8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

غرفة أبي رواية عبده وزان الأولى:

عندما بدأت اقرأ رواية عبده وزان غرفة أبي أحسست وكأن ذاكرة مشتركة بيني وبينه، فعبده من الدكوانة، وانا من سن الفيل، وهما بلدتان متجاورتان بل متداخلتان في البيئة الجغرافية والناس وحتى التاريخ. وهذه الذاكرة المشتركة تطول الى امتداداتها الاخرى، برج حمود احد الامكنة الاساسية للأرمن في ضواحي بيروت.
لكن اهم ما شدني، عاطفياً، ان والد عبده (او اباه) ليس بعيداً عن ذاكرتي. واتذكر انني عندما زرت بيت عبده في الدكوانة، وقع بصري على صورة فوتوغرافية مؤطرة وموضوعة على احدى الطاولات. اقتربت منها وقلت لعبده: هذا والدك! فأجابني نعم! قلت اعرفه جيداً، بقامته، ولون بشرته الحنطية وصلعته، (وصوته الذي بدأ يرن في اذني). ورويت كيف ان العم قيصر كان يشتغل في معمل للفخار لا يبعد عن بيتنا في سن الفيل سوى بضعة امتار. وقلت: كان يرتدي شورتا الى ما تحت الركبة. (ثياب الشغل)، واحيانا اسمع صوته الحميم وهو يناديني باسمي الله يرضى عليك شو كباية ميّ مسقعة. واحضر له الماء البارد. ذلك ان علاقة حميمة عقدت بينه وبين ابي. لا انسى ذلك وكنت في السابعة تقريباً من عمري. وقلت لعبده: بيّك بيشبه خيك شحادة وانت بتشبه أمك. ذلك اني عرفت والدة عبده جيداً اثناء وجودنا مع عبده وشحادة في قبرص... فهي سيدة تقاطعت بشدة مع ذاكرتي كطفل. او كولد.
عبده وازن كأنما اختار ان يسترد والده الذي فقده طفلاً. ذلك الوالد الذي لا يتذكر منه سوى لحظات او ومضات. او لقطات، او مشاهد مبعثرة في بيته. او في البرج، او برج حمود، او الدكوانة، ... اتذكر في غرفة أبي، اوسع من نثارات مازالت ملتصقة بالجسم والاذن. والصوت، والقامة. والخلق. والحلق، والطيبة، فالرائحة كما قال بروست، مثيرة ذكريات وحنين. ومستعيدة مناخات وناساً. عبده وازن، هنا يريد ان يبحث عن ابيه في ابعد مما عاشه معه. ابعد من رائحة الغرفة. ابعد من شميم الحنان. اراد استحضار والده، اكتشافه. التعرف على بسمته. وعلى امكنته. ودليله الصور الفوتوغرافية التي حاول قراءة ما تشكل. وما توحي، واستحضار الوالد ليس كفيفا (فيفا والد هاملت)، بل جعل ذلك جسماً، وصوتاً، ودرباً، وتاريخاً، وطيفاً من لحم ودم. شخصاً يحاوره. ودليله الى تلك الهوة الزمنية المفقودة كل ما تناثر من متاع الوالد، او تبقى منه، او سقط وراءه. انها ملمومات الشخص التي تصير الشخص نفسه. مجموعة ملمومات حية مما ينساه الراحلون بعد رحيلهم.
