8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

السينوغرافيا ومسرحة الحواس الخمس في العرض الدرامي 1

لا بد من أجل التوصل الى مقاربة ما الدور الذي رسمه الحركة في السينوغرافيا والوظيفة التي يمارسها المخرج في تفجير الجانب التشكيلي لحركة الممثل وجسده في اشباع العرض المسرحي بالتشكيل من ان نحاول تحديد المسرح كمكان نرى منه بحسب ترجمة كلمة (theatron) اليونانية. أي كمكان بصري، وكذلك تحديد هوية المسرح بحسب الرؤية المعاصرة والجديدة التي توصل إليها بالممارسة، وبالانجاز والتصور النظري أو المتخيل.
على هذا الأساس لا يكون كلاً منّا على الدور التشكيلي للمثل داخل الحركة السينوغرافية وهو جانب واحد (جمالي) فحسب وإنما الى الدور التشكيلي الكلّي والدرامي أي الدلالي الذي لا يقوم مسرح من دونه.
على هذا الأساس سنحاول الاقتراب من هذه المسألة من خلال المسرحة، والسينوغرافية كقيمة جمالية، وكقيمة درامية ودلالية وعلاقتها بالحركة، ثم الممثل كمعمارية متحركة.
علاقة الديكور (السيوغرافيا) بالنص والممثل وبالاضاءة وبالفضاء المسرحي وبالجمهور أي علاقة مختلف العناصر المكونة المسرح، خضعت في مجملها لأشكال التطور ومضامينه المختلفة وأساليبه، وتجلياته، فالمسرح خصوصاً في القرن العشرين لم يتوقف عن مراجعة ذاته، ولم يعدم وسيلة للاستفادة من توترات تجاربه من جهد ومن تقدم التنقيبات والتكنولوجيا من جهة أخرى.
فمفهوم النص الممثل تحول ومفهوم السنوغرافيا قبول وما زال. وكذلك المعمارية المسرحية في صور تخطيها ذاتها باستمرار. وكذلك علاقة الجمهور بكل ذلك عرفت انقلابات وثورات وتفجرات.
وهذا يعني أن المسرح وهو أبو الفنون، والذي يحمل تاريخاً طويلاً متقادماً من التجارب الحية، لم يتحول ارثه الطويل الى عبء يشده أو يجذبه الى أماكن الجمهور والسكون. بل على العكس فالمسرح كبناء يكون من الفنون القليلة التي تحمل ارثها في صلب تطورها. وما فيها في حركية تجاوزها، وهي من الفنون القليلة التي تستطيع أن تستفيد من كل شيء. من متاع السابق الى أقصى انجازات الحاضر. ومن المادة الأكثر طعناً في القدم الى المادة الأكثر معاصرة. انه الفن الذي لا يشيخ، ولا تنفذ قواه، ولا اعماره. ولهذا ربما يقال (فيلم قديم) ولا يقال (مسرح قديم) كأنه، وهو الفن الهش العابر يعيش حاضراً مختزلاً باستمرار. فمادته غير محددة.. وأمكنته غير محدودة. ودلالاته غير محدودة. ومسافاته وعناصره التجريبية، غير محددة وانفتاحه غير محدد. فهذا بامتياز في زمني وهو كذلك بامتياز في غير زمني وعليه يمكن له أن يرجع من شاء الى الماضي كمادة (مؤوّلة) بكل أطرافها وتشابكها، ويمكن أن ينغرز في الحاضر بكل تعقيداته، كمادة مسؤولة أيضاً. فهو في الوقت ذاته يمكن له أن يستفيد من المادة النصية والملابس والاكسسوارات القديمة، ويمكن في الوقت ذاته أيضاً أن يغرف من أكثر تجليات الحضارة التكنولوجية كالاضاءة كالليزر والشاشة التلفزيونية، والتقطيع السينمائي والكمبيوتر والسلايدات...

[ الدلالات
انه يصنع باستمرار جمالياته الدرامية/ الدلالية. يصنع ذاته باستمرار. ذلك لأنه على تحول دائم. انه فن التحول. لكنه التحول الذي يقوم على عنصر قديم يتحول هو الممثل. أو الجسد الانساني. فهذه الآلة السحرية التي مهما تضاعفت فيها التقنيات المستخدمة (أو المتقادمة) عنصر الحياة الأساسي فيها هو الممثل.
وعندما تستخدم عبارة (آلة) فلنشير الى المسرح فلنتوافق مع التحديد الذي اقترحه ج. جرار في كتابه (العالم المسرحي عن بوف، باريس) يقول (المسرح هو نوع من الآلة السيبرناتيقية).
