8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الباحثة المصرية شيرين أبو النجا في كتابها الجديد: المثقّف الانتقالي من الاستبداد إلى التمرّد

الباحثة المصرية المميزة شيرين أبو النجا، لها الحضور الخاص، والمتعمق، واليومي، والثقافي، والسياسي، والملتزم، على الساحة المصرية والعربية. ملتزمة على غير دوغماتية، باحثة على غير أفكار جاهزة، تعرف كيف تضيء الأعماق، الاجتماعية وتناقضاتها وخلفياتها، من دون الاسترسال في التشفيرات المعهودة، وتعرف كيف تحفر في النصوص، وفي حالات، وفي الالتباسات، من دون إضاعة البوصلة. بنية نقدية تبحث عن بنية. وثقافة متسعة تبحث عن ثقافات متسعة، ومقاربات في حقائق تتحول معها الى ذرات افكار، تفكّكها من دون ان تعطب هوياتها الكثرى، وتجمعها من دون ان تعدم حرياتها الخاصة، انها المغامرة النقدية الباحثة التي تسعى الى مرساة، لا تتوقف عند محطة نهاية، بل لتكون اشارة الى ادغال، أو آفاق أخرى. وتظن ان ما يتميز به هذه الباحثة العنيدة، قدرتها على الاتصال بحياة النصوص الداخلية، وبخلايا المتون المتصارعة، وهذا ما يجعلها على منعطفات خطرة، قد تتمثل في صلاتها العميقة بالواقع، والمجتمع، ودواخلهما، واسرارهما، لتنتشل منهما ما يعينها على ولوجه، وفهمه فهماً ميدانياً، كأنها على مفترقات حادة مع المنظومات النقدية والفكرية الايديولوجية، التي سادت القرن العشرين سواء في العالم العربي أو الغربي. اي الانتقال من البنى الثقافية المغلقة، النهائية، الدينية (في جوهرها) الى البنى المفتوحة على معطيات الحياة والواقع. بمعنى آخر الانتقال من نهاية الايديولوجيات الاحادية الى انبثاق الأفكار بمشارفها وتحافيرها. وهذا يدل على ان شيرين ابو النجا، تعتبر من مفتتحات الثقافة الجديدة، التي تستمد ارثها من التاريخ (المشرع)، ومن المجتمع الخصب، وليس العكس. ونظن ان هذا الأمر هو الذي يجعلها في طليعة عصر ما بعد الربيع العربي، أو الثورات العربية، والتي كانت متونها الاساسية هي الجموع، وأوضاعهم، وتراكمات تواريخهم، وهوامشيتهم، كاسرة بذلك معهم وبهم ومنهم، استبدادية مجتمعات الرعاية المسلوبة، والسلطات الابدية، الدولة، والمنظمات المذهبية (والدينية الزائفة)؛ انه جوهر التمرد الشبابي الذي صنع الربيع العربي، من تونس، إلى مصر، (وقبلهما لبنان) واليمن وسوريا وليبيا. التمرد على الاستبداد المباشر بما يسمى العمل المباشر، الذي يواجه أدوات الاستبداد سواء في النظم السابقة او في تنويعاتها او اتجاهاتها (الاخوان المسلمون، وهي جزء من تلك الأنظمة، وصمامات أمانها، واداة قمع تستخدمها الأنظمة لقمع كل حركة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية جديدة).
ونظن ان شيرين أبو النجا، ذات الاهتمامات المتعددة، (سياسة، ثقافة، أدب...)، هي من الاشارات اللامعة لانبثاق وعي شبابي وغير شبابي لأوضاعه، وعي جديد، على أنقاض المنظومات الثقافية، خلائط الايديولوجيات والخطابات المتوارثة والاقتباسات العقيمة من على بروجها التجريدية المنفصلة عن حياة الشعوب ومجتمعاتهم. كأنها تطرح الفكرة الأبدية: من أين نستمد افكارنا؟ أَمِنَ النظريات الجاهزة نسقطها على الواقع، أو من الميادين والمنازل والأحياء والحارات، وأشكال المعاناة، والوقائع؟ بمعنى هل نسقط أفكاراً مطلقة شمولية على واقع خاص، ونسبي؟ في كتابها الجديد اجابات مفتوحة (ليس هناك أفكار نهائية بل ايديولوجيات نهائية: كل ايديولوجيا حتى الماركسية والوضعية والفنية هي من أصل ديني! فهل كان مثقفونا السائدون ظواهر دينية سواء وعوا ذلك أو لم يعوا؟). ذلك ان اجاباتها تلبي التحولات التي طرأت على مراحل عديدة، والتي عبرت عنها الميادين، وما افرزت من ظواهر فكرية (ربما لم تنضج بعد)، او براعم ثقافية (تحتاج الى اختمار)، أي ما أنتجت هذه الميادين بناسها ومجموعة من أفكار. ربما للمرة الاولى كما توحي شيرين أبو النجا التي تطلع فيها الافكار من اجساد الناس، وحواسهم، وهواجسهم، ومعاناتهم، وآمالهم، وطريقة تعاملهم، وصولاً الى تعددياتهم! انه الجوهر الأساسي للفكرة الأم التي تعاطت بها شيرين مع هذه المرحلة المعقدة، الثورية وغير الثورية.. لكن الانتقالية في كل الحالات! واستخدام مصطلح الانتقالية يعطي معنى التحولات المتعاقبة التي تفرزها الثورات، من دون الرسو عند محطة واحدة مطلقة.
