تناولنا في الحلقات السابقة عدداً من عروض المهرجان. هنا عروض أخرى.
"نساء سعدالله ونوس
(اقتباس من اربع مسرحيات لونوس، اخراج نادين جمعة، لبنان) اللون الأبيض طاغٍ على أشياء الخشبة. الستار المنزّل بهدوء على اليمين حتى منتصف المسرح، الملابس ملابس النساء بالأبيض تقريباً. ثم ماكنة خياطة.
سرير، مرآة. هذه الأشياء موزعة توزيعاً متباعداً. ومشكّلة بجمالية مقتصدة. اذاً مناخ مريح بصرياً لكنه كأنما يخفي ما يخفيه من حالات تتخلل هذا الفراغ الساكن. وفي لحظات اربع، لحظات مسرحية متتالية، يجمعها هذا المناخ، ليوحي بتواصلها، تتحرك "قصص" نساء من اربع مسرحيات لونوس، تعبّر أول ما تعبر، عن حالة المرأة، ازاء تمادي هيمنة الذكورية، ولا انسانيتها وجنونها. حالات اربع متشابهة ومختلفة في آن واحد، استخدمت نادين جمعة عناصر بصرية (جمالية) يحرسها الضوء وينفذ إلى رهافتها الدرامية، ويشكل، مع الادوات الأخرى، مساحة شعرية ملتبسة.
هذه الجمالية "السرية" غذتها المخرجة، بتعابير حركية من رقص وايماء، وتفجر جسدي وتوزيعات مرئية دينامية ومتحركة. اي ان الرقص (والحركة) لم يأتِ كعنصر خارجي، تزويقي، شكلاني، مبن، كما تعودنا ان نشاهد في الكثير من الأعمال المسرحية في العقد الأخير. الرقص هنا، يوزع معماريات جسدية متحولة ومتشكلة، ليخدم البؤرة الاساسية للنص. أي أنه الوجه الآخر للصمت، والمساحة الأخرى للكلام. فلنقل أنه المجاز الدرامي للكلام. المجاز المعبر عما بعد المعنى المحدد إلى الايحاء المفتوح. فالجسد مجاز مفتوح على قراءات ومشاعر وأفكار. وهو يروي كل هذا بلغته "المادية" الملوانة واللينة، والمطواعة.
وقد تمكنت سارة ابو شعبان وهبة مجاهدي وآنجو ريحان وجيزيل خوري وميريلا خوري ودارين شمس الدين من تكوين كوكبة منسجمة، متكاملة، متمكنة، وذوات براعة، ومهارة، وتأهيل، من تجسيد هذه النصوص بايقاعية الحواس. ونظن ان هذا التمكن هو الذي جعلهن يتحركن بتعابيرهن الجسدية، ليلتقطن عمق الفكرة اوعمق الدراما. لذا فالبؤرة الدرامية، (أو فلنقل إن المادة الانسانية، الاجتماعية) وجدت معاولها البصري في الجسد، كما وجدته أيضاً في الحوار.
ونظن ان العناصر الثلاثة الاساسية للمسرح: النص، المخرج، الممثل، حضرت بقوة وبتكامل، بحيث لم يطغ عنصر على آخر. أو افترس احد العناصر. وقد اكتشفنا في الممثلات (وفي الممثل) قدرة على تأدية الحوارات الكلامية والحكواتية لافتة، لا سيما وان الحوار جاء بالفصحى. عموماً كان النطق سليماً. وكذلك مخارج الحروف. وكذلك التنويع لـ فريق "نساء سعدالله ونوس" كان لافتاً، وقد عرف كيف يسيطر على الايقاع من أول العرض الى آخره. بجرأة، وقدرة وشفافية وهذا بالذات ما سحر الجمهور السوري الذي احتشد في عرضين، وصفق طويلاً لنادين جمعة والكوكبة المسرحية.
غوايات البهاء
ـ "غوايات البهاء" (تأليف موفق مسعود، اخراج زيناتي قدسية، سوريا).
زيناتي قدسية من ابرز الممثلين المسرحيين المخضرمين، واكثرهم اشتغالاً في القضايا السياسية والانسانية، كان له دائماً حيزه الخاص. ونكهته الخاصة لا سيما في المونودرامات العديدة التي أداها حول القضية الفلسطينية وحول الواقع العربي، ومسألة الحريات والديموقراطية.
