... طويلاً ورحلتَ ويا لجلجلة الوجع يا أنسي. وطويلاً كنّا معاً. أكثر من عمر. وأكثر من ميلاد. وأكثر من ميتات ورجوع، وأكثر من شِعر. وأكثر من درب. وأكثر من صداقة. خمسة وأربعون عاماً يا أنسي. معاً. وكأننا نوازي نهراً لا نعرفه. وسماء غامضة. وأقداراً لا تُحسب لنا، وأرصفة تغير أسماءها. ومدينة كلّما مشت مشينا ومشيناها. وكلما توقفت أصاب حواسنا الحنين. أصاب أقدامنا الوقوف بلا إشارات... ولا قبعات، ولا مفترقات كأنما باتت الحياة طريقاً واحدة ضلّ حُرّاسها طويلاً.
كنت لي يا رفيقاً، وطويلاً، كنت لي المغامر وحدك، وحدك، في المنعطفات الخطرة. كأنما كنت دائماً على حافة هاوية مفتوحة على سماء. من لن، هذه القصيدة المحظية، الصرخات المتتالية، المتطاولة على ما هو سائد، وعائد والانفجار المتعاقب في قلب الواقع. أي اللغة. اللغة. جاءت من ورائك كقبائل تبحث عنه أعمارها ولا تجدها. الضربة الخاطفة، في لن، أو اللمسة كشعاع يتلمسه الهواء وتراه.
هكذا في وعورة خصبة، لن وكان المفتتح ليديك، والمفتتح لزمن جديد كدنا نخسر علاماته، أو يُفقدنا علاماته. لن المعجزة الشعرية البوابة التي شرّعت على لا معقولها. على خرائطها الغامضة، على غيلانها، وكائناتها، ولغاتها، وشعوبها، (واللغة عندك شعوب تخرج من تواريخها)؛ ومن لن يا صديقي الذي كان لي أن أقرأه وأكاتبه وأحاوره وأهاجسه واتواراه وأفتشه وأشمشمه وأقلبه، وأساوره، حتى قضني وأضنيته من نشوة نادرة وكتبت ما في النشوة، لكن أقل ما في الصفحات. ومن هذه الدُّرف، المتوغلة في درف، والمتشابكة في شبابيك، وأزقة، وصنوبر، وألم وخوف وشوارع، وتسيّب، ورعب، وسرطان، وقدر... ولغة لا تمشي إلا لتجتاح، ولا تجتاح إلاّ لتؤنس يا أخي. الرأس المقطوع. يوحنا المعمدان. كل الرؤوس التي نسيت أجسادها. في الحقل. أو على المصطبة. أو في الشجرة. أو على أنهر. أو أمامك أو وراءك... وكان للرأس المقطوع أن ينشد، كما لم تٌنشد سماء التحمت بكواكبها بل كأن الاسترجاع هنا، وأكثر: استعباد العذاب، والموت، وانتهاكهما، على مساحات قصية من ماضي الأيام الآتية. الشموس تراجع ثباتها. الحقائق تستعيد جذورها. النسمات شهقاتها. الزمن دورانَه. الموت عانّته. الحياة اختراقاتها البهية، وعوالمها بلغة تهزم القدر، تنعم بما هو آت، تكسر ماضيها، لتحيي ما في أوردتها، وشروشها، ولحمها وكائناتها. هنا الإيقاع أرحب لكن أصعب. هنا المدّ منقطع والصورة ملتاعة من وقتها، كأن تقول الارض مستديرة للعاشقين. مستديرة؟ نعم؟ ولكن بأي نهش، بالاظافر، والاصابع والعينين، ليكسر دورانها الالفي في بهاء المُطِلّ، والراحل، والمجهول، والقادم، والغارب والسارب.. ثلاثية بأنفاس لهثى. بأجساد لا تتعب، بعشق لا يعرف سكانَه. كأنما الى الوردة. وما اعطبها. وكأنها الى الذهب. وما اشقاه. وماذا عساك فعلت بالوردة والذهب. أبعد من الوشائح، والتناقضات، انها حكاية الروح في وتائرها العابرة، الذابلة لكن الملكة بتيجان الفقدان. انها حكاية الروح في وتائرها اللاحقة. حيث للذهب ان يذوب ببريقه في العبق. وليكون للذهب عبق. عميق كأنه من رائحة الجنة، وكأن للوردة ان تتطاول على الوقت بما اكتنزها المعدن، حوار الوقت والموت يا انسي. حوار الارض والسماء. حوار العمر والذبول. حوار الوهم والوهم. حوار ما يرحل وما لا يرحل... حوار النهر الذي جاورناه وما جاورنا.. حوار الحب والآخرة والسماء الآتية برسولتها حتى الينابيع. بشعرها الذي من عمر الوف السنوات. انه الحب، او الخروج الدائم الى الينابيع ولا قهقرى، بلا مجد، بلا اشياء الرسولة.. ويا لشميم العشق الجسدي الذائب، المرئي والشفاف، العاصي والمستحيل، كلغة الانبياء، بحرياتها الموروثة ولغاتها المفتوحة. وأي شفافية يا انسي. وأي غنائية. وأي سلاسة. وأي تجلّ. وأي صوفية شهوانية تماثلت الى العناصر، بل واي لغة صَفَتْ، واي قصيدة ملمومة، محمومة بهدوئها بشغولها بفضائها اللامتناهي، لكن لا تخفي الغرابة، ولا الفجاءة، ولا تصادم الصور، ولا عناد الكلمات، ولا بطش اللحظة الخاطفة، ولا انسياق الايقاع المائي، ولا سيولة الشعر الذي سار درباً الى الينابيع...
هكذا كنت يا انسي، وعلى الرغم مما حاولوا سجنك فيه، من عناوين، وألقاب، وحالات، ظللت متمرداً على كل شيء، على المجتمع، والعادات، ولصوص المعبد، والطغاة... تماماً كالحرية. والتمرد اخو الفوضى. والفوضى شقيقة الجنون. والجنون ابن المغامرة المفتوحة.. تمردت على كل ما من شأنه ان يأسرك بحالة، او بجماعة، تمردت على نفسك. نفيت نفسك مرات، وعاكستها مرات، وكم كانت اللغة في هذا التمرد، ابنة المجهول، مولدة اقدارها الجديدة. كنت وحدك يا انسي. ورحلت وحدك. هكذا. وقطعت جلجلة الألم وحدك. وصارعت الوحش وحدك.. تماماً كما كنت دائماً وحدك في شعرك الآخر، في شعرك الفريد، المتلاطم بمجازفاته الدائمة.
وماذا اقول اخيراً يا انسي؟ كل الذين احببتهم سقطوا من القطار؟... إمّا رافقوك أم ذهبوا بعد ان ذهب القطار... ولن يعود.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.