سبقوا آباءهم وتواريخَهم، هذه المرة، الى حيث لا يريدون أن يذهبوا.
أطفال منتصف الصباح، الى حيث لا يجدون مأوى، ولا أذرعاً، ولا ضمة أم، أو شقيق، أو وردة تسقط على أنفاسهم الأخيرة،
ولا صراخ. وكيف يختنق طفل ولا صراخ. كيف يقفز من المهد، الى مقبرة مفتوحة، ولا يتسع له أن يرى ما يحب قبل أن يغمض عينيه،
لا شيء! كأنما الغاز بلونِ يديه. كأنما الكيماوي يتنفّسه بكل فتيته بكل غباره، بلا رحمة، ولا غفران.
كانت الظهيرة بعيدة هذه المرة، والمساء أبعد والنجوم تخبئ موتاها بين لمعانها الأسود،
لحظةً عاجلة،
أف! مَنْ عَجّلها بهذه الأذرع المعدنية،
من دفعها الى هاوية قريبة،
بهذه العيون التي تشبه حجارة السابق، أيُّ صبح هذا يلتم فجأة على شمسه، ولا شمس، وعلى طيوره، ولا طير،
وعلى سخائه ولا برهة صاخبة، أو آهة، أو حركة تشبه الألعاب، أيام الأعياد، ولمّا يعرفوها، وترحلوا جماعات، فرادى في جماعات، جماعات في فضاء اكتظ بالرِّمم، والمعابر الموُصدّة، والترّهات، أي ليلة طويلة أعقبها فجرٌ تمادى بالدم، والحشرجات، ولجلجة الاختناقات، وفاح بروائح الآخرة،
لحظة لحظةً،
سماء سماءً،
صدراً صدراً،
قلباً قلباً،
كأنما وداع الأطفال من تَرَف الآلهة، من أبجديات مُبهمة، من سباقات غير مجدية، ولا طرقات، ولا إشارات، ولا مركبات، ولا ألوان، ولا بهرجات، ولا تطلّع من نافذة، ولا جنازات، ولا بخور، ولا ورود،
ولا إغلاق أبواب،
ولا صمت أنهرٍ ذهبتْ في مساراتها المتواطئة،
في هذياناتها الألفية،
ولا فراديس، ولا زبد، ولا ما يجري، ولا ما يبقى، ولا ما يدور.
نَهَمُ الموتِ حليب السّارين. جفاف الأوردة، تأتأة الأجراس،
من يرتضع عندها سموماً خصبة بموتاها، من أنفاس تقطعت، ومِزَقاً تحطّ على الأشياء، أشياءَ على أشياءَ، أطفالاً على أطفال، ملابسَ على ملابس، ومِزَقاً العيونُ، انغلقتْ على سُبُلها السائبة،
على غوطاتها نذيرِ ما يجعل الأشجارَ تتخلّى عن أوراقها والجذور تغرق في ظلماتها الجوفية،
وبلا عزاء يُذكر،
وبلا نَسَمة عارية غير مُحمّلة بروائح العدم،
أطفال منتصف الفجر، كانوا آتين بلا منّة، ولا بشائر،
وبلا زمن يتلمَّسونه بأصابعَ لا تعرف ما تنساه ولا تجهل شيئاً من أقدارها،
كان يُعوزَها ما يُعْوِز الطيرُ على مرمى الرّماة، ما يُعْوزُ أن يكونَ من أواخركِ ما تُبصره، وما لا تعرفه،
أطفال منتصف الفجر،
وأي فجر هذا لا يسبقهم الى حيث لا يريدون أن يذهبوا،
وأي سائل كيميائي يُحوّل الضوء ما يشبه المقابر القريبة،
مقبرةٌ أجسامُهم! أف! أطفال الغوطتين مقابر بيضاء بلا شواهد، ولا أسماء، غير مجدية، لدمع، أو لقضاء مقيم بين ولادة شاقة وميتة عجلى،
من عجّلها، بهذا الكمال العالي، بهذه التقنيات المُحترفة، بهذه الدقة الرفيعة التي لا يفوقها سوى دقة الغرائز الفائضة، دقة الخرائط القاتلة،
والقتل دقّة. والقتل صفاء الرامي، بكل رمية، وبكل طلقة، وبكل سقوط. ومن ظلاله، نفحٌ كثير من الموتى. الموت الجماعي: فردي. الفردي جماعي. تصير أجسام الأطفال طفلاً واحداً، بمئات الصدور، والأفواه، والرؤوس غير اليانعة، وتُقطف.
