روائيون أساسيون قالوا في ما مضى واليوم إن كل رواية مهما بلغت موضوعيتها، أو مجافاتها إشراك الخاص أو الداخل في بنائها، فهي سيرة ذاتية. ويرى الكثيرون أن كل رواية تُكتب (أو تُروى كحكاية) هي تخيل Fiction. وقال آخرون حديثاً إن كل رواية أو سيرة ذاتية هي auto fiction فالتسمية جديدة. بل وذهب بعضهم أن الرواية العالمية اليوم تجاوزت كل الحدود السابقة منذ دونكيشوت الى آخر الانتاجات الجديدة. وصلت الى أمكنة غير محددة. تقاطعت مع الشعر وحتى مع القصيدة، تقاطعها حتى مع البحث النقدي، والمسرح أو النص اللاهوتي أو النصية المفتوحة، أو الهُوّية الهاوية. لا مدارس. ولا شروط. كل نص يحفر نوعه بتجربته اللغوية والبنائية. وهذا ما أصاب المسرح مع جيل في الثمانينات وحتى اليوم خصوصاً في فرنسا: حيث يمكن أحياناً الخلط بين نص مسرحي (أو هكذا يسمى) ونص روائي، أو قصصي! وهكذا الشعر والفنون التشكيلية. هناك انقلابات وثورات تبشر منذ ثلاثة عقود خصوصاً في أوروبا بتمازج الأنواع. وبانفتاح النصوص على فضاء واسع من الحرية...
عندما قرأت انطوان الدويهي حامل الوردة القرمزية (الدار العربية للفنون والنشر)، تداعت فيّ كل هذه الخواطر، والأسئلة، أترى كتاب الدويهي سيرة ذاتية في قالب روائي، أم رواية من مناخ ذاتي. أكثر: وأسأل: أين يبدأ إذاً الموضوعي، وأين يبدأ المتخيل (fiction)، أم هي مزيج من الاثنين؟ ذلك أن نصّ الدويهي، يوحي أنه تداعيات تجارب شخصية، عبّر عنها بصيغة المتكلم أي الأنا. لكن أنا الدويهي هنا في سياق تذكراته، ومعاناته السجن، والتوقيف الاعتباطي في البداية، ومن ثم كشف شيئاً فشيئاً عن أسباب التوقيف، هذه الأنا تبدو جماعية، فشبح الطاغية يترصد الكاتب منذ مدة طويلة، في المنفى، أو في المغترب (باريس)، أو حتى في الوطن أو المنطقة. جماعية لأن هذا الطاغية عمّم ملاحقاته على امتداد أكثر من نصف قرن، الطاغية الشرقي سجن مئات الألوف، وقتل وأعدم مئات الألوف. وفتح السجون واسعة حتى تحولت البلدان (العربية) الى سجون كبيرة. من دون أن ننسى فنون التعذيب، وقطع الأعضاء، وفقء العيون، وخصي الرجال، وارتكاب المجازر. فهذه الأمور خَبِرَتها الناسُ وعرفتها وعاشتها، وقلّما نجا كاتب أو شاعر أو فنان أو صحافي من آلة الطاغية العربي (والشرقي). وهكذا نرى في بداية رواية الدويهي، وكأن التوقيف تمّ اعتباطاً، ليذكّرنا برائعة كافكا القضية وبطلها مستر ك. الذي تمّ اعتقاله وخضع للتحقيق من دون أن يعرف السبب. ولربما كان يتذكر كافكا الأب الأكبر في الاتحاد السوفياتي، ومخابراته وأجهزته وقُضاته وانتهت الرواية الدهليزية من دون أن يعرف مستر ك (هذه الضحية التراجيدية) لماذا أوقف، خصوصاً أنه كان ممنوعاً عليه ربما أن يسأل. (الجانب الميتافيزيقي).
