة (عن دار الساقي)، كأنها تستمر في التوغل في تلابيب الحالات (الخاصة جداً لكن كظواهر حادة). عالم التصدع تجمع شتاته مي منسى وتشق عتماته، وتبحث في خلفياته، برؤية تحليلية فيها من الحنو على قدر ما فيها من الاختراق. حكاية شخص تختصر حيوات ناس وشباب وحالات ويأس وغيبوبة وكسور وقبول... حتى القدرية. إنه هاني العاصي الضحية المبكرة، العزلاء، ينقض عليه والده، وهو طري، لا حول له ولا قوة، كطفل مُحاصر بالذكورية المتفلتة، ويغتصبه. (نتذكر اعترافات الروائي سهيل ادريس الذي روى في كتابه الأخير كيف اغتصبه والده). والاغتصاب هنا، لا يتخذ مداه فقط من الفعل الوحشي نفسه، الذي يحول الطفل شيئاً ومتاعاً ولحماً مباحاً، وانما في تواطؤ قسري تمارسه الأم (المغتصبة أصلاً من زوجها: والاغتصابان هنا واحد)، بالتزامه الصمت، رامية آلامها، وحقيقتها في انصرافها الى شؤون المنزل، بتفاصيله، وخلفياته ورتابته، ولكن بجروحه البالغة، النافذة في جسمها، وقلبها، وشرايينها، وفي أمومتها، وفي رفضها المكتوم، ازاء سطوة الزوج، وجنونه، وأمراضه.
الفعل الاغتصابي لم يتم في البيئة التي عاشت فيها مي منسى (ومعظم رواياتها مطبوعة وممهورة بها) بل في ساحل العاج... والطفل يكبر والجرح لم يلتئم.
والمفارقة أن الطفل الذي شبّ يتمتع بموهبة النحت. أي النحت الذي يحول به الأشياء والمواد الميتة الى حياة. بينما، والده، حوّل ابنه الى شيء ميت، الى جثة يتناوب عليها. هنا حيوية الروح مع النحت، وهناك جماد الموت. هنا القيامة بالابداع، وهناك ادفان طفولة، ضربت في براءتها، وفي انسانيتها.
ولهذا، بدا الهاني العاصي، شاباً، متنقلاً ومتأهلاً بين ساحل العاج ولبنان (بلده) وباريس غربته: كأنه بين غربتين: طفولته وشبابه، وبين مكانين. لكن الفن يوحّد الغربة المزدوجة، وكذلك تكوين عائلة وأولاد، لكن حتى الزواج، وهو كأب، لا يواسي تلك الغربة الآتية، بطعناتها منذ الطفولة. ونظن أن تقابل تصدع حياة عائلة هاني، قد تكون أدت الى تصدع حياته نفسها، التي وسمته بالمثلية. جرح يفتح جروحاً. وجرح يشق به جمار الأشياء لينتج، عبر بيئة مصدعة، تماثيل تشبهها، وتشبهه. التصدع الاجتماعي العائلي النفسي واحد، وفي موازاته شبيهه الفن. ولهذا رأت مي منسى هذا التقابل الخصب بين حالة هاني وبين فنه. بين انتاجه وتعامله مع المادة الميتة، وبين تعامل بيئته معه. تصدع تاريخي بجذور مهترئة، وتربة عقيم. انها المأساة المفتوحة لكن المغلقة على كسورها، الصامتة والصمت جرح. بل الصمت جرح لا يعرف كيف يصير ندوباً.
ينزف ينزف وتنزف معه الذكرى، والحاضر والمستقبل. نزيف الروح يدرك نزيف الأصابع، ونزيف الطينة التي يصنع منها منحوتاته. ومن شقوق التصدع، نزيف أيضاً. وفراغ. وخلوّ. وشغور. وهنا تأتي لغة الرواية. شبيهة بما يصنع العطار عندما تنكسر قاروراته، ويفضح العطر المهراق لغة كاملة. تشبه شخصياتها، بل تطلع من جلودهم، وأيديهم، وشقائهم، وقسوتهم، وصمتهم، ومكابرتهم، ونسيانه، وتلك الغيبوبة المستيقظة في الأعماق، أو تلك القمة المشعة في أسافل الروح. عرفت مي منسى، كيف تتعامل مع حالات الرواية وأبطالها (الساقطين)، والمقسومين، والمتشظين، بكتابة حية، كأنما كل كلمة شيء يعبّر عن تصدع. وكل جملة، على قوتها، توحي الخراب الداخلي لكن وهذا ما لفتني في رواية مي منسى، انها، وفي سيرها بين حطام شخصياتها، تجمع ما تجمع لتعيد انسامهم، وأنفاسهم، وأجسادهم، أحياناً مشذرة، وأخرى بمقاطع موصولة، وأخرى بأسلوب متقطع، وأخرى بشعرية مفتوحة، وأخرى بنثرية حادة. الواقع أحياناً أكبر من الرواية. بل كل واقع هو أكبر من أي كتابة. وهنا بالذات يتخذ التخيل كأداة تعميق الواقع وادراك احتمالاته، بعداً انسانياً أو سمع من عناصر السرد، والموضوع، والحوادث، والتداعيات، والمونولوغات، والحوارات، والتحليلات. على هذا الأساس نجاح الروائي (والشاعر والنحات والفنان) ليس في انحصاره في حادثة، وعندها يشيئها، بل رفع هذه الحالات الخاصة الى ما يُحيل على ظواهر اجتماعية أرحب، واكثر تناقضاً، وأحدّ مفارقةً، وأعمّ امتداداً.