وكم سنة ماتت في أيدي أطفال الغوطة قبل أن تحمل زهرة. أو خضرة. أو دمية. أو كتاباً. أو تاريخاً. أو عُمراً. أُسدل الستار قبل بدء المسرحية. قبل طلوع الأطفال الى الكراسي. والنوافذ. قبل إدراكهم معاني الأحياء، والموتى، والمصائر، والأفراح، والخروج التدريجي من الرّحم الى اليدين.
يعدّون الموتى بالموتى. يحذفون الأطفال بالأطفال. ويتعبون. ذلك أن الأطفال اختنقوا قبل أن يكتشفوا أناملَهم. قبل أن يلسموا أفواهَهم، قبل أن يَرَوا عيونَهم. سواهم عدَّ أيامَهم الأصغرَ من أعمارهم.
كأنما ذهبوا من دون أن يأتوا. أو جاؤوا خِلسة بلا وقتُ يؤويهم. ولا شمس تلوّح أبصارهم، هكذا،
ولا علامات طرق. ولا عدّادات. ولا أرقام شوارع. ولا مدن. ولا دساكر. ولا ضوضاء. ولا انتظار. ولا مفاجأة. ولا خوف. ولا هروب. ولا اختباء. ربما، ألِفُوا ما عُوِّدوا: مزاراتِ الموتى. عطرَ الرحيل. دمَ الغابات المغلقة. هذياناتِ السلاح. دمدمةَ الرصاص. ربما أصغوا لحظة ببراءاتهم الناقصة الى ثُغائهم، لكي يردوا على ما يجيدون الرد عليه،
ربما، التمحوا قبل انقباضهم لمعانَ الموتِ الأول ممتزجاً بضوء الشمس، أو عيونَ أمهاتهم، أو أحضانَ آبائهم، أو وسادةً فقيرة، أو بساطاً ممزقاً، أو فقراً يقرأونه على جباه أهلهم، أو جدراناً مفتوحة ولا جدران، او سقوفاً مبقورة ولا سقوف، أو أراضي زرعها القصف، فلا أراضٍ، ولا حصاد، سوى رمال تمتد أمام أعينهم، رمال لا تشبه غير المتدافعين الى نهاياتهم.
أطفال منتصف الفجر، قبل فجرهم، وبعد ظهيرتهم، ولِماماً، رأوا ما يتساقط حولهم، بصمت الغازات السامة. كأنما يُقَلّدون في لجلجاتهم، مصائرَهم الغامضة. فِطامَهم الجاحد. فَطَمَهم الموت قبل أن يفطمهم ذلك الفجر. مَنْ سَبَقَ الآخرَ الى الاكتمال، شعاعٌ قَريب أم صيحة مختنقة. قصّروا عليهم الطرق. فلا طرق ولا مسارب. سرّعوا أيامهم فلا أيام. قطّعوا ثوانيهم، فلا ثوان. فصّلوا البدايات شلواً شلواً، كأن يقولوا أن الموت هو الآخرة، فكيف يكون البداية. البداية من أذرع انهارت دونهم. من صدور جَفّت على شفاههم. ولا نهارَ تراكَمَ على ركامه. فأي فوضى هذه يتحسسها الطفل الطالع بلا تمائم ولا أيقونات ولا أحجيات الى حياته، وأي خلجة لا تومئ. لا تنبض. لا تتنفس. تضارُبُ حواس فجأة. إنها الفوضى الجسدية. الكونية، فوضى الوظائف الأولى المعدّة لأبدان تسحب حضورها كأن تسحبَ من العين الأولى نورَها، ومن الثانية انقشاعَها، ثم الى الحنجرة، فتصير قصبة مسدودة... محطومة مكسورة. منقبضة، مُلتمة، محصورة، يابسة، لا منفذ لهواء، أو لصوت، أو لأُذُن تسمع، ثم الى الأحشاء، ضربة متوالية، تعطبها، ثم تعطبها، ثم تغلق عليها مداراتها، وكِواها: كأن قُذف الأطفال الى أعماق محيط سحيق، يتخبطون ولا نجاة، يهتفون ولا حبال، يصمتون ولا مجيب، والصمت لغة الأعماق.