لكن الدويهي بسط الحقيقة في نهاية الرواية. اعترف المحقق الكبير أنه أوقف بسبب رسائل بعث بها... يزعم أنها تتضمن أسراراً، أو معلومات تُضر بالأمن.. ليستكمل المعرفة باقتراح صفقة على الكاتب: الحرية مقابل الرسائل. وعندما نركز على هذه الناحية لا نغفل حادثة عابرة تتمثل برفض الكاتب قبض مبلغ لقاء عدة مقالات في إحدى الجرائد التي تنتسب للطاغية! وهذا ما يلقي شبهات تصل ربما الى الخيانة العظمى! ولكن هل يُعقل أن تصل خفة الطغاة وأدواته ومحققيه الى مثل هذه الإدراكات الغبية، التي ربما وصل اليها الأخ الأكبر في رائعة أورويل 1984، والتي نتابع فيها عين الطاغية التي لا تنام. وتلك الشاشة الكبرى. وتلك المراقبة المرضية الدائمة لكل فرد، هذا التجسس المستهدف بحيث اعتبر البعض أن أورويل تنبّأ بما يُسمى اليوم عصر الكاميرات المراقبة في كل مكان. كأنها عين الأخ الأكبر في الزمن المعولم. في الزمن الأمني بامتياز خصوصاً في أوروبا... وأميركا والصين...
تذكرت أورويل. وكافكا. لكن عايشت مع رواية الدويهي ما عاشه كثيرون في بلدنا... وفي العالم الثالث، بعد الاستقلال، وقبله مع المستعمرين الأوروبيين الذين لم يوفروا أحداً من تجسسهم ومخابراتهم! والاستعمار طغيان!.
لكن عندما تقرأ يوميات، أو وقائع رواية الدويهي، تعيش كل تفاصيلها، بحواسك، وذهنك، وتستعيد أزمنة الخوف، والهروب والاضطهاد والقمع والترهيب، والسجون والمعتقلات التي ملأت لبنان على امتداد خمسة عقود!. إنها لحظة الفرد المثقف الذي يواجه وحده في زنزانته ذات الكوتين، نظاماً كاملاً من العنف الرمزي والمادي متمثلاً بما عرفناه من طغاة شموليين... الفرد وحده مقابل نظام، أي مقابل آلة أي مقابل جهاز مختزل بمحققيه ومن ثمّ بالمحقق الكبير القريب من الطاغية. أي ذراعه. ولسانه. وقدمه. وآلته الجهنمية. ليعكس كل ذلك المدى اللإنساني أو البربري الذي وصلت اليه الأنظمة العربية (الشرقية) في محاولة سحق كل شعور إنساني، أو كل تفكير بكرامة، أو كل هاجس بحرية، أو كل إحساس لدى الكائن بإنسانيته أو بآدميته! إنه الفرد المعتقل في زنزانته... والمجتمع الغائب. فهناك هاوية بين أداة القمع وبين المقموع. بين القاتل والقتيل. وهذا يعني أن الفردية المضروبة الملغاة والمتمثلة ببطل رواية الدويهي تختزل المجتمع كله.
فعندما يُعامل فرد أو مواطن وكأنه مُشيأ أو منفي، أو لا كائن، أو معدوم الوجود، فهذا يعني أن المجتمع كله في دائرة الاتهام. وهذا يعني أن الفرد المقهور هو المجتمع المقهور كله. والفرد العاجز عن الدفاع عن نفسه هو المجتمع العاجز، الخنوع، المقصي، المغلوب. مجتمع الـ99,99 بالمئة!.
