قبل سنتين كشف إدوار سنودن، كيف أن الدول ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية داست بحق المواطنين بحياتهم الخاصة.. العالم كله كان تحت المراقبة، وبات كل شيء مشتبهاً به. وهنا دور سنودن الشجاع والسباق عندما كشف اتساع استخدام هذه الممارسة وخطرها على حقوق الإنسان. ومن دونه لما كنا عرفنا قوة هذه الأجهزة والأنظمة. ولولا هذا الرجل النادر لما عرفنا شيئاً عن هذه الوسائل الاستبدادية التي تضرب الديموقراطية في صميمها، والتي أظهرت الوقائع أنها بلا فاعلية. وقد دفع سنودن ثمن بطولته، وها هو هارب من عدالة الولايات المتحدة التي اتهمته بـالخيانة وبـالعداء للوطن، في روسيا وتحت المراقبة أيضاً. لكن، وعلى الرغم مما كابد سنودن من تشرد، ورفض دول عديدة استقباله، ومنها أوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا...) لكي لا تغضب الولايات المتحدة، فها هو يعلن انتصاره. فبعد سنتين من كشفه تلك الحقائق المؤلمة، المتعلقة بالتنصت على كل البشرية. يوجه إلى العالم كله بيان الانتصار: فقد أجبر ما فعله الولايات المتحدة الأميركية على اعتبار أن هذه المراقبة الجماعية غير شرعية، ها هو سنودن في منفاه القسري، وبعد سنتين من فضحه برنامج وكالة الأمن القومي الأميركية، يخص خمس جرائد عالمية هي ليبراسيون والنيويورك تايمز، وديرشبيغل الألمانية، والباييس الإيطالية نشر بيانه التاريخي.
هنا ترجمة كاملة له.
مضت سنتان بالتمام، كنّا ثلاثة صحافيين وأنا نشتغل بنشاط في غرفة فندق بلانكتنغ، منتظرين أن نرى كيف يمكن أن تكون ردود فعل العالم إزاء كشف أن وكالة الأمن القومي (NSA) كانت تسجل مكالمات نسبية في كل هاتف في الولايات المتحدة. هؤلاء الصحافيون نشروا، في الأيام التالية، وثائق تكشف أن السلطات في البلاد الديموقراطية كانت تمارس تجسساً على النشاطات الخاصة للمواطنين العاديين الذين كانوا أبعد ما يكون عن الشبهات.
وبعد أيام عدة، قامت الحكومة الأميركية برد، رافقه دعوى ضدي استناداً إلى قوانين التجسس التي تعود إلى الحرب العالمية الأولى. وأشار المحامون إلى الصحافيين أنهم يعرضون أنفسهم للاعتقال عندما يعودون إلى الولايات المتحدة. وتهافت سياسيون لإدانة مبادرتنا، واصفين إياها بمعادية لأميركا، ومؤكدين حتى إنها نوع من الخيانة.
وقد مرت بي لحظات خاصة خفت فيها ألا نكون وضعنا حياتنا في خطر من أجل لا شيء وأن الجمهور واجه الأمر بلامبالاة أو عبّر عن عدائية إزاء ما كشفنا.
وبعد سنتين، اختلفت الأمور جذرياً. ففي غضون شهر، اعتبر برنامج التنصت الذي تنفذه وكالة الأمن القومي غير شرعي كما قررت المحاكم، واستاء منها الكونغرس. ورأى البيت الأبيض بعد تحقيق أجراه أن هذا البرنامج لم يمنع أي هجوم إرهابي، وحتى الرئيس، الذي دافع في البداية عن هذا البرنامج ودان كشف الوثائق، انتهى إلى وضع حد نهائي له..
هذه هي سلطة جمهور مطلع. ونهاية المراقبة الجماعية للمكالمات التلفونية الخاصة استناداً إلى US Patriote ACE، هي انتصار تاريخي من أجل حقوق كل مواطن، ليست سوى نتيجة الوعي العالمي. فمنذ عام 2013 أعلنت مؤسسات عبر أوروبا أن العمليات المماثلة هي غير شرعية، وفرضت تقليص مثل هذه الممارسات في المستقبل.