قبل رفع الستار وتختبئ خلفه. لكن ما إن يرفع الستار حتى تكشف انه بدأت تبث عدداً من الرسائل في اتجاهات مختلفة. فأنت في أي نقطة من العرض تتقبل وفي آن معاً، خمس أو ست معلومات آتية من الديكور، الملابس، الاضاءة، أمكنة الممثلين، حركاتهم، اشاراتهم، تعابيرهم، كلماتهم، صمتهم (الصمت جزء من الكلام). لكن بعض هذه المعلومات (يصمد) (كالديكور الثابت مثلاً). فيما العناصر الأخرى تدور أو تتحرك (الكلمات والحركات). فنحن إذن إزاء تعددية معلوماتية ومن هذه هي المسرحة: كثافة دلالات. (ص 45).
هناك صراع إذن بين النص والأداء بين الكلمة والعلامات الأخرى تقوى أو تتضاعف أهميتها بحسب الأهمية التي يوليها اياها أهل المسرح: الكاتب، الممثل، المخرج، السنيوغرافي، هذا الصراع المتعدد ينظمه ويصوغه المخرج. وهي المسافة التي قطعها المسرح في مسيرته الألفية من دكتاتورية الكاتب الى دكتاتورية المخرج. فالكاتب قبلها كان يبث خطابه المسرحي الأحادي عبر الممثل الكل، واليوم ومنذ أكثر من قرن تقريباً، صار المخرج هو سيد العرض، ومبلور رؤاه، ودلالاته، وعناصره، لكن أيضاً عبر الممثل المبدع، أي حامل الدلالات أو بحسب التحديد الذي أوردناه: الممثل روح هذه الآلة... وروح اللعبة الدرامية. نراه عند أرطو مثلاً الطاقة الفيزيائية الحية الأولى في العرض على حساب النص والعناصر الأخرى. ونظن أن التحولات الكبرى في الاتجاهات المسرحية الحديثة قامت على هذا العنصر من ابيا وكريج الى مايرخولد الى برشت وارطو ورانكوني وغروتوفسكي ومسرح الشمس والمسرح المفتوح.. الى مختلف التجارب الأوروبية والأميركية فالعربية. ولو اختلفت المقاربات والأدوار والوظائف واشكال التعبير بين هذه التجارب الغنية والمتنوعة من حيث لعبته وممارساتها ومفاهيمها.
بمعنى آخر انتقل المسرح من الأداء الكلامي النصي (الفيزيائي المباشر أو الصوتي المباشر الى الاداء المفتوح على مختلف المواد المكونة أو المنافسة وان تحت سلطة واحدة هي سلطة المخرج. أي انتقل من المسرح ومن سلطة (السينوغرافيا) الصوتية الواحدة (النصية) أي سلطة السينوغرافيا المتعددة: البصرية والحركية. سينوغرافيا الصوت، سينوغرافيا الاضاءة، سينوغرافيا المكياج، الى سينوغرافيا المكان...) أو فلنسمها بعبارة واحدة (سينوغرافيا الحواس الخمس) وهي التي تتوجه الى البصر الى السمع الى التذوق (تقاسم الخبز) أو الى الشم (اعداد البخور والمباخر) والروائح كما في فرقة ليفينغ ثياتر) والى اللمس (ضربات السوط على المتفرجين المتطوعين في مسرحية لارابال).

[الجدار العاري
على أن هذه العلامات السينوغرافية التي تتوجه الى المتفجر نادراً ما تكون معزولة. فالكلمة لا ترسل وحدها. ترافقها عادة تعابير وجهية والممثل لا يلعب بدون ديكور مهما كان الديكور فقيراً أو مختزلاً أو عارياً. جان جانسن يظن أن من المستحيل غياب شامل للديكور حتى وان اقتصر على جدار معتم أو على خشبة واحدة.
ومن خلال عدد غير محدد من التراكيب الممكنة تتبادل هذه العلامات في ما بينها الاشكال: تعزز بعضها، تتكرر، تتحدد، تتجافى، تتناقض، لتؤلف شبكة من الرسائل ومزيجاً من اللغات. فالسينوغرافيا هي جزء أساسي من عملية المسرحة. من هنا الكلام على أن كل سينوغرافا ممسرحة هي سينوغرافية متحركة وكل سينوغرافيا هي سينوغرافية حركية تبث رسائل متعددة لكن لتتحول في النهاية في الخطاب الاخراجي.