ولهذا، فبحث عبده وازن عن ابيه ليس كبحث بروست عن الزمن الضائع. بل بحث من يريد تحويل الضائع الى اكثر من حاضر. الى قامة عبرت هذه الدروب، او تلك. يحولها شاهداً اكثر في محاولة عبده كتابة سيرة ذاتية، اختلطت الادوار. من يبحث عن الآخر، عبده يبحث عن والده ام والده يبحث عنه. فالموتى يشهدون ايضاً كالأحياء. وكأن عبده في استحضاره اباه يريد ان يستعيد ثنائية كسرت، ويحل محلها ثنائية دائمة. فالموت هنا يصبح تعبيراً عن نهوض. نهوض شخصيات داخلية. واحداث، واشارات، والتباسات، واحزان، وحنين، وخوف، انها الثنائية الباقية او التي يريد عبده ان يستبقيها، درءاً لعزلة، او افتقاداً، او فقداً، او شوقاً، او حنيناً، ومن قال ان ليس للشوق جسم، واسم، ورائحة، وملمس. من هنا، تأخذ السيرة منحى ابعد من الذات. فعبده يكتب سيرة منها ما عرفه ومنها ما يبحث عنه: لتكتمل الصورة. او ربما لكي تبقى شاغرة بقوتها، ونقصانها. انه الفقد صانع المخيلات الكبرى، صانع اليوتوبيات. صانع الذات الفائضة بذوات اخرى. فعبده يبحث عن الاجزاء الناقصة غير المعروفة، في سيرة والده، لانه يبحث اولاً واخيراً عن اجزائه الناقصة، عن ذاته الناقصة، عن ألم لم يكتمل، او حنين بلا راحة، او ضمير معذب، او حياة غير عادية، ولهذا، كأنما البحث عن الوالد، ملء مساحة شاغرة في الذات. مساحة مزروعة بالوجع، والنقصان، وذلك الفراغ المحاصر بما نجهل، بل يريد من خلال البحث عما فقده في رحيل والده، ان يبحث هو ايضاً عما فقده من رحيل الوالد. ريما طفولة بلا سقف. ربما طفولة بلا حماية، ربما طفولة لا تشبه طفولة الآخرين. وأي طفولة بلا أب. وأي طفولة بلا يدين، ذراعين مضمومتين، او صدر رحب، او اصابع تدغدغ او صوت ينهر، أو هدية من هنا، او مشوار من هناك. فانها طفولة مستعارة، او مسلوبة، كأنها ليست طفولة احد. نصف يتم، نصف غياب، ونصف حضور. ولهذا، فلا بد لعبده وازن ان يحاول جمع هذه المفقودات الثمينة، لا ليكمل صورة الأب، بل لترتاح صورته في اكتمال ربما تخيل، ولكن هنيئ، لا يعود الأب بالاستحضار. لكنه يعود بالعثور عليه. عبده وزان كان يعثر على ابيه في ما خلفه، او في ما تخيله، ليكون صديقه. ليكون الشخصية الاخرى، يناجيها. يبوح لها بأموره، وبطفولته وأحوال الناس، والحروب، ليرفع هذه المناجاة الى مستوى التأمل، تأمل في الوجود والحياة، والموت، والعائلة، والامكنة، بل اكثر: كأنه يصبح حكواتياً امام حضور والده، يخبره عن والدته، وعن شقيقتيه، وعن اخيه شحادة، وعن الجيران، فما احر هذه اللحظات الحميمية. كأنما يعوض عن والده ما فاته، تماماً كما يريد ان يعوض لنفسه ما فاته ايضاً، لكن المناجاة هنا تأخذ اشكالاً عديدة: امام الصور. ومن خلال الرسائل. وفي وقفات تشبه مونولوجات الجسم)، ونظن ان كل مونولوج (او نجوى) ليس سوى معانقة الآخر، البعيد، او الحاضر، او الافتراضي، او المتخيل. لكن يحول كل ذلك حقائق حياتية. وهنا بالذات تزول الحدود بين الموت والحياة. بين الطفولة والكهولة، بين الاب والابن.
انه الاستحضار. او محاولة أنسنة الطيف (طيف الوالد). مجيء الآخر او عودته (من الموت) هما البقاء الوحيد الممكن. وهما لا ينفصلان عن مسألة عودة الاشباح العائدين (REVENANTS) او حياة الاشباح كما يقول (دريدا). والسبب ان كل اثر هو شبح كامن. (او موجود بالقوة). وهذا ما تعرفه كل صورة فوتوغرافية، او ملابس، او اشياء، او حتى شميم، او ذكريات. فالصورة الفوتوغرافية (يستخدمها عبده)، لوجه، او لشخص، حتى لشيء، هي جعل عودته ممكنة. (التذكر عودة). حتى بعد موت صاحب الصورة، او المصور نفسه. انها من الاثر. وهي نوع من التسجيل (كالمسجلات التقنية، او السينما، او صور المسرح، او الآثار.. انها صور. وان نصور، يعني تغيير ما هو حي الى شيء ميت (بحسب النظرة التفضيلية وسواها): اي استباق وفي الوقت نفسه موته وكذلك امكانية عودته. اي ان الحضور هو وبشكل سري من صناعة الغياب. ويمكنهما خلق اشباح. والشبح (او الطيف او ...) ليس غياباً ولا روحاً هو شيء نراه بطريقة سرية سواء في جسم غير مادي او في مادة غير جسمانية. شيء ابعد من التعارض بين الحضور واللاحضور، وبين الحياة واللاحياة.