وهذا ما يمكن أن نتلمسه تلمساً من غياب الآخر، غياب الصوت الجماعي عن نجدة بطل الرواية المسجون. غياب الغضب. غياب الاحتجاج. غياب التمرد. غياب العصيان. الصرخة. غياب استرجاع الوردة القرمزية وردة الحرية كما يقول الدويهي في روايته. حتى أهل الموقوف، يلجأون الى الأساليب القانونية المعهودة، ما عدا والدة الموقوف عندما تهدد بقطع الطريق احتجاجاً على اعتقال ابنها. ونظن أنه الصوت أي صوت الأم المبشر بكسر جدار الخوف. الصوت العالي الهاتف ضد الظلم، والقهر. صوت الأم هنا كأنه من أصوات الربيع العربي المبكرة! لكن رواية الدويهي هي مساحة كبيرة للتداعيات. مساحة العزلة القسرية بين جدران أربعة، والتي تفتح ذاكرته الفردية (والجماعية) على تداعيات، وعلاقات، ونساء، وأقارب، وأصدقاء، وعودة الى الوطن بعد غربة... إنه الخاص الذي يمتلئ بلغة شعرية، وبصور رائعة ومشهديات طبيعية، ولحظات مرهفة، تكتنز هذا الوحيد بين جدران الطاغية. وهنا يمكن الكلام على سياق روائي امتص كل هذ التداعيات، والاسترجاعات، وأشكال الحنين، الى الطبيعة، والبيت، وحتى الى المنفى. فبكتابة تجمع بين شعرية موظفة في سياقها، وبين سردية مضبوطة بايقاعاتها، وبين واقعية مباشرة في النهاية تشكل تتويجاً للبناء الروائي، نكتشف تعددية الأنا، والأنا الخصبة بتأملاتها، وآلامها وجروحها واليقظة ألم. والمعرفة... شقاء... المعرفة الشقية أو الواقع المتراكم على حكامه التاريخيين. وما حامل الوردة القرمزية سوى توق حاسم الى الخروج من هذه التراكمات التي تطمس الحقائق الكبرى (يمثلها انطوان بالوردة القرمزية: وردة الروح) أو وردة الخروج، الوردة التي تجرح بشفافياتها أحياناً معدن الطغيان. وعندما يتكلم الدويهي بصيغة المتكلم كأنه يتكلم بصيغة الجمع. الأنا الجماعية، ولو غابت عن سطح السرد وقائع وجرائم رهيبة (وأرهب مما عاناه بطل الرواية)، لم تعدم روح الحرية، أو تقطع حتى عصب الرفض، فقط، بل ضربت العمق التاريخي وحتى الجغرافي والنفسي لكل بقعة وفكرة، في هذا المشرق. بل، كأن الدويهي يقول في خلفيات النص، وفي كواليسه إن الطغاة لم يشوهوا فقط التواريخ الفردية والجماعية، بل غيّروا التاريخ نفسه وأسقطوه في اللاتاريخ. أوقفوا التاريخ في لحظاته الجامدة الميتة، أو دفعه الى وجهة معاكسة، مناقضة للإنسانية نفسها. ونظن أن رفض بطل الرواية مقايضة الحرية بالكتاب، ليس سوى رفض اختزال الفرد في الآلة اللاتاريخية للطاغية الشرقي (أو قبله الغربي) بمعنى أن البطل رفض أن يُلغى تاريخ يصنعه بموقفه وكتابته مقابل لا تاريخ يُصنع له!.
وهذه معانقة بلا حدود للحرية. بل هي لحظة خروج من الانتظار، والعزلة... الى الفضاء الواسع، وأقصد الجماهير بصيغة الأنا... والأنا بصيغة الجماهير!.
ونظن أن زمن الطغاة اللاتاريخي المُعوّم بأجندة العنف، يريد، وأكثر ما يريد، وكما نقرأ بين تضاعيف الرواية، استلاب المثقف، والثقافة، ومصادرتها. وكما حوّل التاريخ الى لا تاريخ، ها هو يريد، عبر محاولته تهديد بطل الرواية، بتحويل ما هو ثقافي وحيّ وداخلي وحتى نقدي الى ما هو لا ثقافي. وهنا يمكن استشفاف نقد غير مباشر (بل ومباشر) لهؤلاء المثقفين من كتاب ومفكرين وصحافيين، الذين قبلوا بطاقة إلغائهم، وتحويلهم الى آلات غير ثقافية مجوفة يملأها الطاغية بإلزاماته ومواقفه. وكأن انطوان يقول: إذا باع الإنسان مواقفه، فهو يصبح بلا مواقف، وإذا باع فكره يصبح بلا فكر. وإذا باع روحه يصبح بلا روح. وإذا باع حياته يصبح ظلاً باهتاً للطغيان، وهذا هو المعنى العميق لكون الموقوف مثقفاً. صحافياً. كاتباً لا سياسياً مثلاً. ذلك أن الثقافة، كما نستدل من نص الدويهي هي جوهر المواجهة، لأنها جوهر الحياة، ولأنها جوهر الحرية. ومتى تخلّى عنها أصحابها، مقابل سلطة أو مال... فكأنما تخلوا عن وجودهم. وعندما رفض بطل الرواية مقايضة الحرية بالكتاب كأنه انضمّ الى وجوده العميق. الى كائنه الإنساني، الذين يريد أن يسلبه إياه... هذا الطاغية الشرقي.
