8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل جوزف حرب شاعر الفكرة الجمالية

رحل الشاعر جوزف حرب عن 70 عاماً وكأنه من أواخر شعراء الجماليات والصفاء اللغوي والرمزية المفتوحة والبلاغية المشدودة والعبارة الأنيقة الملكة، الرخية، الموحية، في إرث شعري غزير بين الفصحى والعامية. من فصحاه شجرة الأكاسيا والخصر والمزمار

وشيخ الغيم وعكازه الريح وأخيراً قلم واحد لثلاث أصابع (1916). كتب جوزف حرب وبصوغ خاص، ما ساد أجواء شعراء أسسوا لحداثة ما يسمى القصيدة اللبنانية أمثال الجوهرجي أمين نخلة، والنحتي الرمزي سعيد عقل ومُنشد الغنائية النقية الإيقاعية صلاح لبكي.
ربما لم يأتلف وتجارب الياس أبو شبكة ولم ينخرط في لعبة ما بعد هذه الموجة الخمسينية كمجلة شعر. أو السوريالية، أو وما قبلهما الواقعية الاشتراكية ولا قصيدة النثر ولا حتى خليل حاوي أو بدر شاكر السياب.
بقي وفياً لإرثٍ يميز التجربة اللبنانية (المتأثرة بالشعر الفرنسي خصوصاً: من بودلير إلى رامبو، فإلى اليري). علماً انه يلتقي لعبة اللغة داخل اللغة كما رآها اليري وبعده سعيد عقل وإن من باب الشكلانية، او صوغ الصورة الايحائية والايقاعات الايحائية التي ميّزَت الشعر الرمزي الذي تأثرها سعيد عقل تخصيصاً.
لكنه ومن ضمن هذه المناخات عرف جوزف كيف يحفّر بصماته الخاصة على نَحِيتات عقل أو أناقة نخله من خلال تراكم تجاربه الخصبة، المديدة. ولكن لا يمكن اغفال أعمال حرب باللغة العامية التي هي استمرار لجوهر الكتابة بالفصحى، لكن هنا أيضاً غاص على تجارب اساسية لميشال طراد الذي أثر عميقاً بسعيد عقل والرحابنة. ونظن أن جمالية العامية عنده لا تقل عن مثيلتها في الفصحى، وقد غنت فيروز من كلماته أغاني رائعة منها لبيروت وحبيتك تانسيت النوم وأسامينا واسوارة العروس وخليك بالبيت... وكلمات هذه الأغاني من اجمل وأرق ما غنت فيروز. ولم يكتف حرب بصوغ هذه الأغاني بالعامية بل أصدر كتب عدة منها سنونوة تحت شميعة بنفسج وطالع عَ بالي وزرتك قصب فليت ناي و(كل كتله تقريباً صدرت عن دار رياض نجيب الريس).
غادرنا جوزف حرب مكتملاً في تجربته الخصبة لكن متوغلاً في استدرار مكنونات اللغة واحتمالاتها وأغوارها وجمالياتها في قصائد كأنها قصيدة ملحمية غنائية واحدة لكن بنوافذ وأبواب عديدة.
رحل جوزف حرب مخلفاً لنا ما يذكر بلبنان اللغة، بلبنان الجماليات، وبلبنان الأحلام التي لا تكتب إلاّ بالشعر.
يذكر ان جوزف حرب من مواليد 1944 في بلدة المعمرية في الجنوب اللبناني. تولى رئاسة اتحاد الكتاب اللبنانيين عام 1998 إلى 2004 ونال العديد من الجوائز التكريمية منها جائزة الإبداع العربي من مؤسسة الفكر العربي والجائزة الأولى للأدب اللبناني من مجلس العمل اللبناني في الامارات العربية؛ كما قلّده الرئيس السوري بشار الأسد وساماً رفيعاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00