مجلس النواب يمثل السلطة التشريعية التي تسنّ القوانين. النائب يُشرّع. وعندما يفعل ذلك، فليس من أجل فئة أو طائفة أو حزب أو قبيلة. وإذا درس مشاريع واقتراحات فمن البديهي الا تتعارض مع الدستور، وتالياً مع الميثاق وثالثاً مع وحدة البلد ورابعاً مع الحياة المشتركة العامة وخامساً مع مكونات المجتمع كلها سواء الطائفية أو المذهبية لكن أيضاً المدنية والعلمانية والليبرالية والقومية (بأصنافها) واليسارية، فمكونات لبنان لا يمكن أن تختزلها الأحزاب الطائفية التي نعرفها جميعاً منذ نهاية الستينات وحتى اليوم، فها هي التي حمل معظمها مشاريع كانتونية وتقسيمية ورفعت جدراناً وأسواراً بالمذابح والتهجير والخطف والقتل على الهوية وخطوط التماس ونظن أن المجلس النيابي الحالي خطفته ميليشيا حزب الله بسلاحها، وكذلك الحكومة وهذا الحزب بالذات (الذي يرسل محازبيه ليغزوا ويقتلوا الشعب السوري بأوامر فارسية وإيرانية، هو الذي عطل المجلس السابق وشلّ الحكومة المنبثقة عنها، حكومة الرئيس السنيورة وحكومة الرئيس الحريري الذي طاح بها بانقلاب إيراني سوري كان حزب الإله الأداة والصوت والسلاح. تبدأ المشكلة ان ميليشيا مسلحة مرتهنة للخارج ولا إيمان لنوابها لا بالحياة البرلمانية، ولا بالديموقراطية ولا بالسيادة ولا بالدستور... هي التي تقود محاولات إقرار مثل القانون الارثوذكسي.. الذي، إن أقُر، فلن يكون إلاّ انقلاباً جديداً. بل وأخطر تنفيذ المخططات الصهيونية لتقسيم لبنان.
فتأملوا أن من اعلن كانتونه المذهبي في الضواحي يريد أن يُعمّم تجربته على كل لبنان. ولكن هذه المرة بقمصان سود برلمانية ليحول البلاد كلها مزارع مذهبية، مقطعة تقطيعاً عنصرياً. بمعنى آخر كأن ما يريده الحزب ليس انقلاباً على لبنان وثقافته ودوره العربي والعالمي والثقافي والابداعي، بل أيضاً انقلاب على ثورة الأرز... والربيع العربي الذي حطم هلاله الصهيوني المذهبي...؛ ولكن الغريب، والمؤسف ان من رفعوا شعار لبنان أولاً من رموز 14 آذار تركوا كل انجازاتهم الوطنية والسياسية والديموقراطية ووقفوا ضد أنفسهم. انقلبوا على أنفسهم في الوقت الذي انسجَم حزب الله مع منحاه الانقلابي. خانوا كل أفكارهم وشهداءَهم وفاء لمخططات الحزب وتابعه الجنرال عون بل أنهم بعدما انفتحوا وطنياً في السنوات الماضية على كل الشرائح والطوائف والأحزاب متخلين عن أوهامهم التي وصفت بالانعزالية وبعدما سلكوا الطريق العربية رداً على الاطماع الإيرانية (غير العربية) وبعدما حرروا الشوارع لتكون ساحات للتنوع والحرية والسيادة... ها هم يعودون إلى المربعات الكانتونية، أو الميني كانتونية، المذهبية... التي لن تجعل من رموزهم أقل من رؤساء بلديات أو مخاتير أو نواطير.. وتجعل من مجلس النواب مقبرة للتشريع وللتنوع: مجلس نواب لن يساوي أكثر من دكاكين صغيرة... تماماً كما فعلوا في الجامعة اللبنانية التي قسموها كانتونات طائفية على مقاسات أفكارهم وثقافاتهم التافهة. أفيكون المجلس النيابي غداً مجرد كليات مذهبية متجاورة... وجامعات مفرغة، لن تنتج سوى حروب مقبلة بين القرية والقرية، بين العائلة والعائلة، بين المذهب والمذهب، بين الطائفة والطائفة...