بول شاوول

[مقدمة الكتاب
واتتني فكرة انجاز كتاب عن المثقفين، قبل ثورة 25 يناير بفترة وجيزة، ولم أكن قادرة على بلورة الزاوية التي سيتناولها الكتاب، فقد قتل موضوع المثقف بحثاً وكلاماً سواء في ما يتعلق بصورته او دوره او علاقته بالسلطة قرباً وبعداً وغير ذلك. وكان دائماً ما يتم الحديث بشكل مجرد ونظري بحت، فلا يجرؤ كاتب على طرح أمثلة من الواقع ليشرح تصوراته المتعلقة بالمثقف وإلا كان كمَن يلقي بنفسه في الجحيم. فالمثقف الذي نعرفه يهب للدفاع عن نفسه بضراوة، غالباً عبر تشويه الآخر في مقال أو كتاب، ومؤخراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. انه المثقف الذي غالباً ما يطرح كلاماً انشائياً مرسلاً عن اهمية الحوار طالما لم يتعلق الأمر به، أما إذا كان طرفاً في أي تفاعل فهو لن يتردد في ذبح الآخر عبر السلاح الوحيد المتوفر لديه: الكلمة. ولأن الكلمة سلاح فتاك فقد كانت وزارة الثقافة في عصر مبارك من أكثر الوزارات (والوزير) جدلاً، ومن أكثر المؤسسات ابتعاداً عن طرح القضايا التي تمس المصالح المباشرة للمثقفين، كما كانت إحدى البؤر الرئيسة التي سببت انقسامات شديدة بين المثقفين أنفسهم، ما بين مقبل على الوزارة وراغب عنها أو رافض لها سهلت الممارسات الثقافية العشوائية إلقاء الاتهامات المتعلقة بالتطبيع والتمويل والفساد المالي والاداري. كما ادى هذا الفساد الى الكثير من التواطؤ والشللية.
هل يمكن إنجاز كتاب عن هذا المثقف؟ لا يحتاج السؤال إلى إجابة، وبالرغم من ذلك فقد تحولت الفكرة الى ما يشبه الهاجس: لماذا يفتقد المثقف الذي نعرفه (ما اصطلح على تسميته النخبة) القدرة على تحويل الكلام الى فعل على الأرض؟ ربما هذا الفعل ليس مهمته، بل مهمة سلطة عليها ان تستمع له. ولماذا يتم إجهاض أي فكرة جماعية قبل ان تصل الى النور؟ ولماذا ينشب الخلاف من بداية أي عمل جماعي؟ ولماذا افتقد المثقف قدرته على التأثير الحقيقي في الشارع؟ ولماذا انصرف الشارع عنه؟ ولماذا اكتسب الخطاب الديني جاذبية على حساب أي خطاب ثقافي؟ وإذا كان كل مثقف لديه تحليل عميق يجيب به عن هذه الاسئلة فمن المسؤول إذاً؟ لكن هذه الاسئلة التي تحولت معي الى هاجس أسعى خلفه كلما غادرني ليست جديدة ايضاً، فقد طرحت كثيراً من قبل حتى فقدت كلمة المثقف معناها، وسببت حساسية معينة حتى انه كلما استخدمها احدهم يسارع الآخر ليؤكد انه لا بد من اعادة تعريف المصطلح.
