8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل هنري فريد صعب شاعر العزلات الخصبة

الصديق الكبير، الشاعر والناقد والمترجم هنري فريد صعب غادرنا، هكذا، بصمت مؤلم. حضر بخفاء، واختفى بحضور كبير. من كبار المثقفين هنري صعب، شعراً ونقداً، وأدوات لم يرثها من النظريات والمفاهيم الجاهزة والتي تقدم أجوبة بدلاً من أن تكون ممراً واسعاً للأسئلة. حقل في كل شيء: في الشعر، وحتى في البحث والنقد، لكنه مُكثر في القراءة، وأشغف بالمعرفة، على عكس كبار هجروا القراءة... وأكثروا من الكتابة فاستنقعوا.
أعرف هنري صديقاً منذ السبعينات، واكتشفت في هذا الرجل عمق التواضع، وخصب العزلات، ونقاء الصداقة، وظرفاً رائعاً. أمازحه ويمازحني. أحاول منافسته في الثقافة الشعرية فيبزني: فهنري يجيد اللغة الإسبانية، ويكتبها، وترجم قصائد كثيرة من أصولها الإسبانية الواسعة المتعددة. ولا أظن أن شاعراً في لبنان وربما في العالم العربي، يتمتع بمستوى إطلاع هنري صعب الشعري العربي القديم، والنهضوي، والحديث، والجديد، والأميركي والإسباني والفرنسي. ركب المغامرة القصوى في الكتابة الشعرية. لا مغامرة النحت الشكلية، بل ولا مغامرة التسطيح والأفقية والفبركة بل التحفير، محفِّر في اللغة هنري. في العبارة. في التركيب، بحيث تصبح البنية الشعرية (أو القصيدة) من طبقات، ومستويات، تفتتح أحجاماً جديدة، على غير مقاسات لا من نظريات أرطو، ولا بريتون، ولا فاليري، ولا بودلير. بنية تتشكل في جذور الإيقاع، في صميم العلاقات المؤثرة، وفي بطون عتمة تنبض بنضارة الضوء. قصيدته من خصب العلاقات ومن تماديها في التوغل، بلا انتساب محدد، ولا تطبيقات سوريالية بائدة، أو تكرارات لإيديولوجيات اجتماعية، أو لغوية، أو سيميائية، أو سياسية. ولهذا، فإن قصيدة هنري صعب، تبدأ بنفسها، وتنتهي لكن الى غير رجعة. بلا قارئ محدد. ولا جهة معروفة. ولا أفق باد. ولا سماء واطئة. كأنها مكتوبة الى اللاقارئ واللاجاهز ولا الآخذ بتلاعبيب الشعارات، والاعلام (وحتى كان الشعر أفقه الاعلام وهدفه الاعلام، أو الدعاية أو الانخراط في وظائف اجتماعية مباشرة)؛ فالشاعر الجوفي كمثل هنري فريد صعب، يعمق حفرة الاستنبات جذوراً جديدة... أنضر من أوراق هشة، وفروع... مهددة بالعطب. كأنه يكتب أحياناً ببحر مليء. وأخرى بحبر من هشاشة المياه. وأخرى بتربة مجهولة البذور. وأخرى بأصابع تعرف كيف تصوغ الغريب من اللفظ، والهجين من التراكيب، في فضاء يجمع بين الغموض اللامع ببواطنه، وبين الجلاء الكاسر بأسراره. وكما عرفت هنري صعب وكتاباته، فهو اختار الفن الصعب، بلا ديباجات بسقوف واطئة، وبلا تراكيب. وكجدران من ورق، أو كمياه من المستنقعات. وهنري صعب، الصعب، في جديده. فهو لا يشبه أحداً لا من جماعة شعر (وقد تجاوز معظمهم في مغامرته)، ولا من جماعة الالتزاميين، ولا من الذين اختاروا تحطيم المراحل تجنباً للوقوع في النمطيات التي وقع فيها العديد من الرواد والحداثيين، ومجانين الحرية ومجانين التخريب والتدمير (أين هم من شعاراتهم؟). وهنا تأتي المتعة الصعبة، المتعة التي تنهض على الحواس كلها، نهوضها على اللغة الممهورة بتأن، وإناة. وزمن. والزمن عن هنري صعب هو زمن القصيدة الجديدة: الزمن الجديد، خارج براقع الإعجاب والأسلوبية والآنية (التي سقط فيها كل الذين تلمّسوا نظريات جاهزة فالتحقوا فيها... وترحلوا معها)، الزمن الداخلي، الممزق، المحطم، لكن على مساحات مكتظة بالبؤر والتكسرات، والفجوات: تجاوز مسألة إثارة الإعجاب (يعني الآنية) الى مسألة الصد.
أي الى مسألة التأمل المستريب. المشكك. الخائف. المرتعش. المنتظر. تأمل القصيدة نفسهان أي معنى التأمل، كمواجهة بكر للعناصر والجوانيات؛ أي التأمل خارج طغيان الأفكار التي يمكن أن تتحرك تحتها اللغة، وتبتئس ببؤسها. شاعر اللغة الحية، المصوغة، بمثاقفة عالية، وبرهافة تظنها باتت من خلائق المدهش، (ليس عن طريق السورياليين أي الطريقة الشكلية الفنية فحسب، والعابرة!). المدهش من خارج عناصر الإدهاش الخارجية. البلاغية. أو الافتعالية. أو الشكلانية، وأظن أن هنري صعب، الحداثي حتى العظم، قد يكون من أوائل الذين خرجوا على حداثة النظريات، والمطيبات، والمدارس، وما استنفذ منها، وما ذبل على أيدي شعرائها قبل ردح وأكثر! فيا صديقي هنري، سأفتقدك كثيراً. ولطالما جرت بيننا اتصالات ولقاءات. وكنت المضيء بنقائك (لا كنقاء الجزويتيين)، والكريم بفتح كنوزك الثقافية عليّ وعلى كثيرين، فأنت يا هنري، شاعر العزلات الخصبة (وبعضهم عزلاته عُطَل وتعطيل وخلاء)، وأبعد ما يكون عن نموذج الشاعر السلطة أو الشاعر ذي المشروع السلطوي، (ومعظم شعرائنا حاولوا بناء سلطة حولهم... وهذا ما أسقط شعرهم)، أو الشاعر الذي يستعمل الاعلام، والدعاية والعلاقات، ليتحول سلطة رمزية أو رمزاً سلطوياً، وهذا أدى ويؤدي الى اندماج سلطة الشاعر بسلطة الظواهر الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية والذوقية والجمالية السائدة!
كأنما كثير من هؤلاء الشعراء، أرادوا ثمناً لشعرهم، ولكتاباتهم، وللصورة التي رسموها للخارج عن وجودهم.
أما أنت يا هنري، فكان الشعر بالنسبة إليك أطول من العلاقات، وأثمن من كل العطاءات، وأعلى من كل التنازلات! إنه شاعر الكرم، والعطاء، والمجانية! إنه الشاعر الذي، بعد رحيله، ازداد صمته عمقاً:
ازدادت عزلات حياة، وقوة!
فوداعاً يا هنري.
وداعاً يا من أعطاني الكثير الكثير... فهل أكون بمستوى ما أعطيتني إياه؟
هذا وفائي لك!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00