8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

السينوغرافيا ومسرحة الحواس الخمس في العرض الدرامي 2

وهنا نتوقف عند مكونات العنصر البلاستيكية في المعمارية المسرحية:

[ أولاً: المكونات السينوغرافية التشكيلية

[ أ الإضاءة:
إن أهم ما يؤثر في الصورة المسرحية هو الإضاءة، بل إنه أهم ما يجب أن يؤخذ بالاعتبار هو ما يوحي به العالم الضوئي للوحة. فالمسرح كالرسم ويجب أن يلفت النظر عن طريق الإضاءة. فمن خلال التنظيم البلاستيكي للخشبة تبرز أساساً الحضور الفني للجسد الإنساني. فهي إذاً عنصر تشكيلي فاعل ومؤثر. عنصر تشكيلي لأنها لا تقتصر على إبراز الأشياء وإنارتها فحسب (وهذا ليس دورها في المسرح) وإنما تلعب أدواراً عديدة. 1 لونية عندما تتحكم بتلاوين الاكسسوارات والممثل، 2 إمكانية عندما تشير الى أحجام المكان والى هويته، 3 زمنية عندما تشير الى زمن حصول الأحداث، 4 نفسية عندما تلون الفضاء المسرحي بحياة الشخصيات الداخلية، 5- تعبيرية عندما تفرض مناخات معينة، 6 محولة لأنها تغير أداء الممثل. وتضخم الإشارات والحركات، وتقطع ظل الشخصيات، وتغير مفهوم المكياج والديكور ككل.
إنها وسيلة تعبير لكي تخدم اللغات الأخرى.
وتأتي أهميتها من كونها متطورة ومتغيرة بمرونة وسرعة فائقة بحيث يمكن أن تنقل الصورة السينوغرافية من تشكيلية الى أخرى، والجو من مناخ الى مناخ بلعبة تقنية تخضع أساساً للتطور التكنولوجي والتقني، فهي يمكن أن تتغير كالأقنعة، والمكياج، وتصفيف الشعر، والملابس، لتتعرض بذلك انسجام مختلف وسائل التعبير الأخرى (المذكورة) لهذا فهي أداة تتعدد وظائفها كما سبق وقلنا مما يكشف مرونتها كلغة لتلعب دور اللون هنا، والممثل هناك، ولتنتقل وتتحرك بحيوية، وتستفيد من الوسائل السينمائية والفيديو والتلفزيون كاللقطات المكبرة والأصوات.
وقد توصلت الإضاءة بامتداداتها أن تحل محل الديكور ككل. تضع الديكور وتحاور وحدها كبديل الممثل. وهنا تحضر في أعمال مسرحية ايطالية وأرجنتينية قدمت في مهرجان القاهرة قامت أساساً على الإضاءة، فحلت بلعبة تقنية باهرة محل الملابس، وتنكب حتى الدور السردي، فكانت هي العنصر الجمالي والتشيكلي والدرامي الأبرز مما قلص دور الممثل ودور النص، أي قلص الدور الإنساني. فهذا الإبهار الضوئي عندما حل محل العناصر الدرامية واللغات المسرحية ورغم حسن استخدامه الدقيق، والمرهف بات يشكل عبئاً من خلال تعبيره الاحادي وسلطته الاحادية.
مسرحية (فاميليا) لفاضل الجايعي، لعبت الإضاءة المحسوبة، والمكثفة دوراً جمالياً خلال حضور الممثل، وخدم المناخات الداخلية، (السلايدات) من خلال استعماله التقطيع السينمائي الضوئي جزءاً من الكلام، وحتى جزءاً من مناخات الممثلين الداخلية وعنصراً تشكيلياً بارزاً، عمق بعدها محاور العنصر الموسيقي الأبعاد الداخلية، والدلالية للشخصيات (من أقصى التوتر الى أقصى الحنان الى أقصى القسوة).