واذا كانت الرواية نُشرت اليوم، فكأنما انضمام لمعانيها، ووقائعها، وناسها، الى هذا الربيع العربي الذي صنعه الشعب، ودحرج الطغاة عن كراسيهم بل كأنما نقرأ في نهاية النص، أن التاريخ العربي بدأ يعود الى نفسه... وأن ظواهر الطغاة اللاتاريخية، باتت وراءنا!.
إنها لحظات الانتفاضة الجماعية الكبرى. هذا ما ختم به الدويهي روايته.
نعم! حامل الوردة القرمزية يصير ملايين من حمَلَة الورود. ملايين من حمَلَة المشاعل. ملايين من رافعي وردة الروح... وردة الحرية... في الميادين والساحات.
مختارات
بعد أن خرجت شيئاً فشيئاً من ذهولي، قلت لنفسي: هكذا إذاً؟. لقد اتضح أمامي الآن كل شيء، لا شك في أن يد الطاغية كانت مباشرة وراء ملاحقتي طوال تلك السنوات. فلا بد أنه كان يولي مجلة مرآة الشرقاهتماماً خاصاً ويعتبرها العنوان الأرقى لنظامه في الغرب، مراهناً على دورها في تحسين صورته. لذلك بذلت الجهود، ودُفعت الأموال، لجعلها تضم مجموعة من الوجوه والأقلام المعروفة، المقيمة في معظمها في العواصم الأوروبية، وغير المتورطة في نشاطات مثيرة للشبهات. أغلب الظن انه كان يطلع على المجلة، وقد جذبت انتباهه قضية هذا الكاتب الذي هو أنا، الذي يتهرب من قبض ثمن مقالاته لأسباب مجهولة، والذي يرفض العودة الى الكتابة على رغم الاغراءات المالية الكبيرة المقدمة اليه. ما لفت نظره هو على الأرجح فرادة هذه الظاهرة وغرابتها، ما جعله يرغب في فهم دوافعها، وجلاء شخصية صاحبها، وصولاً الى مراقبتي الدائمة على مدى تلك المراحل. وأغلب الظن أن يكون هو الذي أوعز برفع الاغراءات المعروفة عليّ آنذاك الى حدّ الشيك على بياض، لكن من دون جدوى. وأرجح أن عدم تحقيق مراقبتي وملاحقتي أي نتيجة، نظراً لابتعادي عن كل نشاط عام وعزلتي وغوصي في عوالمي الذاتية، قد قوى فضول الطاغية تجاهي وعمّق رغبته كشف سرّي. فلا شك في أنه هو الذي أوعز بمراقبة آنا بعد عودتي على أمل التوصل الى شيء ما حولي. وليس الا عبقريته وتوجسه الرهيب من الأخطار المحيطة به في كل مكان، اللذان أوحيا اليه بأن شخصي ينطوي حتماً على أمور معادية لا بد له من ادراكها، وان كان لا يوجد أي دليل من أي نوع عنها. وأعتقد ان العثور في نهاية المطاف على رزمة الرسائل أسرّه كثيراً، لأنه أكد له مرة أخرى حدسه الذي لا يخطئ والذي نجّاه من أخطار لا تُحصى، وأوقعني بعد طول انتظار في قبضته.
غريب القدر. كم هي صحيحة العبارة التي تقول: لا تخشَ شيئاً، فما يخشاه المرء يقع فيه. لم يجنّبني هاجس الحرية المتجذر في ذاتي، ولا خوفي الدفين من فقدانها، ما كنتُ أهرب منه على الدوام وأقصي نفسي عن كل مكان ينوجد فيه: ظل الاستبداد. فتوقي الى حواضر الغرب وعوالمه، وخشيتي التجوال في أنحاء المشرق، المرتكزان على هذا الهاجس، كانا في الحقيقة خدعة مأسوية كبرى من خدع القدر. كذلك بعدي عن النشاط السياسي والعمل العام، وانصرافي الى داخل ذاتي. فقد كان شبح الاستبداد متربصاً بي حيث اعتقدت انه المكان الأكثر بعداً عنه: ضفاف نهر السين.
