8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أيام مهرجان قرطاج الثاني عشر في تونس تتحرك تحت شعار "الانفتاح"

يمكن القول أن دورة قرطاج الثانية عشرة محاولة جديدة لتجديد صورة المهرجان، وتجديد صورة المسرح العربي، والإفريقي. إنه ينطلق ـ اليوم ـ ربما كما انطلقت مهرجانات مسرحية أخرى، من واقع مسرحي عربي غير مريح، وغير "سعيد". كأن زمناً أفل، من دون أن يطل زمن جديد. كأن مرحلة انتقلت من دون أن تنتقل حاملة عدتها القديمة وهي ترمق للجديد بعيون رمادية. ولهذا، فقد بدا مدير المهرجان المخرج والكاتب الكبير محمد ادريس، وكأنه "باعث" جسور متعددة السبل والفجوات. جسور بين المسارح، بين الشعوب، بين التجارب، بين التواريخ والحضارات المتصادمة، بين اللغات المتواصلة أو المنفصلة. كان خطاب الافتتاح الموجز لإدريس هو خطاب الانفتاح. الانفتاح الحرّ المتأصل، المتجذر، لكن المتحرك بلا عقد، ولا خوف، ولا رعب، ولا وهم، ولا رفض مسبق، ولا "تقديس" مسبق أيضاً.
وفي حفل الافتتاح كان لإفريقيا الافتتاح من خلال تقديم الملحمة الافريقية "صدغولون" نص نيكول ويري وإخراج نيكول ويري ويري لينكنغ.
وقد تميّز هذا المهرجان وشعاره الانفتاح بتقديم عروض عربية وافريقية، وبإقبال شعبي لا سيما شبابي على مختلف الأعمال العربية والافريقية، تونس والمغرب والجزائر ومصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق وفلسطين والكوت ديفوار ومنتخب من البلدان الافريقية وكذلك من بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وهونغ كونغ. ويمكن ملاحظة أن الجوائز ألغيت من المهرجان، وعُدّلت طريقة تنظيم اللقاءات النقدية أو الفكرية، لتتبع "طريقة" المجالس التي يتكلم فيها المشاركون من دون كلمات أو أوراق جاهزة، سواء في نقدهم التطبيقي للعروض أو في مقاربة بعض القضايا المسرحية. وقد أشرف على هذه اللقاءات وأدار جلساتها الكاتب المسرحي التونسي عزالدين المدني.
كما يُلحظ تميّز الحضور اللبناني بأكثر من 25 على المستوى العروضي أو على المستوى النقدي، أو المشاركة في الندوات والفاعليات.
سنحاول التوقف عند بعض الأعمال البارزة.
هيروسترات
ـ "هيروسترات" (إعداد عن الكاتب غريغورين غورين) وإخراج المنصف السويسي (تونس). تعيدني هذه المسرحية الى عشرين عاماً مضت وتحديداً الى العام 1985 في مهرجان بغداد الأول، حيث قدمها السويسي هناك وحاز بها جائزة أفضل إخراج. العمل ذاته يُقرأ من جديد نصاً وإخراجاً، بعد مرور عقدين تعرضت المنطقة العربية (العراق خصوصاً) لتحولات وأحداث كبيرة، وتعرض العالم أيضاً لهزات جسيمة أبرزها تفجيرات الحادي عشر من أيلول وتداعياتها ونتائجها ومدلولاتها وحروبها التالية والتغيرات التي أحدثتها على مستوى السياسات العربية والدولية لا سيما الأميركية.
