8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تظاهرة المسرح الأردني في دورتها السابعة عشرة

خطا مهرجان المسرح الأردني في دورته السابعة عشرة خطوة متقدمة أخرى. فبعدما بدأ محلياً، ثم تطور الى عربي، ها هو يعبّر عن طموحه في أن يكون مسرحاً دولياً، قريناً للمهرجانات العربية الكبيرة كمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ومهرجان قرطاج في تونس ومهرجان دمشق.
هذه الإضافة النوعية تبدأ هذه الدورة بمساهمات أجنبية من النمسا وقبرص وبلغاريا وفنلندا وسويسرا وإيطاليا وكندا، يدشن بها المهرجان مداه الأبعد، عسى أن تتطور في الدورات المقبلة، ليس عدداً فقط، وإنما إدخال بعض المتطلبات لا سيما المترجمين المباشرين سواء في الندوات التطبيقية للعروض أو في الندوة الفكرية، ليتاح للمشاركين من غير العرب أن يساهموا مساهمة أكبر وأشمل وأفعل في هاتين الندوتين، كما هي الحال في مهرجان التجريبي في القاهرة. ونظن أن العروض الأجنبية التي قدمت، وإن كان بعضها بتوقيعات عربية من مسرحيين يعيشون في بلاد المنفى، إلا أنها لا تقلل من قيمة هذا التقدم.
وإذا كان المهرجان خلا من المسابقة والجوائز ولجنة التحكيم، أسوة بمهرجان دمشق، فهذا ينسجم أكثر وطبيعة المسرح الذي يقوم أولاً على الاختلاف، وثانياً على التجريب الذي يغنيه عن لغة الاستهلاك والتجارة التي تتسم بالأعمال السينمائية، وثالثاً، لأن الجوائز نفسها هي بطاقات يمنحها الجمهور في علاقته المباشرة الإنسانية الحية بالعمل المسرحي.
أما هيكلية المهرجان فإنها تقارب مهرجانات عربية وعالمية: من عروض وتكريم وندوات تطبيقية وفكرية وضيوف.
وقد كرّم المهرجان فنانين راحلين مميزين هما الأردني هاني صنوبر والمصري عبدالرحمن عرنوس، وكذلك الفنانة المصرية الكبيرة سميحة أيوب صاحبة 170 عملاً قدمته في مسيرتها الخصبة، وسلوم حداد وسوزان نجم الدين (سوريا) ومحمد الضنحاني (الإمارات، الفجيرة) وسهيل الياس (الأردن). ومن ضيوف المهرجان محمد سيف الأفخم (الإمارات)، المنصف السويسي (تونس)، رفيق علي أحمد ورندا أسمر (لبنان)، سامح حجاري (فلسطين)، عماد جلول (سوريا)، عز الدين العباسي (تونس) وهدى الخطيب (الإمارات).
أما المشاركون في الندوة الفكرية التي عقدت تحت عنوان الكوميديا بين الفلسفة والتهريج، فهم بول شاوول (لبنان)، د. أحمد سخسوس (مصر)، عبدالكريم برشيد (المغرب)، د. أحمد عبدالحليم (مصر)، د. نرمين الحوطي (الكويت)، فائق عرقسوسي (سوريا)، كاظم النصار (العراق) وعمرو قابيل (مصر)
جاء الافتتاح من تزويقات أو إبهار، في حشد ملأ قاعة المركز الثقافي الملكي في عمان. تحدث وزير الثقافة نبيه شقم عن رسالة المهرجان مقارناً بينه وبين سوق عكاظ وقال هذا المهرجان كرسته وزارة الثقافة ليكون عكاظاً تلتقي فيه التجارب، ويأتلف فيه أصحابها. وتنتقل فيه الخبرات، ويرى فيه الإنسان العربي الى نفسه في أتون الأعمال التي لا تراهن إلاّ على القادم، ولا تتكئ إلاّ على صفائها ونقائها ووعيها، لترسم لنا الأمل بالبوح الجميل، والنقد الأصيل، لنردد مع المسرحي العربي الكبير الراحل سعد الله ونوس إننا محكومون بالأمل.
أما مدير المهرجان المخرج حكيم حرب فوجّه دعوة الى الفنانين للتمسك بالمسرح بوصفه فناً يرتقي بالإنسان ويطرح همومه وقضاياه بعمق وشفافية متابعاً رغم التطور الهائل في وسائل الاتصال والفضائيات والتكنولوجيا والإنترنت، ورغم انحسار دور المسرح في التواصل مع الجمهور، فقد بقي المسرحي قابضاً على جمر فنه وإبداعه ومطارداً حلمه المستحيل لكي لا ينقرض الجمال عن هذا الكوكب الذي نعيش فيه والذي يعتريه الكثير من حالات العبث والفوضى.
ولفت نقيب الفنانين حسين الخطيب الى التعاون المثمر والبناء بين وزارة الثقافة ونقابة الفنانين، مشدداً على دور المسرح في التقريب بين الشعوب وخلق ثقافة جامعة.