ادركت في فترة انني ادور حول نفسي بكامل ارادتي وكنت على وشك التخلي عن الفكرة تماماً حين انطلقت الجموع يوم 25 يناير 2011. حبست أنفاسي حتى يوم 28 يناير وأدركت ساعتها اننا لن نعود كما خرجنا اياً كانت النتائج. ولم نعد كما خرجنا، ولا نتذكر كيف كنا. لكن الأكيد ان الحراك السريع، صعوداً وهبوطاً، لا يقتصر على المجال السياسي بالمعنى الضيق، بل يشمل كل مناحي المجتمع، بما في ذلك شكل الحياة اليومية. وبنفس المنظور، يمكن الحديث عن المثقف ومجاله. وكما ندلعت الثورة لتعبر عن رؤية جيل جديد، وعن رفضه وتمرده على القديم، وعن رغبته في الالتحاق بالجموع الانسانية التي تنعم بالرفاهية في مجتمعات تحترم حقوق الانسان، فإن الثورة في المجال الثقافي كانت على نفس الشاكلة. فالشباب الذي خرج الى الميادين مطالباً بتغيير النظام، أو بالأحرى إسقاط البنية القديمة المتكلسة، هو نفسه الشباب الذي أراد تفعيل نفس التغيير في المجال الثقافي. ومن هنا كانت نقطة انطلاق هذا الكتاب، الجديد في مواجهة القديم، والعوائق التي تحول دون تسييد رؤية جديدة. ما ينبغي توضيحه منعاً لأي التباس هو ان المثقف القديم الذي تشكل وعيه في ظل أنظمة سابقة استبدادية لم يكن معارضاً لولادة عالم جديد، بل كان يتوق اليه، ويتضامن معه، فقد تمكنت منه رغبة التحرر على مدار عقود، الا ان يده المغلولة والقيود الصارمة كانت تحول دون ذلك، وهو ما اجج الصراع اذا جاز القول بينه وبين جيل جديد ينهل من مرجعية مختلفة تماماً.
في دراسة عن المثقفين العرب تحمل عنواناً دالاً على هامش الهزيمة يؤكد الباحث حازم قنديل انه يمكن تطور الفكر العربي المعاصر عبر تتبع كيف دفع القمع، أو بالأحرى الوعي المستمر بالقمع، المثقفين العرب الى اللجوء الى مجال الثقافة، حيث المواجهة اقل مع قوة الدولة، بوصفه بعيداً عن مجال السياسة. ويستطرد في شرح ان تطور التيارات الفكرية الرئيسية في العالم العربي كان دائماً مرتبطاً بقبول أو قمع السلطة السياسية. ومع تزايد حدة القمع الذي يمارسه النظام، اضطر المثقفون الى اعادة رسم توجهاتهم لتجنب المواجهة، وذلك عبر اعادة ترتيب التوجهات الايديولوجية او عبر تبني خطاب ثقافي لا سياسي. باستيعاب مفهوم القمع، تم تجريف الجماعة الثقافية من قدرتها على المواجهة الصدامية. وكان السؤال: ما الذي يمكن ان يقدمه المثقف الذي تملّكه الذعر في المرحلة الانتقالية؟ لقد أدرك المثقف انه يواجه قوتين لا تختلفان سوى في الشكل: العسكر والاخوان. كان النظام السابق يتولى التعامل مع الجماعات الدينية، فكان المثقف متقوقعاً فيما يشبه الحضانات، متيقناً من استحالة مجيء لحظة التعامل المباشر حتى وجد نفسه وحيداً في مواجهة قاسية مع لغة وفكر وممارسة، وكلها اشياء لم يألفها إلا بشكل نظري. أما العسكر فهو النظام الصارم الذي لا يأبه لفعل وكلام ووجود المثقف، ولم يختلف في تعامله مع المثقف عما كان يفعله النظام السابق. ومرة اخرى لم يكن لدى المثقف سوى الكلمة.
في بحثه الصادق عن أفضل آلية للمواجهة، وفي سعيه الصادق لنشر الثقافة في الشارع، ولم ينتبه المثقف الى ان التوقيت متأخر للغاية، فقد مرت ثلاثون عاماً ظل فيها المثقف يحلم بنزول الشارع لكنه لم يفعل لأسباب كثيرة واكتفى بالجلوس في اماكن يرتادها اناس يشبهونه ويتكلمون لغته (باستثناء حركة كفاية واخواتها). على مدار ثلاثة عقود (وربما أكثر)، لم يطور المثقف خطابه، على مستوى الفكر والممارسة، فكان يعيد إنتاج نموذج ثقافي لسلطة ابوية حاكمة، ومن هنا ظهر الالتباس في علاقته بالأب الحاكم، فهو على وعي ان السلطة غاشمة وأن تداعيات مواجهتها وخيمة، وهو ايضاً يرغب في التحرر من هذه السلطة، فكان يصوغ خطابه بعيداً عن المجالات التي قد تؤدي الى عواقب وخيمة. يصف محمد عابد الجابري هذا الخطاب بأنه خطاب الذاكرة لا خطاب العقل، خطاب لا باسم ذات وعية تملك استقلالها وتتمتع بكامل شخصيتها بل باسم سلطة مرجعية توظف الذاكرة وليس العقل، وهذا من الخطورة بمكان. ذلك ان المفاهيم في هذا الحالة ترتبط، لا بالواقع الذي يتحدث عنه الخطاب، بل بواقع آخر هو الذي يؤسس في الوعي والوجدان، النموذج السلف صاحب السلطة المرجعية الموجهة. ومن هنا بدأ المثقف بتجنب المناطق التي قد تدفعه الى صدام عنيف مع السلطة، وتحول مفهوم التخصصات الضيقة الى ملاذ آمن، فكانت عزلة المثقف عن الأطراف الفاعلة في الوعي الجمعي.
