8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

يعقوب الشدراوي فنان كل الفصول!

رحل الصديق الكبير. الكبير يعقوب الشدراوي. بعد عذاب طويل، مستمر، مع المرض، الذي لم يستسلم له، وقاومه سنوات، ليهزمه في النهاية. يعقوب الشدراوي، وهو أحد رواد المسرح اللبناني والعربي، كان أكثر من مسرحي. أكثر من متمكن في الكتابة. وأكثر من مبدع في الإخراج. وأكثر من طليعي في المسرح وتقنياته، ومناخاته، ومنصاته؛ وأكثر من شفاف في التقاط الأسرار الخبيئة خلف النصوص، وكذلك الأشكال والحركات والفضاء المسرحي. يعقوب، الى ذلك كله، كان رجل مواقف. رجل قضايا. رجل مدينة. رجل وطن. وهذه مواصفات الشاعر، والكاتب، والمسرحي الذي لا يكتفي بتجريبات تقنية (على الممثل والسينوغرافيا، وحتى الكوريغرافيا، والمشهدية)، بل يعتبر أن النص الحياة، النص المتعدد الطبقات، النص المجتمع، النص الحياة، النص الموقف (المفتوح) هو الجزء الأساسي من عمل تجريبي وأكثر لكن على مساحة مضبوطة، متماسكة، حية. أبعد من التجريد، والتعميم، وحتى التخصيص. وعلى هذا الأساس قاربنا مجمل أعماله عند تقديمها. ولهذا، قاربنا مواقفه من الحرب، وجنونها، وأبطالها، وخلفياتها، وتفاسيرها، وتآويلها... إنه السابر الطقوس، والقشور، وظواهر العنف، الى ماهياته الحيثية والحسية، أو بالأحرى تحولاته الداخلية. فالمسرح يؤدي الى ما بعد المسرح. الى ما فوقه. أو الى ما تحته. أو الى ما يسوقه في رحلته الغامضة. فيعقوب الذي لم يهاجر البلاد، بقي ثابتاً في منزله في الحمرا. تماماً ككثيرين من الفنانين والكتّاب. لكن وراء هذا الثبات في المكان تمسك بالجذور. فيعقوب لم يخطئ حيث أخطأ عديدون من أهل المسرح، بجرّ هذا الفن النبيل الى قاطرة الطوائف، أو الميليشيات، أو الى الأحزاب، أو حتى الى الأمراض المذهبية، وصولاً الى الإيديولوجيا المغلقة. بقي على المسافة المستقلة المأهولة. فهو يكتب لكل اللبنانيين. لا لهذه المنطقة ولا لتلك. لا لهذا الفريق. ولا لذاك. ولهذا قد يكون يعقوب الوحيد الذي لم يتنقل بأعماله بين المناطق، والأمكنة، بقي في بيروت. فهذه المدينة المتنوعة لا بد من أن تبقى ولو نسبياً الفضاء الجامع لكل الأطراف والمناطق... والحساسيات والأفكار.
بدأ قبل الحرب، وافتتح مشواره بـأُعرب ما يلي، وهو تجريب أول خصب ممسرح للنص الشعري، كاسراً بذلك أنماط القراءات الشعرية المسرحية المسطحة بأداءات خطابية، أو برانية: المجسد صار جزءاً من النص. والصوت صار النص. والصمت صار النص. والسينوغرافيا صارت النص، والممثل بؤرة هذه العناصر كلها. فالشعر في الكتاب صامت بشروطه الخاصة، بكمونه أو بظهوره. بطبقاته أو بقشوره. بأوزانه أو بإيقاعاته. وعندما ينتقل الشعر من الكتاب الى الورقة يُصبح مسرحاً. يصبح الشعر فناً آخر. يُردف بحياة جديدة. باحتمالات مفاجئة. بتوقيعات مختلفة. ولهذا كان أُعرب ما يلي حدثاً مسرحياً طالعاً من الشعر.