إنَّ حزبي القوات والكتائب في تصويتهما الأسود لقانون الفرزلي (يشبه قوانين غازي كنعان ورستم غزالي) حققا انعزالاً عن لبنان. أولاً وأخيراً وآخراً. لم يعودا حزبين لبنانيين، بمعنى أن لبنان (العنفوان!) فوق كل اعتبار بل قزّما نفسيهما إلى حزبين مذهبيين بلا آفاق ولا تطلعات ولا انتماء وهكذا التقيا، على شكل أو آخر موضوعياً و8 آذار وحزب الله الذي كان يأخذ عليه (مؤخراً) الحزبان انه لا ينتمي إلى لبنان واتهموه بالكانتونية، وبالارتباط المذهبي وبالخارج... لكن اليوم كلكم معاً (بالهوا سوا) فمبروك! لبنان العنفوان ولبنان المقاومة ولبنان الممانعة لم يعد لبنان سوى في أسفل سلم الأولويات، أو الهواجس. انتقلتم معاً والجنرال عون من هواجس حارة على لبنان، المحرر، أو السيادي، أو الديموقراطي إلى هواجس أصغر من هاجس: المذهبية، بل نزعتما الصفات السياسية عن اللبنانيين. والعناصر الثقافية والفكرية والمجتمعية والتاريخية: فصار اللبناني في نظر القوات والكتائب وحزب الله وميشال عون... كائناً غريباً، غرائبياً، بلا هوية، ولا مخيلة. ولا تمايز. ولا اختلاف. بل ولا كينونة. ولا سيرورة. مجرد شيء مذهبي بحاسة واحدة معطلة (المذهبية ذات حاسة معطلة). مجرد قدرية صغيرة، لا ماض لها. ولا حاضر. تدور عمياء في فضاء أعمى, وترتطم بجدران عمياء. لا شيء! ونظن انه على هذا الأساس على حزبي الكتائب والقوات (وحزب الله وصيفهما الجديد) في هذه الملحمة الانتخابية التي ترفع رأس لبنان عالياً ان يحذفوا كل أفكارهم ودساتيرهم وعقائدهم السياسية والحزبية وبنودهم وأيديولوجياتهم... وأهدافهم ويختزلوها بعبارة واحدة: حزب الله: شيعي. الأفكار: شيعية. الأهداف: شيعية. البلد: شيعي. وتالياً: الأسم: القوات: ماروني. ثم الكتائب: ماروني. وهكذا دواليك... من الأفكار. إلى الأهداف . البلد.... وهكذا يرتاح جميعهم من زحمة الشعارات والأفكار وبرامج العمل، والانشائيات. وتطول الهوية إلى جميع الأحزاب بدون علامات فارقة. ليستعيد الجميع حرياتهم الخاصة وقسماتهم... وتصبح الصفة المذهبية نشيدهم الوطني المفصومة ودستورهم وأعيادهم وميثولوجياتهم ويتنفسون الصعداء: وأخيراً ارتحنا من هذا اللبنان، من هؤلاء العرب. فنحن شيعة وسنة وموارنة وارثوذكس وكفى! ولكن! بل خي: لم نرتح من هذا اللبنان المتعدد والمتصارع على الأفكار وخرافة الابداع والشراكة والحياة المتفاعلة فقط بل من المسيحية والاسلام أيضاً: خي! صار لنا نحن أهل المذهبية دين جديد خصوصي على مقاس كل حُزيب نكتفي من المسيحية بالمذهبية ومن الاسلام بالمذهبية. وهذا أريح! عال. خي! جرّدنا أنفسنا من كل الهواجس: لا تقدم. لا تأخر. لا يمين. لا يسار. لا ليبرالية. لا مجتمع مدني. ولا علمانية. ولا قومية (لبنانية) أو سورية أو عربية، لا أممية، لا عالمية. كل هذه الخرافات والتفاهات وضعناها خلف ظهورنا. وسكرنا عليها من الأبد إلى الأبد. فها نحن ننتخب أنفسنا بأنفسنا. لا شريك بانتخابنا. أوليست هذه هي الحرية والكرامة! عال! ما أحلانا. وها نحن كل منا يصنع ثقافته وحده. ثقافة نقية. مطهرة غير مشوبة بأي لطخة طائفية أو تاريخية. أو سياسية. أو هجينة. فلتذهب إلى الجحيم هجائن الديموقراطيات المختلفة، الفوضوية، المتعددة، وها نحن نحصن حدودنا: الجغرافية والمذهبية. ونفصّل التواريخ على مقاس كل منا. ونوزع حتى الشهداء فيعود كل واحد إلى أصوله وإلى لونه؛ فلنا شهداؤنا الموارنة ولنا شهداؤنا الشيعة.. ولنا شهداؤنا الدروز. والرئيس الحريري ووسام الحسن ووليد عيدو.. شهداء مذهبهم لا أكثر ولا أقل! وكذلك : كمال جنبلاط شهيد مذهبه وجبران تويني على الارثوذكس وحدهم أن يخلدوا ذكراه. وأمين بيار الجميل وانطوان غانم ورينيه معوض للموارنة، وكذلك حسين مروة ومهدي عامل ليس للشيوعي بل لمذهبهما: علينا قراءة التاريخ كله قراءة مذهبية. نحمل الحجر الفلسفي ونعيد بعبقرية مدهشة كل شيء إلى أصله المذهبي. فالعالم مذاهب. والأحزاب مذاهب. والموت مذاهب. والأوطان مذاهب والآخرة مذاهب وكذلك الجنة وجهنم والمطهر..... وهنا في الدار الفانية نحول الأشياء إلى مصادرها المذهبية: الملابس. لنا ملابسهم ولنا ملابسنا. الطعام: لنا طعامنا ولهم طعامهم. الأحذية: لنا أحذيتنا ولهم أحذيتهم. المطاعم: لنا مطاعمنا ولهم مطاعمهم. المدارس والجامعات: لنا جامعاتنا ومدارسنا ولهم جامعاتهم ومدارسهم. ويمكن اذا بلغ بنا التأويل والاجتهاد مبلغاً عالياً: فيمكن ان نسترجع جبران وأحمد فارس الشدياق والبساتنة ومارون النقاش وخليل حاوي وفؤاد سليمان إلى ارثهم المذهبي الغالي بين الموارنة والارثوذكس. فهؤلاء وصولاً إلى ميشال شيحا وسعيد عقل وأمين معلوف، ينتمون إلى مذاهبهم: لا إلى لبنان ولا إلى العرب ولا العالم: انهم فخر صناعتنا المذهبية!