إن هذه الحقائق التي كشفت عنها المرحلة الانتقالية والتي احتاج المثقف بعض الوقت ليستوعبها وهو يشهد خطاباً دينياً متشدداً يستشري في غمضة عين ليست بالجديدة أو المفاجئة. فالاحباط الثقافي والتهميش الكامل الذي مورس على المثقف يعود لأزمنة، لكن اذا حاولنا العودة الى اقرب نقطة للثورة سنجد ان 2005 كانت بمثابة الذروة التي تغول فيها النظام وكان للمثقف النصيب الأكبر من المعاناة. ففي ذاك العام وبالتحديد يوم 5 سبتمبر وقعت مأساة حريق مسرح بني سويف بمَن فيه من ممثلين ومخرجين ونقاد مسرح، وذلك للاهمال الشديد في وسائل الدفاع المدني، وبعد ذلك بيومين فاز حسني مبارك بفترة رئاسية خامسة (بعد ان كان قد تم تعديل بعض مواد الدستور بشكل مسرحي). في حين هزت مأساة الحريق الوسط الثقافي، وتلقى المثقف الصدمة كاملة من دون أي تجميل، ادرك ان قيمته ليست مؤثرة لدى هذا النظام. وكان فوز مبارك بمثابة اعلان نهاية دور المثقف، وربما نهاية كل المؤسسات. ومنذ ذلك الوقت انشغل المثقف بمعاركه الصغيرة سواء تلك التي يخوضها مع المؤسسة الرسمية أو تلك التي يشعلها داخل المجال. لم تكن تلك المعارك الا مؤشراً على انشغال المثقف بمصلحته المباشرة الخاصة لأنه ادرك ان الشأن العام قد اصبح في ملكية النظام تماماً، ولا مكان إلا لمن يردد مقولاته ويرسخ سياساته (كان صعود لجنة السياسات دالاً).
[ سوسيولوجيا العلاقات
الا ان ما زاد الوضع تعقيداً هو سوسيولوجيا العلاقات الداخلية لبنية المجال الثقافي، والتي اعادت انتاج صورة السلطة الأبوية الحاكمة، ربما من دون قصدية، اذ ان هذا النموذج السلطوي المعتمد على تراتبية يتربع الاب الرئيس، المدير، المدرس، الاب البيولوجي على عرشها هو الذي تسيد مجتمعاتنا لفترة طويلة، بحيث لم يكن هناك اي مساحة لنموذج مختلف، او حتى تخيل له. وهو ما ادى الى تغييب وغياب الشباب عن الصورة تماماً. والملاحظ ان هذه الاشكالية قد نالت اهتمام العديد من المفكرين في العالم العربي، ومنهم هشام شرابي الذي اقام بنية كتابه النظام الابوي واشكالية تخلف العالم العربي على فرضية مفادها ان:
بني النظام الأبوي في المجتمع العربي على مدى المائة عام الأخيرة، على فرضية لم يجر تبديلها أو تحديثها، بل انها ترسخت وتعززت كأشكال محدثة مزيفة. ذلك ان اليقظة العربية او النهضة التي شهدها القرن التاسع عشر لم تعجز عن تفتيت اشكال النظام الأبوي وعلاقاته الداخلية فحسب، لكنها عمدت أيضاً، وبإشاعتها ما اطلقت عليه لقب اليقظة الحديثة، الى توفير تربة صالحة لانتاج نوع هجين وجديد من المجتمع/الثقافة اي مجتمع/ ثقافة النظام الأبوي المستحدث الذي نراه ماثلاً أمامنا في الوقت الراهن.