من هنا القول إن الإضاءة، الى خدمتها اللغات المسرحية الأخرى (التي ذكرنا) فإنها منوطة (أولاً وأخيراً بجسد الممثل، وبحركته، وتكاوينه وبملابسه، وبماكياجه، وبالاكسسوارات التي يستعملها. ولهذا عندما تطيش عن هذا الهدف الأساسي، أي عندما تصير طاقة تعبيرية تعمل لنفسها إن كانت بها مفرطة، فإنها تنفس مختلف الأجواء وتتحول جماليتها التشكيلية إلى عنصر غير درامي. الى عنصر استعراضي، خصوصاً عندما تتقدم كبديل من الممثل (كما رأينا في المسرحيات الايطالية والأرجنتينية) وتصير التقنية مجرد لعب براني أو مجرد عرض عضلات في بعض الأعمال لا علاقة له بمناخات المسرحية. بل كأنها في قوتها المستفردة نوع من المونودرام الضوئي الذي حاور نفسه منعزلاً عن السينوغرافيا والممثل. على هذا الأساس يمكن القول إن الإضاءة عندما لا تعطي دوراً جامعاً ومكثفاً لمختلف اللغات المسرحية تقع في عزف منفرد يشتت بنية العرض ويقسم وحدته العضوية وحتى جمالياته الكلية. أي تصبح نوعاً من الإنارة الملونة التي نجد ما يشبهها في الحفلات الاستعراضية، وفي المناسبات تصبح عنصراً شكلانياً محضاً، لا تعبيرياً، ولا داخلياً، ولا نفسياً، ولا إيحائياً، ولا دلالياً.

[ ب الملابس والأزياء:
يقول رولاني بارت على الملابس أن تكون ذريعة لها قيمة سينمائية كبيرة، تساعد على كشف الأفكار والمعارف والمواطن، ويرى بارت أن برشت في هذا المجال مثالي، فلا تكون مجرد قيمة بلاستيكية.
يقول كوكوس كل شخص يوجد على الخشبة يكون مرئياً لاستخدامه الحوار والحركات والملابس المسرحية، لكن أي ملابس لأي ممثل. يضيف كوكوس التخيل الثيابي لكل ممثل يستهويني لأنه يكشف عن خياله الخاص وعن رغباته السرية (المرجع ذاته ص 66).
فالملابس كما سبق وقلنا هي كالعنصر الذي يبرز ويكثف ويكشف مرئية الممثل، ككتلة حية، هذه المرئية بحكم حضورها لا بد أن تتضمن قيمة تشكيلية: كطراز، كألوان، وكقماش، وكعلاقة بالإضاءة من جهة، وكأخرى بالسينوغرافيا، والفضاء المسرحي، والمكياج والاكسسوارات والأدوات الأخرى، من جهة أخرى. فهي صورة جمالية تنخرط في الصورة المسرحية العامة، جزء من لوحة حية، ومتحركة. وهي صورة تعبيرية لجسد الممثل، تشكيلية تعبيرية تكشف هوية الممثل، وتكون أحياناً كثيرة بمثابة رموز سياسية أو دينية أو عسكرية أو اجتماعية أو قومية أو نفسية.. إلخ وهي على هذا الأساس وكما يرى آبيا أن على الملابس أن تتخطى كل واقعة (كوكوس يتكلم على المتخيل) وكل زخرفية أي ككل عنصر مسرحي، أن تصبح سنداً من العلامات في إطار من الجمالية الرمزية أو التعبيرية. فهي إذاً عنصر مسرحي، يتشكل به حضور الممثل بحسب المتطلبات التشكيلية والدرامية على الخشبة.
فهي كالإضاءة غير موجودة لنفسها. أي غير موجودة كقيمة زخرفية أو مجانية أي كقيمة مستقلة. وإنما كنظام من الأشكال والمواد تطوعها الإضاءة وأداء الممثل لمتطلبات الموقف الدرامي.
ويشير الى أمراض الملابس فيلخصها بالإفراط في الوظيفة (التاريخية) والإفراط في الجمالية عندما تكون من دون علاقة بالمسرحية.