وأعلنت الأمم المتحدة أن المراقبة الجماعية تشكل، ومن دون لبس، اغتصاباً للحقوق الإنسانية. وأدت جهود المواطنين البرازيليين، في أميركا اللاتينية، إلى تبني قانون ماركو المدني الإعلان الاول لحقوق الإنترنت في العالم. والمجلس الأوروبي، واعترافاً منه بالدور الأساسي الذي يلعبه الجمهور المطلع في تصحيح الانحرافات السلطوية، دعا إلى تبني اختيارات تمنع مطلقي الإنذار.
وتجاوزاً للقانون، فالتقدم في هذه القضية سجل سرعة كبيرة. فهناك خبراء يعملون بكل جهودهم، توصلاً إلى إعادة النظر بالأحكام الأمنية التي تحاصرنا، وكذلك بلغة الإنترنت نفسه. فشقوق سرية في بنى تحتية أساسية، تستغلها الحكومات لتسهيل المراقبة الجماعية، تمّ تصحيحها... وإجراءات حماية تقنية مثل التشفير، اعتبر في وقت ما غامضاً وملتبساً تمارسها منتوجات المشاريع الكبرى مثل Aple، تضمن أنه حتى لو سرق تلفونك، تبقى حياتك الخاصة خاصة. إن مثل هذه التطورات البنيوية على المستوى التكنولوجي يمكن أن توفر حماية أساسية لحق الحياة الخاصة أبعد من الحدود، مدافعة بذلك عن المواطنين العاديين ضد التبني القسري لقوانين لا تحترم الحياة الخاصة، كمثل تلك التي بدأ العمل فيها الآن في روسيا..
وإذا تجاوزنا إلى مكامن أخرى، فحق الحياة الخاصة - أساس الحريات الواردة في إعلان الحقوق الأميركية يبقى مهدداً ببرامج أخرى وسلطات أخرى. فبعض المؤسسات الأكثر شعبية في العالم صارت شريكة ببرامج المراقبة الجماعية لوكالة الأمن القومي، وكذلك حكومات في العالم كله تمارس ضغوطاً على مشاريع تكنولوجية تدفعهم فيها إلى العمل ضد زبائنهم لا من أجلهم. فمليارات المعطيات من المراكز والاتصالات تستمر في الارتهان لسلطات أخرى، من دون أي اعتبار لذنب أو براءة الأشخاص المعنيين، وقد علمنا أن حكومتنا أضعفت عن قصد الأمن الأساسي للإنترنت، من خلال أبواب سرية تحول الحياة الخاصة كتاباً مفتوحاً. إن اعتراض والمراقبة للمعطيات، كاشفة العلاقات الشخصية ومراكز المصالح المتصلة بالإنترنت العادية، تبقى على اتساع لا سابق له: فبينما تقرأ هذا، تسجل السلطة ما تقول.
وخارج الولايات فقد استغل رؤساء أجهزة المخابرات السرية في أستراليا، وكندا، وفرنسا، المآسي الأخيرة للحصول على سلطات أمنية جديدة، على الرغم من أن مثل هذه الإجراءات لا تمنع أي هجوم. فرئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون طرح أخيراً السؤال الآتي: أتريد السماح بوسيلة اتصالات بين الناس، نحن (الدولة) لا نستطيع قراءتها؛ ووجد بسرعة الجواب، معلناً أن منذ زمن بعيد يظهر مجتمعنا متسامحاً وسلبياً، قائلاً للمواطنين: ما دمتم تحترمون القانون، نترككم وحالكم مطمئنين. إذا إلى عام 2000، نجد أنهم نادرون الذين كانوا يتخيلون أن مواطن البلدان الديموقراطية والمتطورة، قد يصبحون قريباً مرغمين على الدفاع عن فكرة المجتمع المفتوح ضد قياداتهم بالذات.
مع هذا، فموازين القوى بدأت تتغير. فنحن نشهد بروز جيل ما بعد الإرهاب، يرفض عالماً محدداً بتراجيديا خاصة. فللمرة الأولى منذ 11 أيلول نرسم ملامح سياسة تدير الظهر لردود الفعل والخوف لتعانق العقل ومقاومة الضغط وكلما أعطتنا العدالة الحق يتغير التشريع، لتظهر أن الوقائع أكثر إقناعاً من الخوف.. وباعتبار المجتمع نعيد اكتشاف قيمة حق لا يقاس بما يخفي، ولكن بما يحمي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.