هكذا ظل المجال الثقافي معبراً عن أبوية مستحدثة من ناحية، وأداة أو وسيلة لنشر فكرة الحداثة الزائفة من ناحية اخرى، وهو ما سهل مهمة النظام الحاكم الذي طالما تفاخر بمجتمع الحداثة لترويج صورة في الخارج، في حين كان يعمل في الداخل على تفتيت ولا ابالغ اذا قلت سحق اي صوت يدعو لاعادة التفكير في الخطاب السائد أو المسار المرسوم. ولقوة هذا النظام الأبوي، الذي تغلغل تماماً في البنية المجتمعية، لم يكن رحيل مبارك يوم 11 فبراير علامة تدل على رحيل النظام. وهو ما تأكد بعد ذلك في الحراك السياسي للقوى الفاعلة التي كانت تسعى الى اعادة ارساء هذا النظام الابوي بكل ما تملك من نفوذ وتأثير ودعاية ورأسمال وأعوان ومؤسسات ومناهج تعليم ووسائل إعلام. فكان العسكر هم الاخوان المسلمين هم بقايا نظام مبارك. اختلفت التسميات ولم يتخلخل النظام الأبوي قيد أنملة.
لن ينسى التاريخ هذه المفارقة مطلقاً. فالثورة قد اندلعت على يد شباب رافض للمنظومة الأبوية وعازم على الاطاحة بها. وعلى مستوى المجال الثقافي، فقد شارك في الثورة جيل كامل كان وعيه الثقافي والسياسي قد تشكل بمعزل عن الممارسات والآليات التي تورطت فيها الحياة الثقافية المصرية، والتي عملت على تعزيز نظام تفسخه التناقضات والنزاعات الداخلية. هكذا فقد المثقف اتصاله بجيل جديد صاعد، من ناحية، كما فقد النظام السابق الذي كان يوفر حماية زائفة لا تختلف كثيراً عن الوعي الزائف الذي ساهم في ترسيخه. كان هناك جيل ناشئ لم يجد لنفسه مكاناً في معارك النخبة ولا في خطابها، لم يرغب هذا الجيل ان يكون جزءاً من تلك المنظومة التي لم يشارك في نسجها، والحقيقة انه لم يسمح له بدخولها الا بوصفه صغيراً يمكن فرض الوصاية عليه. وبطبيعة الحال، اعلن هذا الجيل عن رفضه الكامل لدعم الخطاب الأبوي السائد في المجتمع، والخطاب ليس وعياً يسكن مشروعه في الشكل الخارجي للغة، ليس الخطاب لغة تضاف لها ذات تتكلمها، بل هو ممارسة لها أشكالها الخصوصية من الترابط والتتابع. وبذلك سعت الأطراف الفاعلة الى تعزيز أشكال الممارسة وأهمها تقنيات الاستبعاد التي ناقشها الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه نظام الخطاب، وقال: افترض ان انتاج الخطاب في كل مجتمع هو في الوقت نفسه انتاج مراقب ومنتقى ومنظم ومعاد توزيعه من خلال عدد من الاجراءات التي يكون دورها هو الحد من سلطاته ومخاطره، والتحكم في حدوثه المحتمل، واخفاء ماديته الثقيلة والرهيبة. كان الجيل الجديد على وعي باجراءات الاستبعاد، ومدرك لأشكال الهيمنة، كما انه أدرك مبكراً ان اي محاولات خلخلة لن تنال من هذه المنظومة المتماسكة.
[ الفضاء الافتراضي
فكان أن لجأ هذا الجيل الى منظومة مختلفة تماماً تتصل حياتها بالفضاء الافتراضي الذي كان مساحة غير مأهولة قبل ذاك، بل كان مساحة تنظر اليها النخبة باستخفاف شديد. وبدأ ظهور هذا الجيل في مبادرات سياسية هامة أبرزها ازمة القضاة التي وقعت في مارس 2006. في هذه الأزمة شهد هذا الجيل للمرة الاولى الضرب والسحل والاعتقال والاهانات العمدية فتكونت في نفسه العداوة الكاملة للنظام والمنظومة الأبوية، وبدأ ينسج خطابه وتحالفاته على الانترنت ليظهر بعدها بفترة وجيزة بكامل قواه. إلا ان المنظومة الأبوية التي أظهرت كافة اشكال الاستخفاف بجيل الانترنت كانت تحيل ذلك على خلل في منظومة القيم، فأرادت بذلك ان تختزل التمرد في أزمة أخلاق، وهو ما سعى الكثيرون إلى ترديده، مستخدمين في ذلك الخلل في منظومة التنشئة الاجتماعية. وقد أكد التقرير العربي للمعرفة ان هناك قاسماً مشتركاً بين منظومات القيم في العالم العربي، فهي تعاني أولاً من الهشاشة والضعف، وثانياً تعاني من ضعف مؤسسات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، التعليم، الإعلام)، وثالثاً تعاني هذه المنظومة من ضعف أو غياب المجتمع المدني. ولكل هذه القواسم المشتركة كان للعولمة فرصة في بسط هيمنتها على المنطقة. وبالرغم من النتائج السلبية لهذه الظاهرة الا ان لها وجهاً إيجابياً، فقد أتاحت ثورة المعلومات. وأصبح العالم بأكمله فضاء مفتوحاً، مما أضعف هيبة الاجراءات السلطوية التي تعزز منظومة الخطاب الأبوي.
