عندما أرى هذه الألوف المؤلفة في الشوارع، وأمام المقرات الرسمية، في بيروت وأبعد منها، تتظاهر مطالبة باقرار سلسلة الرتب والرواتب، تذكرني بزمن الحركة الطالبية في لبنان وإتحادها الوطني في نهاية الستينات حتى منتصف السبعينات، عندما كانت تنظم الحركات الاحتجاجية والمطلبية الجامعية والتربوية، بتلك الاستقلالية والنضال النقابي (والسياسي والثقافي) من أجل لبنان آخر، لبنان المتحرر من الاقطاعيات السياسية والطائفية والدينية والاقتصادية. المظاهرات التي تنظمها منذ شهرين هيئة التسيق النقابية، تعيدنا إلى زمن تحررت فيه الشوارع والساحات والحقوق المدنية في تضامن حول الأداة النقابية، لانتزاع حقوق الأساتذة، والطلاب وتحسين شروطهم المادية والتربوية والاجتماعية. وكما أنجز الاتحاد الوطني للجامعة اللبنانية في السبعينات استقلاليته وبلور مطالبه قبل حروب عملاء اسرائيل وأنظمة الطغاة العربية على لبنان، ها هي الروح تعود اليوم إلى الحركة النقابية، التي صادرتها الميليشيات والوصايات والمخابرات والأحزاب المذهبية على امتداد نصف قرن، وها هي تعود بقوة، متحررة مما يسمى الاتحاد العمالي العام وسائر النقابات المستحدثة والمرتهنة، من عائلية وطائفية وسياسية، انها لحظة انفجار ربيع الحركة النقابية في لبنان بكل ألوانه وأطيافه وزهوه. ها هو ربيع آخر ينبثق في لبنان: ربيع التحرر النقابي من قيود الاتحاد العمالي المرتهن لقوى الأمر الواقع، والذي شلّ كل تحرك مطلبي على امتداد العقود الماضية.
وكلنا يعرف كيف تمّ تقسيم الجسم النقابي في لبنان وشرذمته على أيدي هذه الأحزاب التافهة، أحزاب الوصايات المتعاقبة، وفرض الاتحاد العمالي العام، بصيغته الراهنة الذي لم يكن يوماً لا اتحاداً، ولا عمالياً، ولا عاماً بل أداة من أدوات الأجهزة والمخابرات وقوى الأمر الواقع: تماماً كما تمّ تقسيم الجامعة اللبنانية ومصادرتها ونهبها وتفريعها تفريعاً مذهبياً.. بحيث لم تعد لا جامعة ولا وطنية ولا لبنانية بل أوكار للمذهبية والجهل والتخلف والفساد والتواطؤ وكلنا يتذكر كيف أن دعوة الاتحاد العمالي العام للتظاهر كإشارة لانطلاق حركة 7 أيار الصهيونية في لبنان. ومن الطبيعي. ان يعيش لبنان، وعماله وفقراؤه بلا سند نقابي يناضل لتحقيق مطالبه، وهو ليس أكثر من جسم غريب عن الهموم اللبنانية.
انها هي مشكلة الرتب والرواتب تبلور هذه العودة الصادقة الملتزمة الحياة النقابية التي غابت كما غابت الحياة السياسية نفسها، وأدوات المجتمع المدني، والأحزاب نفسها... لتواجه حكومة سخيفة، فاسدة، نهابة، عميلة، لم تنأَ فقط عن مطالب الناس وهواجسهم، وأوضاعهم المعيشية بل ها هي تنخرط في حرب صهيونية عبر مقاتلي حزب الله، ضد الشعب العربي السوري، وتمعن في خيانة السيادة والديموقراطية والاستقلال. هذه الحكومة بتواطؤاتها وفسادها (وفضائحها وضربها الاقتصاد وتهجير السياح وعزل لبنان عن محيطه العربي وكذبها، ها هي الحركة النقابية الشعبية بتضامنها ووقوفها حول قياداتها لا سيما المناضل حنا الغريب، تحقق المعجزة الكبرى: التزامها مطالبها وحيوية تحريكها للتظاهرات من امام الوزارات والبنوك، والهيئات الاقتصادية وقوة انتمائها، ونصاعة استقلاليتها من القطاعات الأخرى. هذه الحركة عرفت كيف تختار شعاراتها، وكيف تنظم صفوفها وكيف تبني فعاليتها ازاء تعنت حكومة الوصايتين وفضائح الكهرباء والمخدرات والكسارات واللحوم الفاسدة وتزوير الأدوية وسرقة السيارات وقمع النازحين السوريين هرباً من جرائم النظام البيئي وتهريب المازوت إلى الجيش السوري الذي يقصف شعبه بالطائرات والدبابات والبراميل المتفجرة وصواريخ سكود ونهب المليارات في صفقات مشبوهة. نعم! ها هي الحركة النقابية المتحررة من الاتحاد العمالي العام تشكل أروع مواجهة لهذه الحكومة ولوزرائها وأحزابها، حكومة السلاح والانقلابات والعدوان على الأرض السورية العربية بأمر من إيران (أخطر ظاهرة صهيونية في