وهذا يعني ان المعيش التفكيري او العاطفي، يرتبط بالأثر نفسه. وعبده يجري اثر أبيه، لا لتكون مجرد ملامح تجريدية، بل لالغاء الفاصل بين كل هذه التعارضات والثنائيات. ولهذا يستخدم المونولوج. والمونولوج ليس ترجيح الذات في الذات، وانما ترجيح الآخر. الغائب. اي استحضاره اي جعله حاضراً. وعندما يراسل عبده والده فإنه لا يراسله من البقاء الى دنيا الفناء، او العدم، كمن يرمي اوراقه في مرقده، بل لجعل الغائب موجوداً امامه بعينيه وحواسه... وحتى ملابسه. ... ورائحته. فليس هناك من يراسل انسانا غير موجود.
وعبده (كإبن) هو من اثر الأب جزء من طيفه جزء من داخله. جزء من مشاعره. وهواجسه. فهو اثر الأب قوة كامنة في الابن كأثر. وهنا بالذات يمكن ان تتغير الادوار، او تتعاقب، او تكسر ما يفرقها، او يتجاوزها. فعبده وازن عندما يتماهى، او يفكر في التطييف، فهو في الوقت ذاته يفكر في الحضور. اي في الدور. والارث. والوقت. والامكنة. الصورة كما قلنا (او سواها) تمثيل حقيقي لقطع هذه الازدواجيات حتى بين الوارث والموروث.
فها هو عبده وازن الذي كبر عن ابيه سناً، يقارن بين حضور وغياب: اي بين حضورين:
فهو الابن الذي يصير أكبر من والده. يصير الأب ابناً. والابن أباً. وهنا بالذات يمكن القول أن عبده وازن يتماهى بدور الأب الذي فقده. يحاول أن يخبره بأحوال الآباء في الفلسفة والأدب والشعر: من كانط. الى دوستويفسكي (ونضيف الى أحمد عبدالجواد في ثلاثية نجيب محفوظ)...
ونظن أن الالتباس الجاري بين سيرة ذاتية يظن عبده أنه يكتبها، وسيرة أخرى يبحث عن كتابتها، تخلط بين النوعين، فهناك صيغة الغائب يستخدمها عبده بطريقة هادئة، وهناك غالباً صيغة المتكلم المليئة بالمشاعر والفقدان، وهنا صيغة لا هي المتكلم ولا الغائب: أو المتخيل، أي المواد الأولى التي تصاغ منها السردية أو القصصية، أو الروائية، ومنها تقنيات سينمائية (اللقطة)، مسرحية (المونولوغ)، تواصلية (الرسائل)، وهناك تداخل مستويات القص، مونولوغ داخل المونولوغ. أزمنة داخل أزمنة. سردي داخل سردي. شعري داخل نثري. تأملي داخل واقعي. فكري داخل عاطفي. كل شيء داخل كل شيء. وهذا لا يعني تفكيكاً للنص أو حطماً للبنية العامة. أو نشازاً في الإيقاعات. فعبده وازن عرف، وبمهارة عالية، كيف يصوغ مختلف هذه النبرات، والانتقالات، والاختلافات، والتنوعات، في نسيج ممسوك، حي، نابض. ملتم. مشدود، يذيب كل النتوءات، على مساحة روائية متعددة المستويات، والتعابير. وهنا يمكن الكلام على روائية مفتوحة تمتص المسيرة الذاتية بلغتها الخاصة، وتضمها الى سير أخرى، وفي مقدمها الأب. من دون أن ننسى الأمكنة. والأم. والشخصيات الأخرى. والمخيلة. ذلك أن الرواية اليوم (وقبل اليوم، ومنذ جويس وكانط... وقبلها دوستويفسكي) تتجاوز التسميات الآسرة (كالشعر أو المسرح). وكما يبحث عبده عن أبيه، فإنه يبحث في الوقت ذاته عن صيغة جديدة لمروياته. أي لخروج ذاته الى لغة أخرى. تماماً كما يخرج من ذاته ليضم ذاتاً أخرى هي والده. وقد برهن عبده وازن أن حسه الروائي دقيق. ومرهف. وتعبيره المتنوع: بين الشعر، والنثر، والمتخيل، والعاطفي، والمسرحي، والسينمائي، ليس سوى تقديم صيغة روائية متجددة. وهو كتب ذلك رواية سير ذاتية (سيَر بالجمع). وكان يمكن أن يكتفي بكلمة رواية. ذلك أن الرواية اليوم تجاوزت كثيراً من التخوم التنظيرية الضيقة. فهي كسواها من الفنون، لا تنهض إلا بتحركها على مساحة تجريبية تكسر فيها مختلف القيود المدرسية، أو النظرية، أو الإيديولوجية، أو البيانية!