وكان يكفي ان أقترب قليلاً، في لحظة تخلٍّ، من تلك المجلة، فأنشر فيها باسم مستعار مقالات أربعاً عن أربع مدن أوروبية، قبل أن أرفض قبض ثمنها وأمتنع نهائياً عن متابعة الكتابة وأختفي عن الأنظار، حتى أقع من دون أن أدري في مرمى الاستبداد وداخل حلبته. لقد ولجت عين الاستبداد عبر الاستيلاء على رسائلي الى أعماق حياتي الداخلية، وهذا أبشع ما يمكن أن يصيب شخصاً مثلي. كما لوثت وهي تلاحقني في الخفاء، كل الأمكنة والمشاهد التي أحبها، فلم يبق لي شيء من ذلك الماضي الا وأفقده الاستبداد ذاتيته ونقاوته وسحره. وفوق ذلك كله، خسرت أقدس ما عندي: حريتي.
إما طريق سجن بلعة، واما طريق الكتاب؟. خيار موهوم لا يؤدي الى أي منفذ، فالطريقان يقودان الى المكان نفسه. لقد أطبق الطاغية عليّ فعلقت في شبكة عنكبوتة، التي لا خروج لي منها بعد اليوم. فمن الواضح انه لا يعطي الأولوية معي للعقوبة الجسدية، بل لما هو أعظم وأدهى: قتل الروح. قتل الجسد أمر سهل عليه، وفي رصيده منه على مدى حكمه الطويل مئة ألف قتيل. أما قتل الروح فهو الأصعب، وهو الأجدى، وهو الأكثر مسرة على قلوب الطغاة. وبما أني ارتكبتُ في الاساس جرماً فكرياً هو رفض الكتابة في مجلة مرآة الشرق، ولو باسم مستعار، ولو عن المدن الأوروبية، فالعقوبة القصوى ستكون من النوع نفسه، وهي كتابة قصة حياة الطاغية وتاريخ عائلته، غصباً عني، وفي مؤلف يحمل اسمي وتوقيعي. وهي ليست اي قصة، بل تلك التي يريدها الطاغية لنفسه، القصة الرسمية التي سيضع على غلافها صورته، الصورة المائلة أمامي منذ أشهر طوال في سجني.
ولأنه يهدف الى قتل الروح باستمالتي الى كتابة قصة حياته، استعمل معي حتى الآن الترهيب المخفف، بتوقيفي في سجن لائق وعدم تعريضي في أي وقت للاذلال أو التعذيب. لكن هذه المرحلة انتهت الآن الى غير رجعة. وعليّ الاختيار من الآن الى صبيحة يوم غد بين طريق سجن بلعة وطريق الكتاب. أعلم علم اليقين أني لن أكتب هذا الكتاب. فإذا كنت أدركت أني لو قبضت ثمن تلك المقالات، أو عاودت الكتابة في تلك المجلة ولو عن أمور ثقافية وجمالية، لتغيّرت علاقتي بنفسي على نحو لا أحتمله، ولفقدت صفاء ذاتي، وصفاء نظرتي الى ذاكرتي والى حاضري، والى الأشخاص والأشياء والأمكنة البهية الحضور في داخلي، ولارتكبتُ خيانة لصورة طفولتي، ولوجه والدي ووالدتي، ولذكرى من علّموني، ولكل من عرفت وأحببت في حياتي، فماذا سيحدث لي الآن غير قتل روحي اذا ما كتبتُ هذا الكتاب؟ من المستحيل أن أفعل.
لكنّي، مع ذلك، سأبلّغ المقدّم سالم صباح غدٍ أني اخترتُ طريق الكتاب. لأني أعلم ان اختياري سجن بلعة لن يغيّر في الأمر شيئاً. فلن يكون هذا السجن إلا وسيلة سيستخدمها الطاغية لتحطيم ارادتي برميي في زنزانة ترتادها الجرذان واخضاعي لشتى أساليب التعذيب النفسي والجسدي، كي يطرح عليّ من جديد الخيار نفسه: الزنزانة أم الكتاب؟ كذلك أعلم أني اذا اخترت الكتاب، وبعد عام لم أفِ بوعدي، فسوف يكون مصيري الزنزانة نفسها مع مضاعفة تعذيبي، ووضعي مجدداً بعد أسابيع أو أشهر أمام الخيار عينه: الجحيم أم الكتاب؟ لن يفكّ الطاغية عن ملاحقة قتل روحي حتى النهاية.