واكد التقرير ايضاً ان الانترنت سمح للشباب بالتواصل الالكتروني، في فضاء مفتوح من دون رقابة، وتمكنوا من تشكيل جمهور افتراضي، وهو ما ادى الى تحفيز الخيال الايجابي التحريضي، وعزز من قوة الأفكار المناهضة للمنظومة الأبوية. وأوضح تقرير المعرفة العربي ان التغيرات في التنشئة المعرفية للشباب تأثرت بعاملين مهمين، منها صعود نسبة التعليم وتغير بنية الاسرة العربية، وهو ما يتمثل في التغيرات الاجتماعية الحادثة في منظومة وبنية وعي الشباب العربي، التي كانت مصدراً لرياح ونسمات جديدة أخذت تخلخل شيئاً فشيئاً النمط الأبوي السائد في الأسرة العربية. وتكون ذلك الوعي بتأثير تقانة المعلومات والاتصال المتقدمة، ومن اهمها الفضائيات العربية والعالمية، والاعلام الالكتروني، والاستخدام المتزايد لشبكة الانترنت، ومواقع الاتصال الاجتماعي بها. كان وعي الشباب قد تغير بالفعل، وتغير شكل الأسرة، وتغيرت اللغة، والممارسات، وقد كان التغير سريعاً فجاء صادماً لمجتمع لم يتوقف عن الاستخفاف بجيل الانترنت. وكانت الصدمة الاولى عام 2008 عندما تمت الدعوة لاضراب كامل يوم 6 ابريل ووقعت أحداث مدينة المحلة الكبرى، ثم خرجت الجموع يوم 25 يناير بناء على دعوات انتشرت على الانترنت.
أصبح من الواضح الآن ان الانترنت وفر رؤى مختلفة للعالم، وساهم في بناء مجتمعات افتراضية تدعم بعضها البعض، بالاضافة الى التغير الذي أصاب بنية الاسرة التقليدية، كانت عوامل ساعدت على اندلاع الثورة. وقد أكد عالم الاجتماع الفرنسي ايمانويل تود ذلك في اللقاء الذي اجرته معه المجلة الالمانية دير شبيغل عام 2011، ودار الحوار حول الاسباب التي ادت لقيام الثورات في المنطقة العربية. ارتكز تود في تحليله على عاملين هما الانخفاض الملحوظ في معدلات الانجاب وارتفاع نسبة التعليم. وتكمن أهمية انخفاض معدل الانجاب في انها ظاهرة تدل على ارتفاع وعي النساء وتحدث تغيراً في بنية الأسرة بما يجعل شكل سلطة الأب تتغير. وهو ما يؤكده تقرير المعرفة العربي مرة اخرى فيقول: خلافاً للتصورات الكلاسيكية التي كانت تعتقد ان التنشئة على القيم عملية تنطلق من الآباء في اتجاه الأبناء، فإنها يمكن ان تنحو في الاتجاه المعاكس، أي في اتجاه الصعود من الابناء نحو الآباء.. ولعل ما يحدث الآن من مؤثرات وحركات يقودها الشباب في أكثر من بلد عربي يعتبر دليلاً على ذلك. ويمد ايمانويل تود الخط على استقامته، فيربط بين تغيير شكل العلاقة بين الآباء والأبناء بتغير شكل العلاقة بين الحاكم الأب والمواطن، فالأسر الأبوية التي حكمت في المنطقة العربية على مدار عقود لم تتمكن من الصمود امام جيل جديد يسعى بكل قوته لهدم سلطة الأب، عندما تبدأ سلطة الأب في التداعي فإن السلطة السياسية تنهار ايضاً. وذلك بسبب اعادة انتاج نظام الأسرة الذكورية الابوية الممتدة في القيادة السياسية. هكذا كان الصراع بين سلطة الأب بكل تجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية وبين الابن بكل رؤاه الجديدة المنفتحة الرافضة للقمع ولآليات الخطاب الاستبعادي وممارسات الاقصاء. كان الابن يعلن عن نفسه وعن وجوده وكان الأب يحاول استعادة السيطرة، لكن الأمر برمته كان قد تجاوز خطاب أبوي قديم.