وعلى امتداد ثلاثة عقود عرف كيف يفرض حضوره، بحس حديث لكن من دون مبالغة او افتعال في مسألة التجريب، وبحس متجدد من دون الانخراط في بهلوانيات أو شكلانيات.
كان المسرح، ومعه، نوعاً من الانتماء المزدوج الى المسرح، والى الالتزام. وهو من ورثة جيل أو أجيال الالتزام، يزاوج بينه وبين هاجس الاتقان الجمالي ـ الدرامي.
في "غوايات البهاء" محاولة لتفتيح صورة الدكتاتور المعاصر بجوانبها النفسية والسياسية والمرضية والتسلطية والجنونية والاستئثارية والالغائية. صورة دكتاتور من زمننا. من زمننا المريض أهل الدكتاتورية المتمددين بمعادنهم واوبئتهم على شعوبهم، المحنط بافكارهم المحنطة، المكفن بافكارهم المحنطة، المكفن باكفانهم الطالعة من ميتاتهم الكثيرة.
وقد غطى زيناتي المسرح كله بما يشبه الكفن. ببياض ملول وغامض. وتجاوز الى القاعة وحيطانها وكراسيها. عالم من الأكفان يعيشها الدكتاتور (اذا صح تأويل المجاز) وينشرها في كل مكان، على فراغ قاس، يدل على عزلة الدكتاتور، بقدر ما يدل على "سطوته" والغائه كل ما لا ينتمي إلى عالمه. انه المهرج الابدي، والقاتل والمصاب بعقد اوديبية ونفسية وجنسية وعقلية اي كل المواصفات التقليدية التي عرفناها او كوناها عن الدكتاتور.
كأن مدحت مسعود (كاتب النص) استعاد كل تفاصيل النماذج التي التصقت بصورة الاستبدادي، وصاغها في صورة "مثالية" عمومية. وقد اوقعه، بشكل أو آخر، في الكليشيات السائدة "لمكونات" الدكتاتور: "البيولوجية" والنفسية... والفكرية والجسدية. اي أن كل العناصر التي صيغت به هذه الصورة توحي وكأننا عرفناها سابقاً في السينما أو في الروايات أو في المسرح.
هذا "الدكتاتور" "البهي" غاوي "البهاءات" من السلطة الى التسلط، إلى القتل، وضع على لسانه أن يعبر عن "نفسه" على امتداد قرابة الساعة: تداعيات، تفجرات، هلوسات، هذيانات.. في نص لا يخضع "لغواية" درامية تمنحه ارتباطاً بلغة ممسوكة. فلنقل انه نص اقرب الى الشعر المفتوح أو الى التداعيات السوريالية هنا، والواقعية هناك، والسياسية والذاتية (والفرويدية) مصوغة صوغاً مشرعاً على غوايات اللغة نفسها ولو على هامش الشغل على مسار درامي، وهذا ما كاد يؤدي الى شعرية مختلفة (جميلة) لكن مجانية. وهنا بالذات أراد زيناتي ان يربط بين مساحات الكلام المعممة وبين مساحات الأداء المتعددة الكثيرة التي جسدها، بتمكن لافت، وبسيطرة على ادواته. وكأنه اراد ان يعبئ عدة مساحات: الخشبة المفتوحة، والنص المفتوح والشخصية المفتوحة. وقد نجح الى حد كبير، لكنه، وقع أحياناً في شيء من النمطية الذاتية، وربما في الافتعال، واحياناً في التكرار، لكن لم يقع لا في الابتذال ولا في الجفاف.
عمل آخر لزيناتي قدسية يؤكد حضوره وننتظر عملاً آخر يؤكد شيئاً من خروجه الى فضاء آخر.
قصص تحت الاحتلال
ـ "قصص تحت الاحتلال" (تأليف جماعي، اخراج نزار الزغبي، مسرح القصبة، فلسطين) كأنها اجندة يومية، أو ذاكرة أو مدونات عن قصص الاحتلال، أو قصص تحت الاحتلال أو ربما فوقه. اجندة حية كتبت أو صيغت أو قيلت بأصوات كثيرة، ومن جوانب حية، مباشرة، واقعية، في الاراضي المحتلة. جريدة يومية، تستقي الاخبار من هذه المعاناة الدائمة لأهل فلسطين في وطنهم تحت الاحتلال الصهيوني.
