لم يعرف الشعر العربي ظاهرة تُماثِل أحمد فؤاد نجم (ورفيقه الشيخ إمام). بل ربما هو أكثر من ظاهرة. أو إنسان لم يهدأ في حراكه. وفي احتجاجه. ولا في انتسابه الى الفقراء والمظلومين ومواجهته الطغاة والاستبداديين، وانخراطه في مختلف القضايا العربية من فلسطين الى الحريات الى القمع الى الهزائم والمقاومة. كأنه عَلَمٌ مقاوم لم تُنزل ساريته. وكأنه، في فترة طويلة في عهدي عبدالناصر والسادات، عاش في السجون، أكثر مما عاش في منزله، سواء فوق السطوح أو تحت الأرض، لكن دائماً في الأحياء الشعبية. مرات عدة أودع الزنازين (والشيخ إمام) أيام عبدالناصر، وأخرى أكثر وأشد في عهد السادات. نزيل السجون أو فلنقل نزيل الحرية الدائم. عرفتهُ طويلاً. وعلى خفة دمه المعروفة، كان وجهه ينزف بصمت الداخل، أو بصوت الثورة، أو بدموع المظلومين، أو بقهر الطغاة. شعرُه من يديه. ومن عينيه. ومن قلبه. ومن صراخه. ومن آلامه. وكثرة الشوارع. وعتمة الأقبية، وعوز الفقر، وغضب الهزائم، وانتفاض الناس بالمظاهرات، والاحتجاجات.
فكأنما لم تكن مسافة بين أصابعه وبيته وبين الشارع والناس والعالم العربي كله. أحياناً هو المأساة بعينها. وأخرى هو الفاجعة. وأخرى هو الصوت المضيء الحالم من جرأة الضعفاء، ومن بسالة المقهورين، ومن رعب الزنازين؛ واحد مأهول بكل الناس. حتى باتت الناس من مصر الى أقاصي العرب مأهولة بشعره. صحيح أن في مصر شعراء كباراً لكن الصحيح أيضاً أن شعره لم يطلع من الكتب. ولا من النظريات. ولا من الفسلفات التجريدية. ولا من المحاضرات. شعره منه. فهو شاعر الحياة بكل تلاوينها، لا شاعر الجماليات المُعلّبة، أو الأناقة الصافية، أو الانتقائية المغلقة. الانفتاح يعني عنده التمازج بالناس. بالقضايا المحسوسة، حتى كأن تجاربه السياسية والانتمائية (واليسارية)، والعروبية باتت من غرائزه المتدفقة، بل من حواسه المتفجرة. فهو أكثر من شاعر مصنف ومكرس ومُسَتكرس بتوع صالونات وسلطة ومكاسب... وغرف وثيرة... إنه شاعر تصنيفه الوحيد أن شعريته مشوبة بعرقه، وجروحه، وآلام الآخرين، وجمر المقاومة، والمواجهة. ولم يكن (مع الشيخ إمام) مقتصراً على ما يحسه أو يكابده في الشعب العربي، بل وسّع دائرته الى المقامات العالمية، منها الإمبريالية، والهيمنة الأميركية، والاحتلال الصهيوني، ورثى غيفارا بقصيدة مغناة مشهورة غيفارا مات والتزم القضية الفلسطينية؟ والمقاومة الوطنية اللبنانية وصولاً الى المقاومة الإسلامية مع حزب الله. وقد استبد به الحماس والتأييد لمقاومة حزب الله الى إعلان انتسابه إليها. لكن أحمد فؤاد نجم، إذا كان مع كل مقاومة يقوم بها شعب ضد طغاته، أو من أجل التحرير، فها هو يساند الثورة المصرية الأولى ونزل الى الميادين، وألقى شعراً هناك. كما شارك في الثورة الثانية... وتنبأ بثورة ثالثة، لكن الموت فاجأه قبل حصولها، وإذا كان أيد الثورة المصرية، فكان من الطبيعي أن يتحمس للثورة السورية ضد النظام البعثي. وهنا بالذات ظهر إحباطه المدوي من دعم حزب الله للنظام، فوجه رسالته المشهورة الى السيد حسن نصرالله يقول فيها:
معقول يا سيد حسن نصرالله
معقول تعمل اللي بيعملوا البعث في سوريا
معقول تعمل اللي ما بتعملوا إسرائيل مع الشعب الفلسطيني من سَحْل وقتل
أنا قلت يا سيد حسن للرئيس الأسد: الجولان أقرب من حماة
أنت يا سيد حسن كنت فارس الأمة العربية لغاية 2006
وكنت شايلك صليب على صدري
معقول يا سيد حسن نصرالله، معقول اللي بتعملوا في سوريا؟
معقول السحل دي بالشعب السوري
حدا بيوقف حد بشار؟
حد بأيّد ده!
ها هو شاعر الموقف الواضح من الطغاة وظلالهم، ومن الثورات العربية.
رحل الشاعر الكبير، شاعر الثورات العربية، أحمد فؤاد نجم، وقد كان له أن يُكحّل عينيه بتساقط الديكتاتوريين كالخِرَق، والكرتون، من تونس، الى مصر، الى اليمن، فإلى سوريا...
رحل والكثير الكثير من نبرات الرفض والتمرد ومن هبّات الحرية، ومن عبق الشوارع، والفقراء، ومن رائحة الزنازين... رحل والكثير الكثير من انتفاضة الشعب العربي، في عينيه، وفي يديه، وفي أرماقه، وفي آخر ما أفرح قلبه.
رحل أحمد فؤاد نجم وبقي سره فينا! رحل وبقي صوته في قلب الناس.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.