إذاً اختار المنصف السويسي هذا العمل الذي سبق أن أخرجه في ظل مناخات أخرى، وكأنه يريد من خلاله، وعلى قدر الممكن، اختزال مسافة تلك المتتاليات. وأتذكر أن هذه المسرحية التي بُدِّل عنوانها "من أين كل هذه البلية" الى "أنا أو لا أحد"، كان لها الصدى آنئذ، لكن ما جرى بعدها، حمّلها أبعاداً، كما أراد المنصف السويسي، أكثر سواداً وقتامة وشمولاً. صحيح أن العنوان الحالي للعمل يركز على المنحى الفردي المرضي، أو الحضور الأحادي للسلطة أو من يمثلها، أو يمارسها، إلاّ أنه يصب في العنوان السابق "من أين هذه البلية". وكأن البلية السابقة الناتجة عن أمراض كثيرة تؤدي الى "أنا أو لا أحد". وهنا يمكن ملاحظة شمولية الإدانة ضمن الرؤيا الجديدة للسويسي. فهيروسترات الذي فجّر أحد أعظم المعابد في القرن الرابع قبل الميلاد، يكشف أن ثمة هيروستراستات آخرين، في المنحى السلطوي أو الاجتماعي أو السياسي وفي مختلف المستويات. ونظن أن ظاهرة "الإرهاب" التي يمكن الإحالة عليها في ما يخص هيروسترات قد تكون، ومن ضمن الجنوح المتطرف، وجنون السعي الى التملك، والهيمنة، والاستسلام لغرائز السطوة والقتل والظلم، هي في النهاية من نصيب الجميع: الحكام، الأفراد، والقضاة، لتكون ذرائع وأسباباً وأدوات لتدمير المجتمع، رحلة العشرين عاماً التي تختزلها الطبعة الإخراجية الجديدة للسويسي، توحي، وبعنف، وبقسوة، وبجرأة، وبغير تواطؤ، وحتى بمجازفة، واقعاً نعيشه، واقعاً "وقع" علينا، أو سيقع علينا. كأنها مسرحية بلا مواربة. مرآة ترتفع أمام وجوهنا، بكل تحفيراتنا، وهشاشاتنا، وعنفنا... حتى الإرهاب المشترك. فهيروسترات إرهابي. قد يكون صنعته مجتمعات تفرز إرهابييها، وظوارها الإرهابية.
إذاً عودة قوية لمسرح المواجهة. مسرح التصدي للخطر المحدق. مسرح الحدث المحمل بالإيماءات والدلالات المادية والنفسية والسياسية. بمعنى آخر لم يكن لهذا العمل أن يندرج في آخر جمالية "مصفاة". فجماليات العرض، نابعة من محمولات النص، ومؤثرة في وقعها. البداية عاصفة. عاصفة تفجير المعبد بكل صخبها وقوتها، والسينوغرافيا مرتبطة بهذا المس الفاجع المتمثل بتوحيد السجن والقضبان والمنصات والمحكمة وكرسي السلطة. من معدن واحد قاتم. قاس. ومن موحيات واحدة. ذلك أن السجن هو الأظهر مادياً. وكأن كل الاكسسوارات الأخرى كانت من "معمارية" هذا السجن الذي يتداول في الدخول إليه والخروج منه المجرم (هيروسترات)، والأمير، والقاضي، والمرابي.... والسجّان. سجن واحد لأطراف متباعدة نظرياً فقط.
وفي هذه العودة الى النص، عودة الى التمثيل، إذ ركز السويسي، إضافة الى العنصر البصري والإيقاعي والسمعي (السينوغرافي والموسيقي والإضاءة) على الممثل كحامل الرسالة الأول والأخير. أو الأحرى الباثّ الدلالات المتعددة. وقد عرف المنصف كيف يشتغل على الممثلين، بتنوع الإيقاع والمضامين، وقد شكلوا معاً: البشير خمومة في دور الأمير تسافرن، ونور الدين العياري (السجان)، ومعز الكوكي (هيروسترات)، ومحمد الجريجي (القاضي كليون)، ولطفي لملوم (المرابي كريسيب)، كوكبة متناغمة في الأداء، ولو برزت تفاوتات بينهم، أو مبالغات أو تعابير أقرب الى البرانية، أو استسلام لبعض الصور الأدائية السائدة. لكن، وعلى الرغم من فجوات في الإيقاع هنا، أو تكرارات هناك (وهي قليلة، كان المنصف السويسي يقدم عرضاً من عروض المواجهة، مواجهة أوضاعنا الراهنة بنظرة واضحة، واقعية، مأسوية سوداء.