وهنا بالذات يمكن الكلام عن لغة مي منسى الروائية، المنضجة، والمتنوعة، والممسوكة، والمفلتة على شهوتها، والمنبسطة على رغباتها التعبيرية. في روايتها الأخيرة، تستمر مي منسى في إخصاب تجربتها الروائية، حيث السردية الوجه الآخر للكشف، وليس الوجه المتماثل لمجرد الحكاية.
[ مقاطع
علاقتي بالشمس، علاقتي بكل زائل تبعث في نفسي كآبة قانية بلون المغيب، هذا اللون الحصري الذي لا ينافسه عليه كوكب، تتوشح به في الفصل الأخير من تراجيدية الخريف، ترحل بعده تاركةً في عويل الأمواج نتفاً من لهب شالها الأرجواني.
أترقّب هذا الموعد وأنا في محترفي أصنع بجبلة الطين والحصى أطفالاً، رؤوسهم منحنية على البدن وأيديهم ممدودة الى الأمام تستعطي رحمة. هذا الشكل كانت تمليه عليّ المادة اللزجة، فأقرأ وفي نفسي غثيان. المعنى، كل المعنى، يرعبني، يشلّ أحاسيسي حتى أغدو قاتلاً أقطع رؤوس أعداء، أبتر أعضاءهم، أبتر ذلك الماضي الذي ما زال ذلك الأتون المشتعل في بئر كياني.
قاتل أنا، أمارس جناية القتل على ذاتي، أتقوقع ضحية بين ضحايا الطين والحصى، حتى إذا حان للشمس أن تغيب أقفلت محترفي ومشيت على أوراق الشجر اليابسة أصغي الى خرمشاتها، ألمّ واحدة، أتفحص حياكة عروقها الدقيقة، اليابسة الآن، المجعّدة، أتشخص خالقها في محترفه، يرسم، يلوّن هذه اللوحة الفسيحة، الأرض، يعيد خلط ألوانها مع المواسم ولا يضجر. أقفل على الورقة اليابسة في كفّي، تمضغها أصابعي حتى تغدو فُتاتاً كأطفال المحترف الذين سأعيد جبلهم وولادتهم غداً بعد أن أكون قد قابلت الشمس في وداعها وشاهدت الفصل الأخير من موتها، هذه الميتة التي تتكرر كلما أطلّت أنتيغون من الأفق مكسوة بثوب الحداد القاني ترثي أخاها المقتول على أبواب طيبة، قبل أن تدفن حيّة، لتعود في المغيب التالي تؤدي دورها الكوني، ثائرة، متوهجة، دائمة.
في هذه اللحظات، التي تضرجت فيها السماء بدم الشمس، أكون مستعدًّا للاحتفال بيوم أفل من حياتي، أمد أصابعي تلقائياً الى هذه الغجرية المسافرة على أفق مصيرها، أترقب خيطاً ينسل سهواً من شالها، يفك ارتباطي بالأرض التي أعيش عليها، يحررني من سجن ذاتي، فأعبر الى الجهة الأخرى، الى غربة لا اسم لي فيها ولا لغة، آتية عن أناي، أعيد ولادة طفل آخر من صلصال سفر التكوين مطهراً، مغسولاً من وشم الذل والذكريات العكرة.
الجلسات في عيادة المحلل النفسي، ممدداً على كنبة منخسفة في وسطها لكثرة ما تستقبله من علاّت نفسية أثقل وزناً من الجسم الذي يحتويها، لم تبدّد الظلال الواقفة سدوداً بيني وبين مرآتي، بيني وبين الناس، أقارب وغرباء. أحاول بكلمات سويّة، متّزنة، أن أشرح له شكل الغربة التي أعيشها مرتبكاً باسمي، بأعضائي التناسلية، بهذا الانفصام بين ظاهر كاذب وحقيقة تنهشني من الداخل.