إيقاع البطء. البطء آلة العذاب. فمن أين لهم أن يعرفوا سر هذه العذابات، رموزَ القتلة، أصابعَ الرماة، عيون الدكاترة المتفننين بصناعة الموتى. ولربما، شاقَهم، وكثيراً، أن يتجاوروا في الساحات، أو في الغرف، دوائر، أو مربعات، مُسجّين بهياكلهم الصغيرة بأكفان بيضاء هنا، وبملابسهم الأخيرة هناك: لوحات مشهدية بألوان عيونهم. وجلودهم. وعُريهم. وغياباتهم. وأصابعهم. قرب آبائهم المُمَدّدين جوارَهم: أعمارٌ تلتقي في نقطة أخيرة. على منعطف سريع. كلمات تحطّ على صدورهم حطّ الغبار على أسماعهم. ولربما، وفي هذه اللحظات، تَذَكّر آباؤهم أو أمهاتهم ما آتاهم من الذاكرات المشروخة من صنائع القتلة: صبرا وشاتيلا! أتكون صبرا وشاتيلا انتقلت الى الغوطتين، ومعها الأعداء أنفسهم وشارون وقرينه السوري، وبيغين وقرينه الفارسي. والسِّحن أنفسها. والمعادن أنفسها. أتكون مجزرة قانا (عناقيد الغضب) تقمصت أيدي سفاحيهم؟ أو على المقالب الأخرى: حماة! أتكون زَحَلَتْ حماة 1982 بجنون موتاها المؤلفة الى حدودهم، والقتلة أنفسهم، والسلالات المدموغة بالموت ذاتها، أو أبعد في كتب التاريخ: هولاكو! وبعده هتلر... وحلبجة (1988) وعلي الكيماوي. لحظات تكتنز قريناتها. بلا موئل. ولا غفران. وكيف ترعش عيون من أطبق عليها الصلصالُ بأثقاله. عيونُ الطغاة. وكيف تهتز مشاعر صُبّت عليها أطنان الإسمنت. إنهم طغاة الأمس. واليوم. وغداً. جلجلات التاريخ يفرشها القتلة بأيد ثمينة، من أرواح ضحاياهم حية بدمائهم. وبقلوب طمرت دوراتها مع الراحلين. لكن، كأنما الأطفال في قيلولاتهم الأبدية، يتبقى لهم ربما أن يحسّوا، ما تعلموه في بطون أمهاتهم، ومن أذرع آبائهم، إنهم فتحوا النهايات أيضاً. تقاطع يشبه المعجزات: دماؤهم تقتحم المساحات المقبلة، لتردم ما تردم من حصون قَتَلَتِهم. ومن قال أن الطفل لا يقتل قاتله لحظة قتلِه! اختلج صمتهم، كأنما من هزة فرح: شهادتهم تكتب نهاية الطغاة. الطغاة يكتبون نهاياتهم بدمائهم... وكيف لا يحدس الطفل، ولا يعرف البالغ، ولا يتذكر الراحل، أن من أبادهم بالألوف المؤلفة، يحفر مقابره بيديه؛ وكيف لا يفقه من يفقه أن الطغاة، مسلوبي العقول، والظنون، يعرفون أنْ أزِفَت نهاياتهم. وإلاّ كيف لا تفسّر المذابح، والغازات، والمدافع، والصواريخ، يأسَهم، وضَعفَهم، وهشاشاتِهم، وعزلاتِهم، وخوفَهم وجُبنَهم. وأيٌّ أجبن من يائس، يقتل العالم كله بعده! عليّ وعليهم. هذا ما صرخه نيرون وفي عينيه لهيب الحرائق. وهذا ما التمعه الطغاة عندما انغلقت جدرانهم عليهم واختنقوا في مربعاتها، وفي سقوفها التي تدركبت على رؤوسهم. لحظةَ هتلر أنْ نظر حولَه ولم يرَ سوى ضحاياه. سوى خراب جسمه. سوى تشوش عقله. سوى وسواس هزيمته القصوى. فلأحترق بيديّ هاتين قالها وبالحرائق التي أشعلتُها. ولأُدفنْ في التراب الذي نبشتُه للعالم.
... وطغاة دمشق في لحظاتهم القصوى. يعدمون كلَّ نفس حية. وكل أَثَر. وكل طفل (كما فعل هيردوس). وكل أب وأم. وصديق. كل من وقف وقال لهم: هذه نهاياتكم تلوح بمناديلها السوداء.
أطفال الغوطتين قَتَلوا الطغاةَ... وأغمضوا عيونهم الى الأبد! أطفال الغوطتين أسقطوا الطغاة قبل سقوطهم:
الآلات الجهنمية وجدت أخيراً من يحطمها!
(ليل الأربعاء، صباح الخميس
في 21 آب 2013)
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.