لصوص بغداد
"لصوص بغداد" كتابة، اخراج توفيق الجبالي (تونس)، توفيق الجبالي ظاهرة حية في المسرح التونسي، بل من اكثر الظواهر قلقاً واقلاقاً. دائماً على خروج من ذاته، ومن ادواته، ومن تجربته إلى ما هو مختلف، بل ومغاير أحياناً كثيرة، مفجر مراحل. متعدد الخصب، لا يركن إلى "اسلبة" ليكررها، ويرتاح اليها، ولا يؤسس لنظرية جاهزة، كأنما مسرحه دائماً أمامه. هكذا عرفته منذ اكثر من ربع قرن، يتحرك كائناً، ومخرجاً، وممثلا في اعمال تنشر بتجريبية "مجنونة" هنا، او بأخرى جمالية (سيتوغرافية) هنا، او كتابية، او اخراجية... هنا واقعي حتى العظم، هناك عبثي حتى الهلوسة. وهناك مباشر حتى الكسر. كل هذا اعطاه قوة حضور، ونضارة حواس، وتفتحات بلا حدود.
في عرضه الجديد، "لصوص بغداد" (وهو حلقة من حلقات كلام الليل)، كأنما يختزل الجبالي كثيرا من تعدديته وكثيرا من تجريبيته (الشعبية او الشكلية او النصية). شخصيتان تتكلمان: توفيق الجبالي وتوفيق العايب. يتكلمان، يرويان، يتناولان الرقابة والحرية والشؤون الاجتماعية، والسياسية في نسيج كلامي، يتوالد ويتضارب، ويتلاعب بالتراكيب، والمفردات، والتكرارات، من خلال حضور الشخصيتين، أو الصوتين، الغارقين في القحة، أو في الاضاءة الخفيفة، كأنها مرحلة الكلام (كلام الليل) التي ستؤدي إلى المواجهة المباشرة، أو التي ستؤدي إلى ما نخشى الجهر به، أو الافصاح المباشر عنه، أو التخوف من حدوثه، أو التوجس، كأنما الشخصيتان (اللتان تمثلان ما تمثلان تفتح البوابات الكبرى للغة أكثر مباشرة، ولعنف (غير لفظي فقط) وفيزيائية، لحضور كاسر ينقل العمل، من اطاره الحواري المتبادل والصارم كحقل مهيئ، إلى العنف عندما "يجتاح" المسرح، ويحطم، ويخرب، بطريقة استفزازية، مادية، وعنيفة، وواقعية، إلى درجة الغاء المسافة بين الخشبة والجمهور، بين الشخصية والدور، بين التمثيل والواقع، لحظة تشوش رائعة ومخيفة، ارادها الجبالي بهذه الصرامة والوحشية وكأنها نتيجة وقائع، وايذان بأخرى أشرس وأعمى، وأرهب، وأشمل، وأعم، تتجاوز فيه شروط المكان المسرحي (المجازي أصلاً) إلى الأمكنة الأكثر مجازية ولكن الأكثر واقعية من العراق إلى فلسطين إلى لبنان، إلى أفغانستان.. انها بؤر تشبه المسرح، تكرر العنف المباشر على المسرح بعنف ارهب، وادهى، وأرعب، أي العنف الكوني، من هنا يمكن القول ان العنف الذي مورس على المسرح هو ذاته العنف الكوني الذي يمارس على العالم، من قبل المونوبولات المتعددة، المسيطر عليها من خارج امكنتنا وتواريخنا. بمعنى آخر، فان صناعة العنف المحلية لا تفترق عن صناعاتها العالمية. بل وأكثر أن صناعات العنف (والعنف فبركة وصناعة وليس فقط نتيجة ميتافيزيقية أو جينية) لا تنفصل عموماً عن الصناعات الحضارية والتاريخية والتكنولوجية والعلمية.. انها الصناعات التي لا تصنعها مجتمعاتها، ولكن تمارس، تعويضاً، نتائجه، واستقبالاته وردود فعله.