على مدار مرحلة انتقالية تعسة ظل المثقف القديم (ومعه الأبوي) ممزعاً بين عسكر يمارس كافة الانتهاكات على الثوار (المحاكمات العسكرية أبرز هذه الانتهاكات) وبين تيار ديني يعيد تشكيل هوية المجتمع، وبين شباب ثوار متخلصين من الحسابات ومندفعين تجاه هدف واحد وهو الحرية (وعيش وعدالة اجتماعية). لم تتفق الآراء إلا في مناهضة التيارات الدينية (وفئة لا بأس بها من المثقفين كانت مناهضة للعسكر)، فيما عدا ذلك لم ير المثقف غضاضة من اصدار بيان يطالب بتوقف الاحتجاجات الفئوية لتحقيق الاستقرار على سبيل المثال، كما ان جزءاً كبيراً من هذه النخبة لم يتردد في توجيه الاتهامات للجيل الناشئ، الذي كان يعاني من الاعتقال والمحاكمات العسكرية. بشكل عام، لم تتمكن النخبة من استيعاب الحدث الرئيس الذي شكل وعي هذا الجيل، والذي سيعيش عليه أزمنة طويلة. فقد كان تنحي مبارك اعلاناً عن سقوط كافة اشكال الوصاية الأبوية، بداية من الأب البيولوجي وحتى الرئيس السلطوي، وما بينهما انهارت صورة النخبة وخطابها، أو بالأحرى هيبتها. على الجانب الآخر، لم يرد المثقف النخبوي ان يخطو في الطريق حتى نهايته، فكان دائماً ما يرى ان هناك نقطة لا بد من التوقف عندها، او ما اصطلح على تسميته الخطوط الحمراء. في حين ظل الجيل الأصغر مستمراً حتى النهاية غير مبال بأي تيارات دينية، عازماً على ازاحة العسكر، وليس أدل على ذلك من تطور الهتاف من يسقط يسقط حكم العسكر الى يسقط كل مَن خان: العسكر والاخوان. في كل الاحوال، وجد المثقف نفسه في موقف مشابه لعام 2005، حين كان محاصراً بين مبارك أو الفوضى، وفي عام 2012 وجد المثقف نفسه في نفس المأزق مع اختلافات شكلية: الاخوان أو النظام السابق (مرسي أو شفيق).
[ استعادة دور
في المرحلة الانتقالية بذل المثقف مجهوداً كبيراً في محاولة استعادة دوره كمثقف عضوي طبقاً لتعريف المفكر الايطالي غرامشي في كراسات السجن، وبدا كأنه ينفض عن نفسه رداء المثقف التقليدي، وبقيت التحالفات والتكتلات الثقافية مرهونة بالعلاقات الشخصية وبصعود نجوم الفضائيات والصحف، وبضعف التمويل الثقافي، وصعوبة ايجاد حد أدنى من الأرضية التنظيمية المشتركة، وهو شيء متوقع لأن طبيعة المثقف تناهض التأطير والتنظيم الحزبي أو المؤسسي. وفي حين كان المثقف يحاول طرح نفسه كمثقف عضوي فاعل لم يكن الجيل الجديد على استعداد للدخول في عباءة الخطاب الأبوي مجدداً. وبالرغم من عدم المهادنة التي أبداها الجيل الجديد وحقق لنفسه بها وجوداً مميزاً في الحراك السياسي والاجتماعي، ظل المجال الثقافي خاضعاً بشكل كبير لسلطة الخطاب الأبوي، فالمؤسسة الثقافية لم تطلها اعادة هيكلة او اعادة نظر في خطابها السائد، فكان الناتج هو تبديل أشخاص من دون ان تتغير الممارسات. على المستوى الثقافي، نجح الجيل الجديد في اعادة العلاقة بين الثقافة والشارع، وقام بتوظيف أساليب تعبير جديدة تدل على رحابة الخيال وتعبر عن قدوم عالم جديد، الا انه ظل أسيراً للأسف لخطاب أبوي سابق في ما يتعلق بالعديد من مكونات المجال الثقافي. وظهر ذلك في عدم تخلصه من مقولات سابقة تعبر عن الغضب والاحباط في مجال النقد الأدبي وسياسات منح الشرعية للاعمال الجديدة.