أما الممثل اللبناني رفيق علي أحمد، فقد ألقى كلمة الوفود العربية المشاركة، وأثارت كلمته الشجاعة بأسلوبه الشيّق، عاصفة من التصفيق لا سيما عندما وصف المسرحيين الذين هجروا المسرح الى التلفزيون بـالخونة، مركّزاً على أن المسرح ما زال بخير، آسفاً لغياب الدعم الرسمي الموجه للمسرح العربي قائلاً نجد أن كل الدعم ورؤوس الأموال تذهب نحو الفضائيات وإنتاج أغاني اليديو كليب وبرامج الطبخ والأبراج وغيرها، في حين تغييب للمسرح، مما يستوجب طرح علامات استفهام وتعجّب.
وكان سبق إلقاء الكلمات عروض موسيقية قدمتها فرقة موسيقيات الأمن العام وتضمّنت معزوفات لأغانٍ وطنية وتراثية، كما قدمت فرقة وزارة الثقافة لوحات موسيقية وفولكلورية من الموروث الفني الأردني.
أما مسرحية مواطن اسمه هو فقد عرضت بعد الافتتاح.
وسنحاول مقاربة عروض قدمت في المهرجان.
العروض
- مواطن اسمه هو (تأليف حسين نشوان وإخراج محمد الضمور، الأردن). هذا العمل أثار حماس الناس، وحرّك شجونهم، وأمتعهم، ونطق بأسئلة جريئة، ووجه رسائل تصوّر واقع الإنسان العربي المقموع، والمصدوم، والمصادر، والمذّلّ، والذي يعاني بؤسه منذ الولادة وخلال وجوده. وقد عبّر العمل عن هذه المعاناة بخلطة هي مزيج من الشانسونييه المغناة، والوصلات، والحوارات المتأرجحة بين الإلقاء والخطابة والأداء، وبين اللوحات الغنائية، بأسلوب الحكواتي الذي تراجع استخدامه كأداة من أدوات المسرح، لكنه جاء هنا مناسباً الى حد كبير من دون أن يخرج عن سماته التقليدية. إذاً، هي مسرحية أقرب الى الشانسونييه الانتقادية المباشرة، التي تجمع السخرية الى القول الناقد، والمعترض، والمحتج، والمشير الى بعض الجروح العربية المفتوحة، مستعينة بالأمثال السائدة المعبّر عما آلت الأحوال: حط راسك بين الروس وقول يا قطّاع الروس وإمشِ الحيط الحيط وبوس الكلب من تمو حتى توخذ حاجتك منو، وتفرّج يا سلام ع الديموقراطية يا سلام، وكان الختام لقصيدة محمود درويش أيها المارون بين الكلمات أنشدتها المجموعة في المشهد الأخير.
المؤدون: حنين العوالي، لينا الكيلاني، حسام عابرد وبيدر أبو نصار (عازف غيتار)، غسان أبو حلتم (كلارينيت)، والطفلة بتول الضمور. الإضاءة لأحمد المحروق، والسينوغرافيا لخليل أبو حلتم.
خيوط العشقة
- خيوط العشقة (اقتباس عن المنزل ذو الشرفات السبع لأليخاندرو كاسونا، إخراج معز حمزة، تونس). إنها من الأعمال المميزة التي قدمت في المهرجان، من حيث السينوغرافيا، والنص، والأداء والحركة، والدلالة. كأنها مسرحية الحقائب: شخصيات تفتح حقائب السفر، تنبشها، ثم، ومن خلال ذلك، تستعيد ما تستعيد من أزماتها، وصراعاتها، العائلية والاجتماعية والتناقضات داخل الأسرة الواحدة، والتي يدفعها الى حافاتها الخطرة شخصية أب متسلّط، ومهمل، وغير آبه. وفي هذه الدراما تبدو شخصية الإبن الذي خلخلت قواه العقلية وفاة والدته. وبين وفاة الوالدة، وجنون الإبن، وتهتّك الأب، تفتح الصراعات بين الشخوص الأخرى، التي تحمل أحلاماً مختلفة، سواء بالهجرة، أم بتحقيق الآمال. مع هذا، وكأن هذه الصراعات العائلية العنيفة بدت مستعصية الحل بعد محاولات عديدة لاستيعابها، بسبب شراسة الأب، الذي تؤول إليه الأمور في النهاية لكن على أنقاض العائلة.
من الصعب تحديد التفاصيل. لكن من المهم الإشارة الى أن اللغة المسرحية جاءت متقشفة، حية، موحية، عبر سينوغرافيا أخذت من السينما اللقطة السريعة، والحركة الدالة، والإضاءة كعنصر جمالي ودرامي وداخلي. وقد عرف المخرج كيف يستفيد من الفضاء المسرحي المتّسع ليظهر غربة الشخصيات عن بعضها، وتنافرها، وتباعدها، وكرّها وفرّها. وعرف كيف يحرك الممثلين تحريكاً مشغولاً على أجسادهم، وأصواتهم، في حوارات سريعة قلّما عرفت إسهاباً أو تطويلاً. ويمكن القول إن المخرج وظّف مختلف العناصر السينمائية والفضاء المسرحي، والملابس، والألوان، والماكياج في تشكيل مشهدية جمالية ترسم العوالم الداخلية.