أي بجمالية شكلية مجانية تنم عن ترف تجعل منها عنصراً منفصلاً أو بعيداً أو زائداً على العمل المسرحي. ويمكن هنا أن نستحضر مسرحيات تقدمت فيها الملابس كعناصر (تاريخية) وواقعية وجمالية أكثر مما تقدّمه كعناصر درامية، إيحائية كمسرحيات (بترا) (فخر الدين) للأخوين رحباني، وصخرة طانيوس (لجرار اقديسيان) صمم الملابس جان بيار أوليفر و(مشيت في طريقي) إخراج منير معاصري و(لبنان الكرامة) لزياد رحباني، وكرنفال (للحبيب الشبيل) وفي المقابل تستحضر أعمالاً أبرزت الملابس فيها الحضور التشكيلي للممثل وغذت الرؤيا الدرامية، من هذه الأعمال (اسماعيل باشا) لمحمد ادريس، (صانع الأحلام) لريمون جبارة، (فيلم أميركي طويل) لزياد رحباني، (قديسون وأرانب) لشكيب خوري، (يسوع) لمنير ابو دبس، (المصعد) لعزالدين قنون و(جيب سري) لسهام ناصر، والمتمردة والحلبة لفؤاد نعيم، (عرب) للمسرح الجديد، (أنا الحادثة) للمنجي ابراهيم، و(الطرطور) ليعقوب الشدراوي و(الشهداء يعودون) لزياني الشريف، و(التحقيق) للمسرح الجديد، و(الاغتصاب) لجواد الأسدي، و(الملك لير) لصلاح القصب.. إلخ.
هالدان ماكنال يصف المشهد الأخير من (ديدون) من إخراج غريغ ديدون وقد أنهكها الألم ترتدي ثوباً أسود محاطة بوصيفات جاثيات، متهالكة على وسادات عرشها السوداء ضوء خفيف على وجه ديدون، يترك أسفل الوجه في القمة التي تمتزج في أسود الثوب.. بينما الحلكة تتلو نشيد الموت. اللون الأسود هنا، لون الوسادات ولون ملابسها، والضوء الخفيف، والفضاء الخابي.. تشكل مناخاً دلالياً وجمالياً معاً يكثف حالة اليأس والموت (عالم المسرح ص160). وهكذا تدخل الملابس، كمادة وكلون وكمعنى الشخصية في الفضاء المسرحي.. تصبح جزءاً من الشخصية والنص في مختلف الأدوات السينوغرافية الأخرى. والممثل هنا في حجمه المادي وفي ملبسه وفي الإطار المحيط به يتشكل في مشهدية أو في صورة تنضح بالإيحاءات والمعاني. وفي هذا الإطار ولولا هذا الحجم الإنساني الدرامي (الممثل) لتعطلت الحياة التي تفسخ اللوحة. كانت مجرد ألوان وأشكال وملابس واكسسوارات. كانت أشياء جميلة فحسب جميلة ومرمية في فراغ جمادها وسكونها وبكلمتها.
[ ج المكياج:
يحدّد جورج قيتالي في كتابه ماكياج المسرح (داربورداس، باريس 1952) مجموعة الوسائل التي تهيئ وتبرز وجه الممثل ليظهر على الخشبة في بعض الشروط المضيئة والمكياج. يغطي كل الجسم، هو أحد مفاتيح الشخصية، وتعبير عن المواصفات الاجتماعية والفردية، وتجسيد لتحولات الممثل. فهو ليس مجرد تبرج أو صنعة مجانية بلا أهداف ووظائف تمس صميم المسرحية والممثل. فهو أولاً مادة شكلية، رسم على الوجه قناع وبذلك لا ينفصل (كمادة بصرية) عن الصورة العامة التي يشارك فيها الممثل مشاركة تشكيلية. وأحياناً كثيرة يبدو امتداداً للملابس، وكذلك للديكور، جان جينيه يعتبر (المكياج) امتداداً للديكور إذ لا بد أن يكون على علاقة حميمة بالإضاءة وبالديكور والملابس من ضمن فضاء بصري تشكيلي يتكون انطلاقاً من الممثل وعودة إليه.

[ ثانياً: المكونات السينوغرافية الحركية
لقد اعتبرنا أن الممثل هو هذه الكتلة الحيوية المرئية بالجسد وبالملابس وبالمكياج وبالإضاءة التي تحيي مختلف العناصر بدلالاتها ومعانيها الدرامية. فهو الحركة الحية المشكلة تشكيلاً مشهدياً متحولاً بين أمكنة الخشبة وفضاءاتها. فهو إذاً كتلة متحركة. أو بالأحرى حركة دينامية تساهم الإسهام الأساسي في تشكيل الصورة المسرحية وفي تحولاتها الدينامية وفي دلالاتها اللامتناهية.