وإذا راجعنا معظم أعماله المسرحية من ميخائيل نعيمة (1980)، الى جبران والقاعدة (1982)، فإلى الطرطور ليوسف ادريس، وموسم الهجرة الى الشمال (للطيب صالح)، وبلا لعب يا ولاد، ونزهة ريفية، وبحرك يا إسكندرية عجايب لأسامة العارف، نجد بكل وضوح أن يعقوب الشدراوي أكثر المخرجين العرب الذين تعاملوا مع النص الأدبي (وقبل ذلك الشعري). (وهنا لا ننسى تعامله مع بعض نصوص الشاعر السوري الكبير محمد الماغوط في المهرج كتوجه شعبي لا شعبوي، ومع الكتاب، سواء كان النص رواية (موسم الهجرة) للطيب صالح، أو أعمالاً مختزلة (نعيمة وجبران)، أو نزهة ريفية. إنه مخرج يؤمن بأن النص هو الينبوع الذي منه يستمد المخرج، تقنياته، ومخيلته الفنية، وأدواته الأدائية، والتمثيلية. فيعقوب الذي لم يتعامل مع النصوص وكأنها مقدسة تصرف بها من احتمالاتها، أو قراءاتها الخاصة. ولذا فهو اشتغل على كل النصوص ككاتب وكتقني ومخرج... لكن بقي في أدراج الشدراوي نصوص عدة كان يود أن يقدمها، لكن الظروف لم تسمح له بذلك مثل البخيل لمارون النقاش، والأم كوراج لبرشت... لأنه كان يواظب على القراءة، والكتابة والاختيار. وإذا عرفنا أن يعقوب الشدراوي يعرف كيف يتعامل مع السينوغرافيا (غازي قهوجي اشتغل معه أعمالاً عدة لا سيما الطرطور)، وكذلك الإيقاع الموسيقي، عرفنا أن هذا الكبير كان ذا ثقافة موسيقية واسعة، وذا ثقافة تشكيلية مرهفة. وهذا ما ساعده على ربط السينوغرافيا بحركة الممثل، وبالإيحاءات التي تبثها هذه السينوغرافيا في إطار مشهدي، جمالي، درامي، بعيد من الشكلانية (التي وقع فيها بعض المخرجين التونسيين والعرب)، وبعيد عن المجانية، والإبهار البراني. فالسينوغرافيا (ليست الديكور) ليست من الزوائد التزويقية التي يمكن أن تطمس وجهة العمل، وعناصره النصية والتمثيلية والتأويلية (كالكوريغرافيا أيضاً). ولهذا، فالممثل، عند يعقوب الشدراوي (كالنص) هو البؤرة الأساسية الدرامية التي تعطي السينوغرافيا معانيها وتشكيلاتها (المسرحية) غير المستقلة عن سياقاتها، ولا عن بنيتها. فالإبهار السينوغرافي يتحوّل بطلاً، وتصبح العناصر (الأخرى كالتمثيل والإخراج من مفردات ثانوية تنفي المسرحية نفسها، وهذا يعني أن الشدراوي عرف (مع الذين عمل معهم) كيف يُمسرِح كل العناصر في بنية متماسكة وتتنفس بحرياتها، وحيواتها تمتص مجمل التفاصيل، لتكون ما يُسمى الوحدة الإيقاعية (فالإيقاع يعني البنية).