سأختار طريق الكتاب ولو كانت ستودي بي بعد عام الى جحيم بلعة، أو زمهر، أو أي سجن مماثل، مع عذابات مضاعفة أضعافاً. سأكسب بعض الوقت، ما يتيح لي رؤية أمي، ولقاء رانيا، لمدة عام. كما سأحاول قبل انتقالي من هنا انقاذ مفكرتي التي أحضرتها لي والدتي سراً قبل أشهر، فأعيدها اليها سراً خلال زيارتها المقبلة لي، وأطلب منها اخفاءها في مكان آمن يستحيل اكتشافه، واخبار رانيا وحدها به. كما سأعمل على ايداع رانيا سراً هذه الاوراق الحاوية يوميات حصن الميناء علّه يتم نشرها ذات يوم. سأقول لها في شأنها ما يأتي: اقطعي لي يا رانيا وعداً على نفسك بأنك لن تفتحي هذا المغلّف، واقرإي أوراقه وانشريها في كتاب، في حالة واحدة: اذا مات الطاغية وانهار نظامه، سواء أكنت أنا حياً أم لا، لا فرق.
هل أنجح في ذلك؟ لا أدري حقاً. أعلم أني عالق في شبكة عنكبوت الطاغية الرهيبة، ولا خلاص لي منها الا بأحد أمرين: موتي، أم موته وانهيار نظامه. لكن مهما يكن من أمر، يغمرني الآن هدوء غريب بعد أن اتخذت قراري وحسمت أمري. أنظر الى الكوّتين الكبيرتين المستديرتين اللتين تغشاهما الظلمة واشعر بأن قدراً يحميني. أشعر بأن قربي من طفولتي وطيف والدي، وصورة والدتي، وحب رانيا لي، وحضور ذاكرتي القوي فيَّ، والجمالية والرأفة اللتين أرنو بهما الى الكائنات والأشياء، وكل الوجوه التي همت بها، وكل المشاهد والأمكنة التي ولجت ذاتي، واقترابي الدائم من باب الأسرار، وكل تلك الظلال غير المرئية إليَّ لا أعلم من أين، التي تخفر وحدتي في كل آن، ترسم حولي هالةً تحميني وتلازمني كظلّي أينما حللت، وأشعر بأن اللغات التي أحبها تنسج حولي نقاباً من الكلمات كأنه درع سحرية. وأشعر أيضاً بأن ألوف الطيور ومئات الأشجار الموصول بها والموصولة بي في حديقتنا الكبرى، وكل الأشجار الباسقة الى عرفتها وعرفتْني عن كثب خلال صباي الأول وهجرتي، ترافقني وتحرسني على طريقتها. كما أعلم علم اليقين ان الواقع، كل واقع، يوحي بأنه أقوى بكثير مما هو عليه. وأن كل واقع، حتى الأكثر متانة واستقراراً، تسري في أنحائه حركة تحول دائمة لا تتوقف، ظاهرة أكانت أم خفية. وأن كل واقع مسكون حتماً بالتناقض والعطب والهشاشة، المودية به عاجلاً أم آجلاً، الى الانهيار، ان الألوف المؤلفة من المعذبين في أجسادهم ونفوسهم، والألوف المؤلفة من المقتولين الواعين موتهم، لا تضيع صرخاتهم وحشرجاتهم كالهباء المنثور، ولا هي تذوب في ذرات الهواء فتبددها الرياح، كلاّ، انها تتسرب عميقاً الى خلايا النظام وعروقه وشرايينه، حين تصنع له موته. لا أحد يعلم تلك الساعة. فجأة بعد يوم، أو شهر، أو عام، أو أكثر، يترنح شبح الخوف داخل النفوس لا أحد يدرك لماذا، فيخرج الشعب كالنهر الهادر ويأخذ في طريقه كل شيء. وعندما تُنشر هذه الأوراق في كتاب لا أعرف عنوانه، ستكون من بين اليمام الحامل براعم الزيتون، المنبئ بانتهاء الطوفان، المعلن فجر الحرية.
(من الفصل الأخير من الرواية)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.