وعندما نقول ان كل سينوغرافيا ممسرحة سواء من ناحيتها الجمالية أو الوظيفية فلكي نميزها من السينوغرافيا التي تغلب عليها الطوابع الزخرفية والجمالية، فتنفصل عن بؤرتها الدرامية وتتراجع في محاورتها المرئية (أو العلامات) الأخرى. فهي إذا سينوغرافيا خاوية أو شكلانية لا تشارك في بث الرسائل أو المعاني أو الايحاءات التي كما قلنا ينظمها المخرج بالتعاضد والتعاون مع العناصر الأخرى: السينوغراف، مصمم الاضاءة، مصمم الملابس، مصمم السينوغرافيا الصوتية والموسيقية... فهي اذا سينوغرافيا ساكنة، جامدة، ومجانية سواء بهرت في تشاكيلها أو في تلاوينها أو حتى في مؤثراتها). كل هذا يرتبط بالسينوغرافيات وتكمن في كل توجهاتها وفي كلية تأثيرها، وايحاءاتها، كشبكة معهودة في الخطاب الدرامي الأساسي. فمن ناحية تتحرك صوب بعضها البعض ومن ناحية تتحرك صوب المتلقى الذي يقرأ رسائلها المبثوثة قراءة خاصة. وهكذا تتكامل الحركة:
حركة السينوغرافيات بعلاماتها المتنوعة.
حركة السينوغرافيات ككل صوب الملتقى.
حركة الملتقى عبر قراءته وتأثيراته.
على هذا يؤلف فضاء ايقاعياً (بنائياً) أو جغرافية ايقاعية عامة. وإذا كان الكلام على الفضاء المسرحي هو كلام أولاً على التنظير العام لمكان الحدث المسرحي، والعلاقات التي تقوم بين ما هو ظاهري ومدرك بين الذين يمثلون (الممثلون) والذين يتفرجون (المتفرجون).
وكلاماً ثانياً على الطريقة التي تصوغ البنية العامة، في أن مجمل هذه العناصر (البشرية والشيئية) المسرحية تتحرك تحركاً مرئياً ومسموعاً أي مشهدياً على امتداد العرض، لتؤلف نوعاً من المعمارية العامة للمسرحية في معمارية الحركة.
من هنا يمكن الكلام على جمالية السينوغرافيا والدينامية كمادة مشهدية تخضع لمختلف أشكال البناء التشكيلي وكذلك على الممثل كشريحة تشكيلية مرتبطة بحركاتها بكافة العناصرالأخرى. بل لا يمكن الكلام على سينوغرافيا جمالية مكانية ذات بعد درامي ودلالي من دون أن تتصل اتصالاً عضوياً بشخصية الممثل الذي يجسد جمالياتها و(تكاوينها) ذلك البعد (الحركي) الدرامي.
ان المسرح في النهاية مكان نرى منه وإليه: مكان مرئي ملموس. وحي أيضاً قد تطلب اكتشاف العلاقة بين العناصر المرئية وغير المرئية قروناً أي اكتشاف العلاقات الدرامية والسرية التي تجمع بينها أي اكتشاف العلاقات الدرامية والسرية والتي تجمع بينها اي اكتشاف العلاقات المتبادلة التي تربط الفضاء المسرحي والمعمارية واللعبة الدرامية كما يقول ميشال كورفي في كتاب theater.
على هذا الأساس يمكن القول أن الممثل كونه هو الاداة الرئيسية للعبة الدرامية أو أحد عناصرها الأساسية المتمثلة بجسده وفي مجمل الابعاد كمعمارية متحركة تحركاته واشاراته وحركاته ترسم وتوحي بفضاء.
وان مختلف (اللغات) لا بد أن تراعي انسجامها معي اما بسبب المكان الذي يحتله على الخشبة وبالنسبة الى زملائه والى الاكسسوارات والجمهور وتحركاته من نقطة الى نقطة توفر له في حد ذاتها شكلا درامياً وتواصلاً متوارثاً ومتفهماً.
يقول المخرج والسينوغرافي يانيس كوكوس (انني أتواجد بالمرسم ولا يعني هذا الرسم بوصفه فناً لكنه الرسم الذي يساعدني على التفكير، اني أقوم بالتعبير عن طريق الرسم. أسرد العرض عن طريق الرسم وأتخيل هيئة الكتاب العرض عن طريق الرسم (كوكوس، ترجمة سمير حموده ونورا الأمين، عن هيئة الكتاب في القاهرة عام 1994). ويضيف كوكوس (يفقد المكان قدرته الايحائية لفقدانه (المصدر ذاته ص23).