من هنا، من الصعب أن نجد عن يعقوب نوعاً من التنافر بين مكوّنات العمل المسرحي. أو تنافساً مجانياً. أو تناكراً كما وجدنا عند كثيرين من المسرحيين كباراً وصغاراً، عندما اعتمدوا تغليب عنصر على آخر: كالشكلانية على النص. أو حتى الماكياج على الوجه. أو حتى الحركة الكوريغرافية عن ارتباطها العضوي المتوازن مع سائر الأطراف. كأن نقول عندها أن في هذه المسرحية مسرحيات عدة متضاربة بلا تفاعل، ولا ذوبان: مسرحية كوريغرافية مستقلة. مقابلها أخرى نصية. مقابلها مسرحية سينوغرافية... وهذا ما لحظناه في أعمال كبرى. أكثر: عندما كنت تخرج بعد انتهاء أحد عروض الشدراوي لا تحس بأن الإيقاع متراكم أو بعيد. ولا تقول كما كنا نقول مراراً ليته حذف ربع المسرحية لكانت أفضل. لا! فضعف الإيقاع العمومي الشامل عند المخرج، يوقع العمل بالكسل، والبطء، والتفكك، وبعدم التوازن، وبالزوائد (الإيقاع في الشعر أو في المسرح هو إزالة الزوائد!)...
ونتذكر أن يعقوب كان أثناء التمارين صارماً! دقيقاً، منتبهً، مُلحاً. لكنه في الوقت نفسه، يُحفّز الممثل على استنباش ما في داخله، في ارتجالات عديدة، وفي جهود متكررة مضيئة. وفي هذا الإطار نظن أن يعقوب الشدراوي هو من أفضل من يتعامل مع الممثل في العالم العربي ويهيئه، ويشتغل عليه، وهذه الناحية تندر أكثر فأكثر من مغرب العرب الى مشرقهم. ونتذكر أن في تونس مثلاً من عرف كيف سيحل على الممثل كفاضل الجعايبي ومحمد ادريس وعزالدين قنون ومنصف السويسي ومحمد بن قطاف وعبدالقادر علولة من الجزائر وجواد الأسدي وصلاح القصب وابراهيم جلال من العراق، وفواز السامر (من سوريا) والطيب الصديقي من المغرب وسعد أردش ونبيل الألفي وأحمد عبالحليم من مصر... وفؤاد نعيم ومنير أبو دبس وروجيه عساف وريمون جباره وشكيب خوري وأنطوان ملتقى من لبنان!
إنه الفنان الشامل الذي لم يجعل ممارسته هذه تنفي الكاتب أو الشاعر كما يدعي بعض الفنانين الشاملين بأن على الكاتب أن يكون ممارساً عضوياً كممثل! ولا يحق لمن يفتقد هذه الموهبة أن يكتب! إنها البدعة التي لفظها يعقوب، والدليل أنه تعامل مع روايات وكتّاب كبار...
.. وأخيراً، ماذا أقول لك يا صديقي في نهايات المطاف. خسرناك. صديقاً. وإنساناً. ومناضلاً، وفناناً. خسرناك في أزمنة النقصان، لكن إذا كان الفنان يموت، فأشباحه لا تموت! ولأن الأشباح لا تموت فأشباحك، نصوصك، وكتاباتك، وأعمالك، وعشرتك تحوم حولنا... وفوقنا دائماً. تفاجئنا في ذكرى. أو تبادرنا على غفلة، أو ترافقنا في ما تبقى من مشوار! وتذكر يا يعقوب، حيث لا للمتذكر ربما ما يتذكر هناك، أنك أضفت إلينا ما لا يستطيع كثيرون أن يضيفوا. هذه الصداقة. والمتعة. والإبداع. والموقف. والصمود.. والإيمان بأن المسرح معك ومع أمثالك لن يموت!
وداعاً يا صديقي!
بل وماذا أضيف عندما أحسن أنني تحولت الى دمعة! لكن أدمعة تكفي لكل هذه الأعوام التي ترافقنا فيها في أزمنة الحروب!
وداعاً يا صديقي:
وأتذكر أننا التقينا للمرة الأخيرة في مسرح المدينة من بضعة أشهر، بمناسبة تكريمنا من قبل نضال الأِشقر: أنت وأسامة العارف وأنا. أنت وأسامة رحلتما، ولم يبقَ في الصورة سواي. فما أفقرها! وما أظلمها! ولكن... كل من سار على الدرب وصل يا صديقي!
وإننا لواصلون!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00