عالمنا العربي) والرائع أن هذه الحركة الطازجة الحية، (غير المحترفة إحتراف بعض قيادات النقابات الحالية كغسان غصن) عرفت كيف تؤلب الناس حول مطالبها. عرفت كيف تصمد أمام التهديدات والاغراءات والتسويفات وأشكال التضليل والوعود الكاذبة التي اعتمدتها الحكومة الإيرانية في لبنان برئاسة نجيب ميقاتي. بل عرفت كيف تحافظ على وحدتها النضالية إزاء محاولات الحكومة تسييسها وتقسيمها ورشقها بالاتهامات وإيجاد تناقضات بينها، بل أكثر: بلورت وحدتها ورصت صفوفها عبر تزايد انضمام قطاعات أخرى إليها مسلحة بإيمان عميق بانتماءاتها الاجتماعية وبأحقية مطالبها وبمعرفتها التاريخية، بأشكال المواربة والنفاق والفساد عند هذه الحكومة. بل عرفت كيف تستوعب كل الإجراءات والمواقف التآمرية التي حاربتها بها أحزاب هذه الوزارة إعلامياً، ومادياً واستنكافاً عن المشاركة وتضليلاً. بل عرفت هذه الحركة النقابية الربيعية كيف تكسر مجمل الخطب السياسية لا سيما من 8 آذار لعزلها وشلّها. ولهذا، فقد واجهت هذه الحركة كافة أشكال الحروب عليها، لاستيعابها، بل هي جمعت أوراقاً كثيرة في حركتها النضالية: كشفت الفضائح والصفقات والفساد: من كهرباء وماء ومخدرات وعجز وخذلان عند هذه الحكومة. وعندما وسعت دائرة تحركاتها وصعّدت من خطابها النقابي، إلى ما هو متصل به، من قضايا اجتماعية أخرى، لتربط مطالبها الخاصة بالقضايا التي يعانيها كل لبنان. وتوجه تظاهراتها إلى المرفأ والمطار ضربة معلمين وأساتذة لأن هذين المرفقين حوّلهما حزب الله وحكومته الفاسدة والعميلة إلى مصادر للنهب، والسرقة والاحتيال وتهريب السلاح والبضائع (لاغراق السوق) بل بطرقات تدل على أن هذا الحزب بات أكثر من دولة داخل دولة، له مرافقه الرسمية ومطاره ومرفأه بل صار دولة أجنبية داخل الدولة الوطنية، وجيشاً خوارجياً داخل لبنان، وحكماً إيرانياً أقوى من كل الإدارات والمقامات. نعم أن توجه التظاهرات إلى هذين البؤرتين مهمة تتجاوز المنحى النقابي ليس بمعناه التخصيصي بل بمعناه العمومي. أو الوطني. كأن هذين المرفقين صارا قضية خصوصية حزبية تذكرنا بالطريق العسكرية بين لبنان وسوريا والتي تحولت ممراًَ للمسلحين والجواسيس والمجرمين والمهربين... والعملاء.
هذه الحيوية المتنقلة تذكرنا بتحركات طلاب الجامعة اللبنانية (عندما كان عندنا جامعة لبنانية!) وتمثل أمامي تظاهرات توجهت بالألوف إلى المطار في السبعينات وعدة تظاهرات إلى مجلس النواب وإلى شارع الحمراء وإلى وزارة التربية في الأونسكو وإلى الاعتصام الشهير على بوابة هذه الوزارة وإلى ساحة الشهداء في البرج (قبل أن يدمر المدينة كلها عملاء اسرائيل والطغاة العرب). وكما شكل قيام الاتحاد الوطني في السبعينات أهم حدث نقابي منذ الاستقلال وأهم ظاهرة ديموقراطية في لبنان (من حيث التزام الطلاب قرارات قيادة الاتحاد التزاماً مطلقاً) نتنفس اليوم مع هيئة التنسيق عودة الروح إلى تلك المرحلة التي سحقتها الحروب وسحقت معها دور الجامعة اللبنانية الوطني والثقافي والطليعي. وكما رُشقت الحركة الطالبية في ذلك الزمن الجميل بأبشع التهم والنعوت أتذكر منها هودي زعران طلاب الجامعة اللبنانية أو إضراب الطلاب تحركه إيدٍ خفية أو هؤلاء الطلاب من شذاذ الآفاق ، او ما قاله نجيب ميقاتي قبل أيام عن تحرك هيئة التنسيق هناك أبعاد أخرى للإضراب غير الهدف النقابي. طبعاً الذهنية التآمرية ذاتها! والذهنية التسويقية ذاتها! لا تتغير عند بعض المسؤولين. بل ونتذكر، أشكال القمع التي واجهت بها بعض الحكومات السابقة التظاهرات الطالبية: هجوم ضخم على المعتصمين في كلية التربية عام 68 وسقط بنتيجته نحو 70 جريحاً من الطلاب، بعضهم لازم المستشفى شهوراً. وكما تحارب 8 آذار بطريقة ساخرة، أو خبيثة، إعلامياً وسياسياً هيئة التنسيق، فقد انبرت بعض الهيئات والأحزاب في السبعينات لشق الحركة المطلبية، واستخدمت بعض الإعلام التافه لتضليل الرأي العام.