وقد قدم الجبالي، كل هذا، بايقاع مشدود متوتر، صاخب، مدوٍّ، قاس، لا يترك فيه لحظة لفجوة، أو "اشارة لهدوء، يجعلك أكثر من متفرج، ومشاهد.. يجعلك شريكاً في كل ما يجري": متواطئاً أو متنصلاً، وهذا هو معنى كسر الحدود بين الخشبة والقاعة بين الممثل والمتفرج، بين النص المروي (بصرياً أو كلامياً) وبين التماهي بهذا النص أو مجه، لعبة ايقاع هي؟ نعم! ولكن ترفدها أساساً اداءات قوية، مختزلة هنا، أو مبسطة هناك، أو جازمة في أمكنة أخرى لا سيما في تحرك مجموعة الشبان الذي نقل العمل من جو إلى جو.
توفيق الجبالي عرف كيف يحرك خيوط الايقاع وحباله وحركاته، لكنه أيضاً حضر بقوة الممثل الكبير، تعجب بحيويته الكتابية والاخراجية والدرامية اعجابك بقوة ادائه. يسيطر على ادواته، يلعب بأدواته الصوتية بحرية، يتلاعب بتحركاته على الخشبة بوفرة مريحة. هنا ينتشل الايقاع. ثم يدفعه هناك، ثم يكسره فيرممه فيكسره فيعدله. انها قماشة ممثل كبير، لا يتوقف عند "صقل " معين، وانما يمشي بحرية إلى ادواره الآتية". وقد كان اداء الشخصية الأخرى التي لعبها توفيق العايب، مميزاً ومشاركاً، ومقنعاً، ومتنوعاً. كأنه لعبة المرايا بين الشخصيتين، والدورين.. والاداءات المتناسلة والمتواترة.
بروك
ومن الأعمال التي قدمت "بروك بإمضاء بروك" تقديم جان كلود كاريير، اي مسيرة المخرج الانكليزي بتوقيع ابنه. فعشق بروك الابن جعله يغوص في واقع بروك الأب، ضمن مسيرة معززة بشهاداته ووثائق وشخصيات عايشت المراحل الممتدة من الستينات وصولاً الى 1974.
و"بدء القول" للفنان العراقي شمال عمر الذي سبق ان تناولناه في مهرجان القاهرة التجريبي الأخير. وكذلك "هجرة انتيغون" لجهاد سعد (سوري) الذي تناولناه ايضا في سياق كلامنا عن المهرجان المذكور. وكذلك "خطبة لاذعة ضد رجل جالس" لساقيه قزموز بكري (فلسطيني) في تناولنا لعروض سابقة.
ومن العروض التي قدمت "الكرنفال" نص واخراج حمادي الزي (تونس)، و"زمان" (نص عز الدين المدني، واخراج رضا دريرة). وهي مسرحية غنائية جمعت سبعة رواة يرتدون ملابس بأشكال وألوان متغيرة، شرقية او افريقية جمعوا فيها الحركة مع الكلمة، الرقص مع الحركة الغناء مع الرقص، وقدموا من خلال القصص الخيالية أو الهزلية حقائق وجودية، انطلاقاً من نصوص الكاتب التونسي عز الدين المدني، وقد قدم هذا العرض طلبة المعهد العالي للموسيقى بسوسة باشراف المخرج رضا دريرة. العمل جميل، ومؤنس، وسلس، يحمل كل نضارة الأصوات والقامات الجديدة، ويحمل حيوية الهواة، لكن ربما، يحمل ايضا سهولة وتبسيطاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00