إنها الكتابة الحية. الحرة المفتوحة التي لا تكل عن البحث عن أطرها المتحركة، وعن مسافاتها المجبولة. وعبده وازن في كتابه الحميم والحنيني دخل في عالم روائي جديد... أوسع من مجرد السرد، وأرحب من الشخوص الجامدة في أمزجتها: إنه يبتكر من جديد ملامح والده في كتابة هي، الى أهميتها، شكل من أشكال التعويض. وكما يكون الإنسان في الصورة خارج الزفة... يكون في الرواية أيضاً خارج الزمن... ليعيش في كل الأزمنة.
[ صدر الكتاب عن دار الاختلاف، بيروت، 224 صفحة.






مختارات من غرفة أبي


ما كان أجمل صورة ساعي البريد هذا، شخص يجوب الأزقة مشياً أو على دراجة، حاملاً الى الناس رسائل تفرحهم أو تحزنهم. كنت أحب اسمه بالعامية الذي كنا نناديه به: البوسطجي وعلمت في ما بعد أنه أجنبي أصلاً. لكنني أحببت كثيراً الاسم بالعربية الفصحى: ساعي البريد ولا أعلم كيف وضع هذا اللقب أو هذه الكنية، مع أن الساعي يعني العامل والجابي.. كم أحببت شخص البوسطجي، هذا الساحر بإطلالته، الحامل البشرى أو الخبر المشؤوم. كانت طرقات البوسطجي على الباب تترجّع في قلوب أهل البيت: ها قد أتت رسالة من هنالك، من وراء البحر أو من خلف الأفق، من البعيد الذي كان حينذاك بعيداً جداً. لم تكن الرسالة تنفصل عن هاجس السفر، فهي تعني أولاً أنها آتية من المهجر، حاملة الكثير من الشوق والحنين. الرسالة الآتية من قلب البلاد لم يكن لها بريق الرسالة الأخرى. الرسالة إما أن تأتي من الخارج وإما لا تكون. المهجر هو الذي كان يضفي على الرسالة وهجها وعلى البوسطجي سره الجميل. أذكر أيضاً أن البوسطجي كان يحمل برقيات ولم أكن أفهم ما تعني هذه الرسائل الصغيرة المطبوعة بأحرف سوداء.
عندما شاهدت فيلم البوسطجي أو إل بوستينو أبهرتني شخصية البوسطجي فيه أكثر من شخصية الشاعر التشيلي المنفي بابلو نيرودا. شعرت أن البوسطجي هو الشاعر ببساطته المشرقة، وعفويته وحبه وعندما اكتشف مفهوم المجاز كما لقنه اياه نيرودا راح يستخدمه بألق شديد.. بعدما شاهدت الفيلم اشتريت الرواية، لكن سحر السينما خفف من حماستي إزاء الرواية المكتوبة مع أنها جميلة أيضاً. أحببت كثيراً عنوان فيلم لا أتذكره جيداً لكنني لا أنسى عنوانه الذي ما زال يثير فيّ حالاً من الفتنة الملغزة: البوسطجي لا يدق الباب مرتين.. كم مصيب هذا العنوان. إذا طرق البوسطجي الباب ولم يرد عليه أحد يكون القدر هو الذي رمى نرده. ستظل الرسالة مغلقة ولن يفتحها أحد أو يقرأها. ستنام في أدراج القدر.