بعد الجلسة العشرين تطرق تلميذ سيغموند فرويد الى ما هو أكثر تفككاً من واقعي اليومي، مناماتي، واضعاً إصبعه على عتمة الليل فيجتاحني شعور مريع، كأني بالانتقال معه الى الليل ينكشح معنى الموت.
لا أدري إذا كنت صاحياً أم نائماً، كأن الرقاد واليقظة دخلا في قناة واحدة، لا يعود فيها المنام لا إرادياً، بل كأني أفتعله. النعش يعبر أمام جفني المغمّضتين ولا أفهم من الاثنين في داخله: أنا أم أبي الذي طالما تمنيت موته؟.
التماثيل التي كنت أحطمها بعد أن أكون قد أمضيت ساعات في خلط الصلصال بالماء وجبله وقولبته على قياس الطفل الذي كنت، كانت، حسب تحليله، إفناء للذات. هل كان سيجد شرحاً للمنحوتة الوحيدة التي لم آتِ على هلاكها، بقيت زمناً على رفّ محترفي الى أن حملتها يوماً الى أخي، عرفاناً للمساحة التي فردها لي في سريره يوم كانت قشعريرات الحمى تقرض من جسدي الصغير نثرات. كان على بيّنة بما يحدث، لكنّ الصمت فوق الضحية كان كفناً ممنوع الكشف عنه.
قلت للمحلل النفسي مستبقاً أسئلته المحرجة التي لم تكن دوماً لتجد أجوبة تلقائية لديّ:
لعلي عدت الى سفر التكوين وجبلة الصلصال من أجل استعادة ما فقدته.
وهل وجدت ما كنت تبحث عنه؟
كلا، لم أعثر على الضائع مني، بل في محترفي، هذه الخلوة التي تعيدني الى حقيقتي، فأعبّر عنها بالتراب. صرت كمن يؤلّف كتاباً من عدّة حلقات تدور حول قصة انسان من جذور متعددة، تنبت منها في النهاية حكاية انسان تليق به الحياة، يمتلك أساساتها، يبني عليها قدراً من يديه، من فكره، فلا يعود التمثال المهشم شيئاً ضائعاً، بل، بترميمي قطعه المبعثرة، أرى الوجود أكثر وضوحاً، أكثر تماسكاً، دون أن أكون بذلك قد وجدت علاجي ضد القلق والخوف. فالذاكرة نواة من الألم تشتعل بين الفينة والأخرى حتى لا ننسى.
المنحوتة التي أهديتها الى أخي، بشعور تلقائي لا يمت الى فرويد بصلة، وجد لها طبيبي النفسي رابطاً بين محو الأنا وترميمه، ومن محلل لأمراض النفس وعلات الذات سمعته يتحول الى طبيب فيزيائي وجد علاجي في الرياضة:
أراك متعمقاً في تحليل علّتك أكثر مني. فلقد يكون الهواء الطلق أكثر افادة لك من كنبتي والأجواء المقفلة. كرة القدم هي دواؤك حيث تغدو حسابات الضمير في الساقين، تصارعان عدواً حيادياً، يتشاركان عليه أخصام لك، وفي الوقت ذاته يحثونك على امتلاك قواك الجسدية حتى لا تخسر. قدماك سوف تفكران عنك.
ما لم يفهمه، وأنا ألقي بثقل تلك الفترة البعيدة من حياتي على كنبته، هو بحثي عن ذلك الفتى الذي كنت، أجمع فتاته، أعيد جبلها مجدداً بمقادير أسطورية من صلصال وماء كما جاء في سفر التكوين. فالرجل الذي يقصده الآن في عيادته هو في عقده الخمسين، يتحول الى فتى في العاشرة حالماً يتمدد على الكنبة، كغريق يطلب النجدة.
قلت وأنا أسدد أتعاب الجلسة العشرين:
- هذا الفتى مطرود من بيته الزوجي اليوم لأنه اعترف بسر حمله في حروق أمعائه أربعين عاماً. اعتقد أني بإفشاء قصّتي سيخفّ حملي وأجد لرأسي كتفاً ألقي به عليها. ردة الفعل انصبّت عليّ كاللعنة. صرت كموبوء أقرأ في عيون زوجتي وأولادي اشمئزازاً ورغبة علنية للابتعاد عن أجوائهم.
لماذا لم تجهر بما حدث لك قبل أن تتزوج؟
اعتقدت أني بالزواج سأحقق ذكوريتي بطبيعة نقية، معفاة من الشذوذ الجنسي الذي زرعه والدي في تربتي الرخصة. وددت أن يكون الزواج من الفتات التي أحببت دواءً لجراحي الماضية.
مي منسى








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.