أورد هذه المقارنة بين تحركات طلاب الجامعة اللبنانية (التي يديرها اليوم خيرة الجهلاء والمتطفلين والانتهازيين المذهبيين) وبين تحركات الأساتذة لأن الأمور بينهما متشابهة جداً. فالاتحاد الوطني آنئذ رفض اقتراحات التنسيق مع الاتحاد العمالي العام لكي لا يستوعبه هذا الأخير، ويوقعه في المطبات الفئوية والحزبية. وأتذكر أن الحركة الطالبية امتنعت عن دعوات الاتحاد آنئذ لعقد اجتماعات بينهما، لأنها كانت تعرف أن مثل هذه الاجتماعات قد تقسم الحركة الطالبية، أو تحرفها عن مساراتها المستقلة والنقابية. الأمر ذاته اليوم وأكثر: ها هو الاتحاد الوطني للعمال برئاسة غسان غصن، عاجز عن استيعاب هذه التحركات لمصلحة 8 آذار والحكومة. اكثر: بدا وكأنه بات من أزمنة غابرة ، مغبرة، مرمدة، معزولاً في مربعاته الأمنية والمخابراتية، محدوداً في قوة تحريكه، وفاعليته حتى العدم. وكما كان الاتحاد الوطني للطلاب في السبعينات حركة نقابية مستقلة تأسيسية، ها هي هيئة التنسيق تلعب الدور التأسيسي ذاته، لحركة نقابية تجمع كل الفئات، وكل الناس في إطار تنظيمي وديموقراطي فاعل. فهل ستتمكن من أداء هذا الدور على صعيدها المحدود، وتالياً على الصعد الأخرى. نقول أكثر: اذا كانت هيئة التنسيق فجرت ما كان راكداً، وساكناً في الجسم الطالبي والعمومي والعمالي لتبدو وكأنها جزء من ربيع لبنان والربيع العربي أترى يحذو العمال والمزارعون والموظفون والإجراء إلى اجتراح معجزة نسف الاتحاد العمالي العام (الذي دمر الحركة النقابية في دهاليز الوصايات) بأوبئته وإرتهاناته وتواطؤاته وبنيته المهمشة لإعادة صوغ هيئة عمالية جديدة، تنتسب إلى هموم الناس وقضاياهم وتشكل أداة توحيد لكل الذين هُمشّوا (أو همشتهم الوصايات) كالنقابي الياس رزق... وسواه! بحيث يمهد ذلك إلى ترميم ما هدمته الحروب وأحزاب الأمر الواقع، وعناقيد الآلهة الجهنمية، وما أحدثته من شروخ وارتكبته من موبقات في فضاء حر وحي، متحرك، ملتزم، شريف، صادق، مؤمن بقضايا المظلومين والفقراء والمستَغَّلين والمسروقين والمنهوبين، فيكون عندنا اتحاد عمالي عام يُنتخب انتخاباًَ ديموقراطياً، (وليس انتخاباً مزيفاً تديره المخابرات والطوائف والأحزاب والحكام والأطراف السائدة) ويتحرك تحركاً تقرره القواعد الشعبية أو الفئات المعنية.. من دون أي تدخل خارجي: ليكون عندنا اتحاد يتمتع باستقلالية تامة (عن الجهات التي استقلت عن الوطن والشعب ومشاكله). وهنا ندعو القواعد العمالية وسائر الأطراف إلى محاولة تأسيس اتحاد عمالي جديد يكون ربيعه غامراً لكل اللبنانيين أسوة بربيع هيئة التنسيق.
وهل يمكن أن ننسى ما يجري في جامعتنا الوطنية على امتداد عقود من انتهاكات ومن هيمنة أحزاب متخلفة وتافهة ومذهبية على مقدراتها في غياب اتحاد وطني طالبي يكون ضميراً لهذه الجامعة، وحركة مستقلة لاعادتها إلى حضن الثقافة والتعليم والوطن. ندعو طلاب الجامعة اللبنانية (وكذلك الثانويات) إلى تجاوز كل خلافاتهم العقائدية والمذهبية والسياسية وإعادة تأسيس اتحاد يكون اداة لمطالبهم وأداة لاحتجاجاتهم ولتطوير هذه الجامعة التي كانت في طليعة الجامعات العربية... وصارت في المؤخرات بل في الذيل الأخير منها.
وأخيراً تحية إلى المناضل حنا غريب وإلى كل المناضلين والمتظاهرين.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.