وإذا كان من ملاحظة فيمكن الإشارة الى أن العنصر الموسيقي لم يساعد دائماً على تكثيف الحالة الدرامية، بحيث بدا أحياناً وكأنه مقحم إقحاماً. كما أن ربع الساعة الأخير من العمل لم يبدُ مضبوطاً: أفلتت لحظات من يد المخرج، عبر حركات الممثلين، وتوزعهم، والتي وقعت في اللاإيقاع... أو في الفجوات البنائية للعمل.
كفرنا عوم
- كفرنا عوم (مونودراما عن نص للشاعر ياسين عدنان عنوانه رصيف القيامة، إخراج وأداء لطيفة أحرار، المغرب). مونودراما جريئة في طرحها، وحية، ودرامية، وقاسية، استندت الى نص من قصيدة النثر، وكان يمكن أن تستند الى مقالات سياسية أو دينية، أو أدبية. فالجسد هنا استنهض نفسه كأنما على مساحات الخشبة وجد فضاءه التطهيري، وتمزقاته، واعتمالات النفس، والفكر، وهواجس الحرية، وتماثلات المجتمع. الجسد صرخة هنا، صرخة صامتة أحياناً، ومدوية أحياناً أخرى، تمرداً على الظواهر القسرية، والضدية، وأشكال القهر الاجتماعي والسياسي، خصوصاً للمرأة. إنه جسد المرأة المحاصر بالممنوعات، والسواتر، والمقدسات، والموانع. الجسد المقموع بحضوره الدوني الخاضع لنصوص الغية، لم يبق لها سوى السطو على حرية الحياة، والآفاق المفتوحة.
وقد استخدمت لطيفة أحرار وسائل فقيرة بعيدة عن التزويق، والمجانية السينوغرافية: إنها أدوات التفاصيل اليومية، والكتب، والملاءة، والهاتف، ومربعات، ووسادة... هذه المفردات التي وظفتها، جمالياً، ومسرحياً، لشحن الإيقاع، وتكثيف الدلالات. وقد تمكنت من جذب الجمهور بإيقاع تحركها، ونبضها، وصمتها، وتمكنها الجسدي، على امتداد نحو ساعة، لكن، مع هذا بدت لطيفة أحرار وكأنها صاغت هذا العمل لجمهور آخر. جمهور فرنسي، أو أوروبي، يعيش اليوم فوبيا النقاب والإسلام... سعياً لإرضائه، وأخذ بركته. ولهذا وقعت، في خطابها المباشر في نوع من الإكزوتيك، أو التغريب. كما أنها، الى براعتها في السيطرة على جسمها، وتطويعه في أداء متعدد، إلا أنه بدا أن ضعفاً أصاب البرفورمانس، فعانت فجوات، إيقاعية، وكأننا أمام تمارين مدرسية غير ناضجة في حراكها الجسمي، من دون أن نفعل تكراراً غير مبرر أو تطويلاً نسبياً تعليمياً، خصوصاً مشهد النقاب الذي بدا وكأنه محور العمل، وتأتي صرخة الحياة كحل للمرأة المصفدة بالقيود التاريخية، وكأنها التفاتة ساذجة، تختزل مسائل أكثر تعقيداً وعمقاً.
مونولوغات غزة
قدم مسرح عشتار لإنتاج وتدريب المسرح في رام الله، مونولوغات غزة من ضمن مشروع مسرحي دولي لإسماع العالم أصوات أطفال غزة. وقد اشتغل مدربو مسرح عشتار بإشراف لينا التل، على 33 شاباً وشابة، تراوح أعمارهم بين 14 عاماً و18 على امتداد أربعة أشهر، وعلى تدريبهم على أدوات الكتابة والتقنيات لتحفيزهم على صوغ كتابة مونولوغاتهم الخاصة، لتفجير طاقاتهم، والتعبير عن معاناتهم ومآسيهم اليومية، في غزة، لا سيما أيام الغزو الصهيوني. وقد استنطقت فضاءات (نشرة المهرجان) عدداً من الأطفال المشاركين ليتكلموا عن تجاربهم: نادين حسن (14 عاماً) وصفت شعورها بأنه يفيض بالألم بفعل وحشية الاحتلال، وقالت ريتا عكروش إنها تعرّفت على طبيعة حياة الأطفال في غزة عبر المونولوغات. أما راغدة السنجلاوي (16 عاماً) فتنظر الى مشاركتها في المسرحية باعتبارها تجربة فريدة من نوعها، وأكد فادي عريضة (15 عاماً) أنه بدأ بمعرفة الدراما بشكل أفضل.
هذه التجربة بمثابة ورشة جدية تجعل هؤلاء الأطفال ينخرطون أكثر في التعبير عن هواجسهم ومخاوفهم... وآمالهم ورعبهم أمام الآلة الجهنمية الإسرائيلية.
(يتبع حلقة ثانية)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00