هذا ما اراد منفذو هذا العرض ان يقولوه على امتداد حضورهم على الخشبة: من ديكور متقشف الاً من أكوام اوراق الصحف المتراكمة التي يخرج منها الممثلون، ويستخدمونها في العديد من العناصر والوسائل والحلول الى حوارات سريعة مقطوفة، ملمومة حيث تقترب من التعليق الصحافي هنا، ومن النكتة هناك، ومن الموقف هنالك، ومن المواقع المقاومة في كل مكان. يذكرنا هذا المسرح بشيء من مسرح الساعة العاشرة في بيروت قبل الحرب، وبشيء من المسرح "الشعبي" وبكثير من المسرح الذي يستخدم الكوميديا، والبسمة (المرة) للاشارة إلى المعاناة والجرح والمنافي، والموت اليومي وقمع البرابرة الصهاينة وعملية التدمير الشاملة التي ينفذها بنو اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. لكن هذه الصورة القاتمة المفروضة على ناس فلسطين يحاول العرض ان يقدمها من باب المفارقة، ومن باب الخفة، والاسكتش، والطرفة كأنها كوميديا المفارقات هنا، وكوميديا الموت هناك... او كوميديا القمع... هذا الثقل اليومي على الفلسطينيين عالجته اسكتشات العرض بلقطات مخففة لكن عميقة الجرح.
وما يلفت في هذا العمل، اولاً رشاقة الحوار وقوته معاً، ثانياً الانسجام الجماعي في الفرقة المؤدية، ثالثاً الوصول الى أوسع شرائح في الجمهور، وان بصيغة اقرب الى التقرير ومسرح القوالين والمباشرة منها إلى صوغ درامية متكاملة تحفظ المادة المسرحية اداءً وشكلاً وجذوراً.
"سيدي الجنرال"
(إعداد محمود الجعفري، اخراج ايمن زيدان، سوريا). انها مقاربة ما للمسرحية المشهورة "العائلة حواط" لأسطفان اورخان (اخرجها كل من جواد الاسدي وجوزف بو نصار في الثمانينات). المسرحية القاسية، العنيفة التي تصوّر كيف انتقمت عائلة من "محتلها" البربري (الالماني) الذي دمر حياتها، واستعبدها ومارس عليها ارهابه وقمعه تحت ستار حماية ابنها على جبهة القتال. انه الجنرال . جنرال القتل والسادية والعدوانية في المسرحية الأصلية، والتي جاءت نهايته على يد العائلة بعد ان انكشف امره، وبعدما قررت هذه العائلة إن الحل لا يأتي لا عن طريق الخنوع ولا الاستسلام ولا الذل.
الجنرال الالماني في المسرحية الاصلية يصير جنرالاً اميركياً. والعائلة تصير عائلة فيتنامية. والمأساة تحول كوميديا. والدلالات تنقل الى الراهن أميركا، العرب، اسرائيل، العراق... فلسطين.
ولم يشأ ان يقدم ايمن زيدان عملاً "قاتماً" أو حاسماً بقدر ما اراد ان ينقل صورة الأميركي المعاصرة، والقائمة على الاذلال والاحتلال والنهب والخوف والاستهلاك... كما انه لم يشأ ان يقدم عملاً "نخبوياً" يمكن أن ينسجم مع عروض المهرجان الذي اندرج ضمنها، بل اراد ان يعيد صورة الأميركي البشعة عن طريق الكوميديا (وهذا شهدناه في افلام أميركية كثيرة، سواء كوميدية او غير كوميدية). اذاً مسرحية شعبية (لا أقول شعبوية) ومنتخبة لا نخبوية، وتتوجه الى الجمهور، بكل مفردات المسرح الشعبي التي نعرفها: من المبالغة الى القهقهة، الى اللذعة، الى الغمز واللمز، الى المباشرة، الى التهريج، الى اللعب على الكلمات، الى الحركات، الى المواقف... كلها استعملها ايمن زيدان في ديكورات واسعة وضخمة، وبايقاعات سريعة، رشيقة، وبمشاهد متواترة، متناوبة، وبقفشات صفق لها الجمهور طويلاً.
مسرحية فيها كثيرمن الجروح، لكن فيها الكثير من المسرح المر، او من "المرآة المقلوبة"، تمكن الفريق المؤدي من تعبئة الخشبة وإحيائها، والنفاذ الى الجمهور، بخفة ظل وبرشاقة وظرف... ولمواجهة هذا الجنرال الأميركي... الذي لم نعرف لماذا لم تفعل العائلة "الفيتنامية" ما فعلته العائلة الألمانية به في المسرحية المقتبسة عنها؟.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.