عملية تفكيك جذرية تصيب الكيان اللبناني، بأرضه وثقافاته وتاريخه (سؤال: ماذا يفعل الذين ينسبون أنفسهم بشكل غبي إلى فينيقيا: اتكون فينيقيا وقدموس وأوروب مارونية، أم ارثوذكسية، أم سنية! لكن فينيقيا أكبر منكم أيها التافهون: انها رمز الانفتاح على العالم واكتشاف الآخر لم تصمم تاريخها على مقاس طائفياتكم ولا حسابات مقاعد نوابكم ولا على النظرة الذاتية (الضيقة). بل تصيب الحرية في الصميم. الحرية التشاركية. التفاعلية، الانسانية . الوطنية. الزواج. العلاقات. الحوار.الحياة. اليومية. البرامج. الكتب. الموت. كل شيء! كأنما اللبناني بهذا القانون (الصهيوني الإيراني) لن يكون له أن يتحرك إلا بما يتيح له بقية هواء يتنشقه في فضاء ضيق. ولن يكون له سوى أن يعتاد الاقامة في السجن: السجن الذي بناه لنفسه. الذات الاجتماعية لن يكون لها سوى الاستنقاع في حدودها المسدودة. الثقافة لن يكون لها سوى ان تغلق كسواها وتختنق بأنفاسها المعدودة، وماذا سيقول عندها أبطال هذا القانون، وجلهم من الميليشات السابقة والحالية، وحملة السلاح والعقلية المتعصبة! نعم! سيقولون: عشنا وَهَم التشاركية الوطنية، ويوتوبيا الديموقراطية وخرافة السيادة وتفاهة الجمهورية الواحدة وجنون الكيان المركب... وسخافة التعددية والاختلاف: وها نحن عائدون إلى المربعات. إلى الانعزاليات الأحادية التي جربناها جيداً، وكم عادت علينا بالخيرات والموت الشاهق والفرادة والتحكم السلطوي والميليشيوي! انها عودة الابناء الضالين، الأبناء الذين ضللتهم تميزات لبنان الكبير (ولماذا يجب ان يكون لبنان كبيراً ونحن صغار!) فعادوا إلى صواب المذهبية بقانون الفرزلي حزب الله! فالحزب. لا نعتب عليه، ولا نناقشه فقد أعلنها منذ البداية التي صُنعت له بصفقة بين إيران وسوريا: انه أبعد من لبنان! نعم! ولكن بالمذهبية وبالانعزالية فلبنان ليس كيانه ولا ديدبانه ولا تاريخه ولا ذاكرته. بل هو منصة مجرد محطة عابرة لتنفيذ الهلال المذهبي وضرب العروبة والعرب بحساسية فارسية تاريخية، وبأطماع امبراطورية جديدة! نعرف ذلك. ولكن إذا كان حزب الله مفهوماً جيداً من الغريب والبعيد، (وكذلك ذهنية ميشال عون المقايضة) فما هو غير مفهوم جيداً (وهذا ربما من غبائنا وعبقرية حزب الكتائب والقوات، كيف ينضمان إلى مشروع يطمس لبنان). (ما زلنا نتذكر بعض أقوال رئيس الكتائب الراحل بيار الجميل: إذا هدد لبنان الخطر فبمن تفكرون؟ ويعني: به أو بالكتائب!) فأين لبنان في خريطة الحزبين: انه ملغى يا أصحاب العنفوان والكرامة وفينيقيا! انضمامكم إلى عون (الذي لطالما اعتبرتموه عميلاً إيرانياً، واعتبره حزب الله عميلاً إسرائيلياً) والحزب و8 آذار.. يجعل منكم متواطئين على تدمير الكيان اللبناني والدولة والجمهورية ووحدة الأرض والدستور والميثاق! وهذا ما لن يغفره المجتمع اللبناني والمدني لكما!
أما اذا سرّتكما العودة إلى الخرائط القديمة (الصهيونية وبعدها الايرانية التقسيمية فيجب ان تعرفا: انكما وقعتما على نهايتكما ونهاية لبنان ونهاية ما تبقى من أحلام لهذا الوطن!).
وهنا يصح قول المتنبي:
على قَدرِ أهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ!
فمبروك يا أهل الكرام والمكارم!
ولكن أيضاً: العوض بسلامتكم!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.