يحاول هذا الكتاب رصد وتحليل ما حدث في المرحلة الانتقالية على الساحة الثقافية، وتأثير الأحداث على آليات تفكير وخطاب المثقف. ولأن ذكر مصطلح المثقفين يستدعي العديد من نقاط البدء الصالحة والمنطقية، فقد اخترت ان تكون البداية بشكل عام من لحظة الاعلان عن عقد مؤتمر المثقفين المستقل في اغسطس 2010، في حين توقفت عند مؤتمر حقوق وحريات الفكر والابداع الذي عقد بالفعل في يوليو 2012 بالمسرح الصغير في الاوبرا، لأنها النقطة التي كان يفترض ان تنتهي فيها المرحلة الانتقالية، ويكون المثقف قد رسخ ادواته ونسج خطابه الذي سيتعامل به مع مرحلة جديدة تطرح تفاعلاً شديداً بين علاقات قوى لن تترك المجال الثقافي في مأمن.
في الفصل الأول حاولت تتبع فكرة تسييس الثقافة التي كانت كائنة قبل الثورة والكيفية التي وجدت بها الثقافة نفسها معزولة تماماً بعد الثورة. كما ان هذا التتبع والرصد يوضحان الاشتباك الذي كان قائماً بين المؤسسة الثقافية الرسمية وبين المثقفين الذين ينادون بالاستقلال عن المؤسسة لتبعيتها السياسية. ولذلك يحاول الفصل الثاني مقاربة مفهوم الاستقلال ومقارنة ما فعله المثقف بالآليات الجديدة التي طرحها الجيل الشاب الذي بدأ من المدونات ووصل الى الشارع، وكأن التقابل بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية كان معبراً عن المواجهة بين المثقف القديم وذاك الجديد. يحاول الفصل الثالث بحث الكيفية التي شكل بها المثقف رأسماله الرمزي والاقتصادي، وما اذا كان يمكن الاستمرار بالاقتصادي فقط في ظل الخيارات والبدائل المتاحة أمامه، وذلك في مقابل طليعة الشارع التي لم تهتم بأي رأسمال سوى ما تتوق إليه: الحرية. ولأن الحديث عن المثقف يستدعي تخصيص مساحة لا بأس بها للناقد الذي طالما حير الجميع فقد خصصت الفصل الرابع للبحث في سياسات النقد على المستوى المحلي وعلاقتها بالعولمي، مما يجعل من الضروري الحديث عن الترجمة والجوائز، وما اذا كانت ثورة 25 يناير قد غيرت من الأمر شيئاً أو ان المثقف الجديد قد أتى بخطاب مختلف. أما الفصل الأخير فهو ما يتم تأجيل الحديث عنه دائماً: حرية الفكر والابداع. تلك الحرية التي أدرك المثقف انها اولى الحريات الواقعة تحت التهديد، فعمل جاهداً في المرحلة الانتقالية على حمايتها. وأما اذا كانت هذه الحرية ستحصل على حماية مجتمعية ودستورية وقانونية فهذا أمر غير معلوم أو بالأحرى غير مضمون، لأن المجتمع بكليته قد أصبح طرفاً في هذا الصراع.
في النظر الى جوانب مختلفة من المجال الثقافي بمختلف تجلياته وما حدث فيه أثناء المرحلة الانتقالية من تفاعل بين علاقات القوى، وفرص مهدرة، وخلافات شخصية، وشخصنة للمسائل الثقافية، وبيانات تقابلها بيانات مضادة، وكم هائل من الفساد الاداري الذي يرافقه فساد مالي، لا يسعى الكتاب الى اصدار أي تقييم لما حدث. فالمسعى الأصلي يتطلب الاجابة عن سؤال محدد: ما اذا كان المثقف قد اوجد آليات جديدة للتعامل مع مرحلة جديدة ام انه لا يزال يوظف نفس الأدوات القديمة في التعامل مع معطيات سياسية جديدة تعمل لصالحه وضده في آن؟ وما اذا كان الفعل الثوري (مع الأخذ في الاعتبار ان الثورة مستمرة) قد ساعد على ظهور فعل احتجاجي جديد صاغته رؤية وآليات مختلفة أم ان التعبير الاحتجاجي للمثقف ظل كما هو؟ بمعنى آخر، هل استوعب المثقف الأبوي خطاب المثقف الجديد أم أنهما عالمان مختلفان لن يلتقيا إلا في منطقة الشد والجذب؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00