كنت كلما صادفتني شخصية البوسطجي في رواية أو قصة أقف أمامها طويلاً وأعاود القراءة مستعيداً ذكرى الزمن الذي ولّى، الزمن الجميل، الذي كنت وما زلت اسميه زمن الأب. لطالما سررت بما كتب يحيى حقي وابراهيم أصلان وسواهما عن هذا البوسطجي الذي غاب وانطوت معه حكاياته البديعة. الآن ما عدنا نبصر بوسطجياً، وأبوابنا ما عادت تطرقها يد. موظف البريد بات يتصل بنا لنذهب الى المكتب ونتسلم الرسائل التي باتت نادرة جداً. أما ما يصلنا الى البيت فهو بريد عملي: فواتير وايصالات وهلم جراً. الرسائل الآن صارت تصلنا عبر البريد الالكتروني الذي غزا الكون، هذا الكون الذي بات يوصف بـالقرية العالمية. وما أبشعها قرية وما أبشع هذه الرسائل التي نقرأها على الشاشة الفضية من دون أن نلمسها ونتحسس دفئها ونشم حبرها. ما كان أجمل زمنك أيها البوسطجي.
لا أدري أيها الأب إن كنت أكتب إليك رسالة، أقول مرة أخرى وأخرى من شدة حيرتي. إنني أكتب بالقلم وعلى أوراق بيض. شئت أن أكتبها هذه الرسالة بالحبر، مع أن جهاز الكمبيوتر على الطاولة وبت اكتب عليه مجبراً أو مكرهاً، فأنا رغماً عني أصبحت ابن هذا العصر البشع، عصر الأبناء، عصر الابن الذي هو أنا، عصر الأحفاد الذين سيأتون. لكنها البشاعة الخادعة التي تجعلنا نحبها ونعجب بها، مع اننا نعلم تماماً أنها خلو من الروح والصفاء والسحر. لم نعد نعلم أيها الأب ما هو الجمال. عصرنا شوّه مفهوم الجمال. حتى جمال القبح لم يبق جميلاً. حتى القباحة لم تبق قباحة. لم نبقَ قادرين على التمييز بين ما هو جميل وما هو قبيح. لقد اختلط الجمال بالقبح وكادا يصبحان حالاً واحدة. لم يبقَ من خيط يفصل بينهما. هذا ما يحصل في عصرنا أيها الاب، عصر الأبناء. بات الجمال مثاراً للشك مثله مثل القبح. صرنا نخاف على الجمال من الجمال نفسه. في عصركم كان كل شيء أجمل. كل شيء. هل أقول هذا لأن عصركم أمسى ضرباً من الذكرى؟ إلا أن الذكرى أجمل دوماً من الحاضر مهما كانت حزينة. كان كل شيء أجمل في عصركم، هذا العصر الذي لا يقاس بالسنين، الذي يقاس بالعواطف، بالمشاعر والأحاسيس الصغيرة. عصركم الذي ولّى، عصركم الذي يولّي أكثر فأكثر. حتى الصابون كانت له رائحة أجمل: هكذا تقول فيروز في إغنيتها. حتى الليمون والزيتون.. حتى عينا الحبيب. ما آلم هذه الإغنية التي ترثي فيها فيروز عصركم: راحوا. إجل رحتم وراح معكم كل شيء جميل. لا أعلم إن كنت أبالغ يا أبي، لكن هذا ما أحسه فعلاً. حتى الحب الذي كنت أحبه كان أجمل. هل أبالغ؟ حتى الوجوه. حتى الصور. حتى الشوارع. حتى الأرصفة. حتى البحر. الشواطئ. السطوح. الأحراج.. هل لأننا نتذكر؟ هل لأن الجمال الآن وقع في فخ الاصطناع هل لأنه أصبح خدعة؟ هل لأنه أصبح جمالاً افتراضياً؟ إننا نكاد يا أبي نصبح كائنات افتراضية، نحيا وكأننا لا نحيا، نموت وكأننا لا نموت، كأن كائنات أخرى تحل محلنا بينما نحن نفتح عيوننا مدهوشين، صامتين، مقموعين. كأننا لسنا نحن، كأننا سوانا.