ولا نقصد بالحركة هنا مجرد عملية تحريك الأطراف أو الإيماءات التي يقوم بها الممثل أو تحركه من نقطة إلى نقطة، أو تغير أوضاعه في تشاكيل أو في إيقاعات فحسب. ففي المسرح حتى الوضع الجامد حركة (تماماً كما الصمت كلام) وعندها يمكن اعتبار الحركة (كل وضع جسدي على الخشبة، سواء كان متحركاً أو غير متحرك) (كوسلين) لغة الحركات الجسدية ومعانيها الرمزية، (دار غايار ص 42)، والمخرج هو الذي يحدد فضاء الحركة وتشاكيلها وقوانينها. من هنا، إن الحركة تندرج كالإضاءة مثلاً في المعمارية العامة للمسرحية. وثانياً الى الصورة البصرية.. التشكيلية، بل هي حاملة علامات المسرحية على امتداد العرض. أنها العنصر الثابت والمستمر. إذ لا مسرح بلا حركة، وكذلك لا حركة بلا مسرح. إنها لغة الجسد، أو بالأحرى جسد اللغة التي تنطق بها المسرحية. على أنها الجسد الذي يكون الأبجدية البصرية والجمالية لمجمل العمل. فكل مشهد أو لحظة يمكن عبر رؤيا المخرج التشكيلية أن تكون لوحة. سواء عبر الممثل الواحد كمفرد أو المجاميع كتشكيلات تتمازج فيها الألوان والملابس والإضاءة بالحركة، لتؤلف في أوضاعها وتراكيبها ومعمارياتها مشهديات باهرة. ولذا لا بد أن ترسم الحركات بالتوازي مع الحوار والموسيقى والمؤثرات والإضاءة وأمكنة المتفرجين والفضاء المسرحي ككل، إنها رسم بالحركات والكلمات.
ويمكن أن تحل الحركة محل الديكور، فيصير الممثل المتحرك هو الديكور مثل نهاية اللعبة وفي انتظار غودو حيث اللعبة متمركزة على الممثل تحل الحركات المؤسلبة محل الديكور المختزل الى حدوده الدنيا. وفي فصل بلا كلام لبيكيت أيضاً يحمل الإيمائي المتفرج على فك شفرة اتجاهه أو معناه في الحوار بين الديكور والاكسسوارات وحركات الممثل الوحيد على الخشبة، وقد تحل الحركة محل الكلام أو الاكسسوارات أو الديكور أو الملابس. تصير معمارية شكلية دلالية ودرامية. وفي هذا الإطار يمكن الكلام على لغة حركية داخل لغة مسرحية والمتمثلة بالرقص الذي أصبح في السنوات الأخيرة جزءاً من العملية المسرحية كوريغرافية في الفضاء السينوغرافي العام. وهنا نشير الى عامل الرقص الإفرادي أو الجماعي الذي صار من مكونات العمل المسرحي، بتشاكيله الجمالية والتشكيلية والدرامية. في صانع الأحلام لريمون جبارة وفي ميديا لسهام ناصر وفي أعمال كركلا ووليد عوني.. طاقات حركية إيقاعية أو راقصة تشحن المسرحيات بجماليات بصرية وتشكيلية تندرج في صلب الرؤيا الإخراجية للعمل. أي أن الحركة الراقصة أو الموقعة لا تتقدم كمظهر مجاني أو استعراضي أو تطريبي جسدي مستقل.
فالحركة في تشاكيلها السينوغرافية والكوريغرافية لا بد أن تعبّر عن خلفيات أو دلالات (رمزية، سياسية، اجتماعية، عسكرية، قومية، دينية، نفسية) ورموز فتكون درامية أي مجموعة علامات مسرحية ذات قاموس فيزيائي وداخلي غير محدود. أي أيضاً كمجموعة إيقاعات تنتظم بحسب قواعد محددة تختزن رسالة (المخرج النص) يحاول أن يقرأها أو يفككها المتفرج. أي معمارية حجرها الأساس الممثل. معمارية متحركة بكل تشاكيلها الجمالية والدرامية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00