وان علينا العثور في العمل الفني على الهندسة السرية، هندسة المعاني والحركات من هنا يأتي الممثل شيئاً أساسياً مرئياً.أي جزءاً (جماليا) ملموساً وان تجاوزت (المرئية ما هو خارجي فحسب الى ما في داخل الممثل. فهو مقياس المسرح (كوكوس المصدر ذاته، ص25) قال يونسكو (كل شيء هو لغة في المسرح، الكلمات، الحركات، الأشياء، الفعل ذاته. لأن كل شيء يعبر، ويعين) وهذا ما سبق أن أشرنا إليه في قولنا ان المسرح يبث عدة رسائل (أي عدة لغات) في آن معاً. والممثل، كما سبق وقلنا ايضاً هو جزء من اللغات، وجزء أساسي، وثانياً فهو جزء من (السينوغرافيات) معانيها، ودلالاتها، وبدونه تصير لغة بلا لغة، مجرد أشياء ميتة.

[ الممثل
والممثل هذا الكتلة المادية المتحركة، هو الذي يحرك أو يهدم أو يطور هذه العلامات، فهي تتحرك (بدينامياتها) به، وهي تكتسب حياتها منه.. فلكأنه كالساحر الذي ما أن يتحرك (ولو جمد) أو يتكلم حر يحيا كل شيء في المسرح حوله. لكأنه كالعصا السحرية التي تغيّر الأشياء والأمكنة، وتوظفها لحضورها.. فاللغات الأخرى تخدم شخصيته، وتضيء كوامنها وخلفياتها ومراميها وتطورها وكذلك لغتها التشكيلية، فالضوء والمكياج والديكور والشاشة وخيال الظل والسلايدات كلها تتضافر كي تصب على هذه الكتلة الانسانية المتحركة.
لهذا لم يعد الممثل مادة صوتية ببغائية تفسر أو تتلو نص الكاتب، منعزلة عن كل ما حولها. لم يعد الممثل كتلة شكلية مغلقة ومنعزلة عن العناصر الأخرى. وفي المقابل لم تعد السينوغرافيا مجرد أشكال وأحجام زخرفية ترتب أو توضب أو توضع خارج رسم شخصية الممثل، وخارج المناخات والايحاءات، أي مجرد اشكال وأحجام بلا هوية ولا قسمات ولا معنى، ومنذ ان انتقلت السلطة من الكاتب الى المخرج مع ابيا وغريغ وانطون تغيرت علاقة الممثل بالنص، وبالأشياء المحيطة به، والمستخدمة على المسرح.
لقد حرر المخرج الممثل من سلطة احادية الكلام، وحرره من الارتهان المباشر للنص، ليكون لغة مفتوحة ضمن نظام من الرموز والمعاني المفتوحة، أي ليكون معمارية متحركة داخل فضاء معماري شامل.
ان لهذه المعمارية المتحركة قيمة تشكيلية تتصل بالقيم التشكيلية والجمالية الأخرى. من خلال احتلال مكان لها في الفضاء المسرحي، ومن خلال تنقلها من مكان الى آخر. وهذا يعني ارتباطاً عضوياً بالامداء والأحجام اللونية والتشكيلية التي يمكن أن تشكل مشهدية جمالية. وهنا يأتي الكلام على الملابس وعلى الاضاءة والمكياج والأقنعة والألوان والأدوات المستخدمة، لكن بشكل يتعلق بالسينوغرافيات الأخرى الايقاعية والبصرية. وكذلك بوضع الممثل وبمكانه بالنسبة الى الممثلين الآخرين.
فالسينوغرافيا كما يراها آبيا يجب أن تكون نظاماً من الأشكال والأحجام الحقيقية تفرض على الممثل ايجاد حلول بلاستيكية تعبيرية، واقامة علاقة مركبة بواسطته. وهذا يعني تسييد الحركة أو المرونة السينوغرافية. ولا يمكن لهذه البلاستيكية المتحركة إلا أن تخضع لضرورات درامية، كي لا تقع في المجانية، وتفسير الرموز والممثل والنص وتصبح في السلطة، من هنا يفهم كيف انتقلت مهمة السينوغرافية من رسام يرسم لوحة وتكون خلفية زخرفية لمشهد، الى رسام يساهم في رسم السينوغرافيا الى مخرج يقوم بنفسه بوضع السيوغرافيا أو يعطي ارشادات لسينوغرافيي كي يقوم بهذه المهمة، فالعنصر التشكيلي هو عنصر مهم في هذه المعمارية. ومكونات هذا العنصر عديدة. ويمكن لتوضيح الصورة التوقف أولاً عند المكونات السينوغرافية البلاستيكية، وثانياً عند المكونات الحركية وثالثاً عند العلاقة الدرامية والبنائية (أو الديالكتية) بين مختلف هذه العناصر التي محورها الممثل.
(يتبع حلقة ثانية)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00