أكتب اليك بالحبر، على ورق طالما أحببته، وسأظل. الشاشة الفضية الصغيرة باردة والضوء الذي ينبثق منها خادع، هذا ضوء مصطنع مثل حياتنا الآن، يبهج العين ويجعلها ساهية. على هذه الشاشة تبدو الأحرف جميلة لكنها بلا روح. أي سطر تكتبه يغدو جميلاً وإن كان حفنة من كلمات لا معنى لها. هل يمكن شخصاً مثلي أن يكتب من دون أن يشم رائحة الورق؟ من دون أن يملأ الصفحة بالبقع السود التي تخفي حالاً من الحيرة والارتباك؟ هل يمكنني أن أكتب بلا ورقة تفضح أسرار ما أكتب؟ المسودة أيها الأب اختفت. أصبحت الكتابة بل مسودة. أصبح الأدب بلا مسودات. لقد تلاشت الأسرار مع تطاير الأوراق في الريح، لكنني أعترف أنني ما زلت أقاوم فكرة التخلي عن القلم والانصراف إلى الكتابة على آلة الكومبيوتر، مع إنني بت اتقنها رغماً عني. ما زلت عاجزاً عن تصور نفسي جالساً أمام الكومبيوتر أكتب مباشرة عليه، قصيدة أو نصاً أو حتى مقالاً. أكتب به أو أكتب عليه؟ لم يُحسم أمر الكومبيوتر حتى الآن لغوياً. نقول نكتب بالقلم على الورقة، أما في شأن الكومبيوتر فإننا نكتب به وعليه وكأنه القلم والورقة في آن واحد.
ما زلت أقاوم فكرة هذه الكتابة الاصطناعية التي تخيفني أو ترهبني نفسياً، مصراً على حمل القلم والكتابة به، مستخدماً كعادتي دوماً، يدي اليسرى، أنا الرجل الأعسر الذي طالما فرح بهذه الخصلة التي منحته إياها الحياة. اعترف بأنني تعلمت الطباعة على الكومبيوتر بعد جهد. أقول أطبع على الكومبيوتر ولا أقول أكتب. الاختلاف بين هذين الفعلين ليس بالقليل. فالكتابة مباشرة على الكومبيوتر عمل معقد، لم أتمكن حتى الآن من استيعابه. أكتب بالقلم ثم أطبع ما كتبته على الكومبيوتر. أما الكتابة عليه فما زالت أمنية، أخشاها بقدر ما أطمح الى تحقيقها. ولعلني، سأسخر من نفسي لاحقاً عندما أجدني جالساً أمام الآلة أكتب عليها مباشرة، نصاً أو قصيدة. أشعر أن قدر الكومبيوتر لا مفر منه، مهما حاولت أن أتواطأ ضده أو أن أتآمر عليه.
