8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل الكاتب والناقد الكبير محمد دكروب

رحل محمد دكروب، الصديق والمناضل، والتقدمي، والتنويري. بصمت. لكن بدويّ الكبار. هذا الشخص الودود، عرف بعصامية نادرة، كيف ينتقل من مهنة السمكري الى أبرز الكتاب والنقاد اللبنانيين والعرب.
وقد أعانته مهنة العامل هذه (أيام يا عمال العالم اتحدوا (لينين))، الى شحذ شعوره بمعاناة هؤلاء، والفقراء، والطبقات المسحوقة، وصولا ًالى كتابة الالتزام. الالتزام الحزبي لكن المفتوح على مجمل الحساسيات والخيارات الأخرى. لم يختر البندقية للمقاومة، والنضال، ولا الحروب، بل اختار القلم. وهذا الأخير لم يكن يرفع ضد الآخر المختلف، بل دائماً على قرب وحميمية من الإبداع. من الظواهر الإبداعية، سواء في الشعر أو المسرح، أو الرواية أو النقد أو الفكر. كان شيوعياً ملتزماً على امتداد حياته (مثل الشاعر الفرنسي أراغون)، لكنه كان كذلك متوغلاً في التعددية، بصورها وتعابيرها الشتى. لم تُصبْه شمولية أو توتاليتارية (ستالينية)، أو حتى واقعية اشتراكية كما حدث مع المفكر الشهيد حسين مروة، بل شرع حياته على كل التيارات، وعلى النوعية النصية، وليس فقط على الوظيفة المباشرة على غرار ما قال مايكوكوفسكي وسواه الفن في خدمة الثورة كوسيلة محددة، محكومة بشروط الإيديولوجيا والسلطة وظروفهما، ومشاريعهما. قد يكون محمد دكروب آخر الشيوعيين (طبقياً، وثقافياً) لكنه من أوائلهم الذين حاولوا الخروج الى أفق أبعد من الالتزام المباشر، ومن التقوقع عن مجمل الاختلافات الكتابية والفكرية. وهذا ما عبّر عنه جلياً عندما أدار مجلة الطريق التي حررها من دورها الحزبي الى دور أرحب، ومن أحاديتها الى تعددية الإبداعات؛ تولى إدارة الطريق عقوداً، على الرغم من تعثراتها القسرية، والغريب أنه وفي الفترة الأخيرة، حاول تجديد هذه المجلة، وإدخالها في الزمن الجديد، أو في المرحلة التي نعيشها بعد سقوط جدار برلين والاتحاد السوفياتي وصولاً الى ستالين الجديد بوتين، وأتاح لأقلام لبنانية وعربية بالمشاركة في ملفاتها وصفحاتها، خصوصاً في بعض استعادات حية لمرحلة الخمسينات والستينات والحروب والأزمات والقضايا الجارية. فعل ذلك على الرغم من الإمكانات المادية المتواضعة، معتمداً، في توفير استمراريتها وتطورها على صداقات تطول الى كل القطاعات، وقد نجح في ذلك، علماً بأن الحزب (أو ما تبقى منه) باع مجلة الأخبار لتصير جريدة يومية. باع هؤلاء رمزاً من رموز نضال الحزب منذ تأسيسه، وكأنها عقار موروث، أو شقة مفروشة. محمد دكروب، ومن خلال إصراره على دور ثقافي في هذا الزمن الصعب، والمتصحر، نجح، أولاً في إدامة المجلة وتطويرها، وثانياً في الحؤول دون طرحها على المزاد العلني، لكنه، وهو في الخامسة والثمانين، وهو النضر الحي، الدقيق، الحالم، جعل هذه المجلة صورة أخرى مختلفة عن واقع الحزب التقليدية. صورته الالتزامية الإنسانية، والعربية، واللبنانية، غير الضيقة.
لكن الغريب والمحزن والمؤسف أنه رحل وبقيت المجلة مستمرة، وبقيت كتبه ودراساته النقدية والمسرحية والتنويرية أمامنا، وأمامه...
فوداعاً يا صديقي. صديق الأزمنة الناقصة، والحروب، والأمراض المذهبية، وقد نجوت منها، وعلّمتنا كيف ننجو، من أجل ولاء أوسع من كل أيديولوجيا. ولاء الإنسان لأرضه، ووطنه، بل ولاء الإنسان للإنسان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00