هل يأتي زمن أتخلى فيه عن القلم نهائياً؟ هذا السؤال شائك ومربك فعلاً. لكن جوابي أنني لن أتخلى عن هذا الرفيق، اللطيف والأنيس، حتى وإن دخلت عالم الكومبيوتر وغرقت فيه. حتى الآن ما زلت أستهجن فكرة العلاقة بين الرأس ومفاتيح الكومبيوتر. هل يمكن الأفكار أن تسري من الرأس فوراً إلى هذه المفاتيح الباردة؟ هل يمكن مفاتيح الكومبيوتر أن تحل محل القلم؟ لا أعتقد أن العلاقة الحميمة بين القلم والأصابع، بين اليد والورقة، ستضاهيها العلاقة بين المفاتيح والأصابع. الدفء هناك ينقلب برداً هنا. وبياض الورقة يستحيل فضة تبثها شاشة قادرة على خداع العين وإيقاعها في شركها. والدم الذي يسيل مع الحبر من شرايين اليد التي تحمل القلم، يمسي أشبه بالمصل الذي تبتلعه الشاشة المضاءة. هل أنا شخص تقليدي؟
لطالما تخيلت القلم اصبعاً من أصابع اليد. قلم من لحم ودم أكثر مما هو من معدن أو بلاستيك وحبر. هذا القلم السحري لا يستمد نوره الأسود إلا من الشرايين النازلة من الرأس والمعرّجة على القلب.. حبره نور أسود، حبره دم أبيض، لأنه حبر الروح والمهجة والعقل. لا أمتدح القلم إلا لأمتدح الحبر والورق. هل تقوم كتابة من دون حبر وورق؟ هل من رائحة أعذب من رائحتهما عندما يتزاوجان؟ إنها الكتابة بلا رائحة، الكتابة بلا دفء، الكتابة بلا رقة، الكتابة بلا ماء.. أليست هذه الكتابة على الكومبيوتر؟ وقد لا أبالغ إن قلت، انني طالما خشيت ان تصاب اللغة بالجفاف عندما تدخل الكومبيوتر أو تخرج منه. جفاف أو يباس أو تصلب أو قسوة.. لكنني قد أكتشف قريباً، عندما يصبح الكومبيوتر خياراً أخيراً ان كل هذه الهواجس ليست إلا غيوماً عابرة. سأكتشف ان كل هذه الهواجس لم تكن سوى أوهام بأوهام. وهذا ما يخيفني أكثر. كأنني أودّع بالسر زمن القلم والورقة البيضاء التي كم جلست أمامها، حائراً حيناً، مفتوناً حيناً. كأنني أودّع زمن المسودات، تلك الأوراق التي كانت تمسي تحت أقلام الكتّاب أشبه بساحة حرب بين الكاتب نفسه وقلمه، فتتشح الأوراق بأزياح سود وخرطشات. وما كان أجمل تلك الأوراق، تخفي الكثير من أسرار الكاتب أو تفضحها بالأحرى. غاب زمن المسودات وأضحت الكتب بلا أصول أولى، في ما تحمل هذه الأصول من علامات مخاض الكتابة، وآثار المواجهة السافرة التي يعيشها الكاتب مع الورقة البيضاء. غابت الورقة البيضاء، غاب هاجش البياض الذي كثيراً ما شغل شاعراً يدعى مالارمه. كيف يحيا الشعراء اليوم هذا الهاجس أمام الشاشة الفضية؟
لا أتخيل نفسي بلا قلم، لا أتخيل نفسي شخصاً يكتب باليدين معاً، أنا الذي كنت وما زلت أعسر، أنا الذي تميزت بصفتي أعسر. القلم جزء حميم من الحياة اليومية ومن دونه تبقى الحياة في حال من النقصان. الكتابة طقس عماده القلم والورقة ولا كتابة بلا طقس. الكومبيوتر يعجز عن صنع هذا الطقس، مهما أحببناه وأحنينا عليه. الكومبيوتر آلة باردة، آلة اصطناعية، لا يمكنك ان تخلو إليها أو تخلو بها، ببراءة وطمأنينة. أما القلم فدفء وحرارة. يكفي أن يغسله في أحيان عرق الاصابع ليصبح ندياً نداوة الأصابع نفسها. الحبر على الورقة لا يخدع، أما الحرف على الشاشة فخدّاع والويل لمَن يقع في شرك خداعه. على الورقة يُعمل الكاتب قلمه، يشذب ويحذف ويسود ويخرطش كما يقال بالعامية، أما على الشاشة فقد تخدعه الصفحة المضاءة وقد تغشه الأحراف المشعة، فيظن ان لا حاجة به لأن يسوّد. وهذا ما اخشاه حقاً. يشعر الكاتب انه لا يحتاج إلى مسودة، فيكتب ويكتب. هكذا تفقد الكتابة أسرارها التي لا تحفظها سوى المسودات. هل تُكتب الكتب بلا مسودات؟ اعرف ان هذه الشجون لا تعنيك أيها الأب. انت لست بكاتب ولن تكونه يوماً. لكنها لحظة شوق تشرق فيّ، لحظة حارقة لا تخبو، لحظة حنين إلى زمنك أيها الأب، هذا الزمن الذي خرجنا منه وأصبح وراءنا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00