وفي الذكرى الثامنة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري نتطلع ونراه: الصورة المكبرة في قلوب الناس. كأن لم يمضِ يوم. او كأن عصراً مضى، أو كأن أوقاتاً كثيرة آتية على الصورة المكبرة بحجم الناس. والأحلام. بل وبحجم المآسي. والأخطار والدم والجنون والحروب، وكذلك منافذ فصل ربيع طويل، تفتحت صباحاته من دم أهرق ذات ظهيرة عمياء من الرابع عشر من 14 شباط. انا لم أعرف هذا الرجل. وهذا ما أسفت عليه ومن عاداتي أن أبقى بعيداً عن الرموز والمقامات السياسية، مَنْ أُجاريهم أو أتقاطع عنهم، أو من أُجافيهم. من العادات الراسخة. لكن عندما أنظر حولي في هذه المدينة أو تلك. الطرقات. المطار الذي حمل إسمه بلياقة عالية. مدينة كميل شمعون. المستشفيات. المنح الجامعية.. الكهرباء، الناس، كأنما تتنفسه عيناي. ينبضه قلبي. فالتراجيديا تفتح نهاياتها بدايات. هكذا تعلمنا في المسرح أحياناً. تراجيديات الكبار تفتح بوابات مشمسة. بينما تغلق تراجيديات الطغاة والقتلة التواريخ. نعم! في الشتاء أهرق دم الحريري. وفي الشتاء ومن دمه، طلع فجر الربيع العربي وأضاء أقماراً نهارية وأشعل نفوساً وحرك عقولاً كانت قد التزمت الغيب والقهر والغيبوبة. فالتذكارات لا تتوقف عند الكبار. تبدأ من حضورهم كله. اعطى كل في الوسع ليبني وطناً جديداً بناسه. له الموقع. والموقف والأيدي والحياة، وبنى وطناً أراده ان يكون مغايراً لما صنعته الحروب. أقصد حروب الطغاة من عرب وصهاينة، وطناً توحده الثقافة. يجمعه الازدهار. يُجَملّه العمران. مقابل ثقافة القتل والعنف وتأصيل الاختراقات، رسم وطناً يمتلئ بالمثقفين، وبالخبرات وبالاختصاصات والعِلم والحداثة. فثقافة السلاح هي ثقافة التخلف والجهل. والغباء. والأمية. والانغلاق والعنف والمذهبية. فلم لا يخلط كل هذه الأوراق على طاولة السلم الأهلي. على طاولة الحوار. على طاولة الوعي بأهمية وطن حولته الحروب مجرد ورقة أو أوراقاً رخيصة بأيدي الغير، الذين مثلوا بجثة هذا الوطن عندما ظنوا انهم قتلوه بتقسيمه وتدميره وتخريبه وامتصاص شرايينه وتدوير تاريخه ليكون على مقاس الوصايات والاحتلالات: من نظام البعثين إلى الجماهيريات العظمى، فإلى اسرائيل، فإلى كل طارئ يخترق الضعف ليحتل مكاناً له ودوراً على حساب الأرض والوطن.
وفي ذكراه الثامنة نتطلع، حولنا: ما زالت انجازاته ماثلة. يحاولون تشويهه. يحاول فلول الحروب والميليشيات ومخبرو أنظمة القتل والتخريب، تحويل دلالاتها، وتسويد أهميتها. لكنها الأثر الأقوى منهم. بل وتلويث صورته حتى بعد استشهاده، نبّاشو المقابر، نعَّابو الوصايات. مرتزقة العقول والنفوس. بل كأنهم يريدون أن يمحوا كل أثر خلاق تركه للناس، وهم لم ولن يخلفوا سوى الدمار. فمن حطموا الوطن وأزالوا المدن. وأفلسوا الاقتصاد... هم أنفسهم الذين يريدون تدمير انجازاته. لكن، وهذا من سوء حظهم: ان اغتياله كان بداية. جاؤوا ونعقوا. واغتالوا. وفجروا. وهددوا. وانتهكوا. واحتلوا ما كان تحتله اسرائيل (كمكسب) وورثوا خراب الوصايات. لكن شيئاً مفاجئاً كالمعجزة برز في وجوههم: ان موته التراجيدي فتح صفحة جديدة من التاريح اللبناني والعربي. كان أول ورقة ربيعية تفتح في كتاب من فصول كثيرة: اندلعت ثورة 14 آذار وخرج جيش الطغاة من لبنان. وتحرر الشارع، وصارت الانتخابات ممكنة. وفازت 14 آذار... لينتفض سكان القرون الوسطى، والظلاميون والقتلة وقوّادو الأنظمة الفاشية، ليعيدوا الساعة إلى الوراء. عبثاً! انكسر مشروعهم الخارجي على لبنان والمفاجأة المعجزة الثانية: ان ربيعنا اللبناني انجب توائم.. ربيعية في تونس، ومصر وليبيا واليمن وسوريا.
أف! الضربة على أم رؤوس الطغاة. سقطوا مضرجين بكل ربيع وها هي الميادين العربية تتحرر كما تحررت ساحات الحرية عندنا من عكار إلى بيروت إلى طرابلس إلى البقاع إلى الجبل فإلى البترون... تماماً كما زحفت المدن في العالم العربي على المدن. والدساكر على الدساكر، ها هي شعوب أمتنا العربية تكتشف حضورها وأصواتها وتصنع تاريخها على الرغم من كل التعثرات القائمة، وها هم قتلة الحريري في الضواحي ولدى الوصايتين معلقون في طغيانهم، مخذولين امام شعوبهم: فما ارتكبوه في حق الحريري وشهداء 14 آذار، ها هم يرتكبونه في أهلهم، من قتل وتدمير وقصف واعدامات، وها هي الجماهير تزحف من كل الاتجاهات لتلتقي قريباً في دمشق، كما التقت في ربيعها الدامي في حلب وادلب وداريا وحمص ودرعا! ربيعك ايها الرئيس الشهيد ادرك الطغاة! فا ليتك عشت لتُكحّل عينيك بسقوطهم واحداً بعد الآخر: صُنّاع الهزائم والخراب والموت والفساد! وها هي المحاكم تنتظرهم. المحكمة الدولية شغالة وحتى بعض المحاكم اللبنانية: علي المملوك وميشال سماحة في قبضة العدالة.. ويطالب لهم كلهم الاعدام. المتهمون بقتلك هاربون يؤويهم الحزب الذي لم تقدم إليه سوى الخير.. فطعنك، غدر بك كعادة مثل هذه الأحزاب الجاحدة المستوردة بقضها وقضيضها! وفي الذكرى الثامنة وعلى الرغم من استشراس 8 آذار وقرصنتها الحكومة... ما زالت الناس معك، ومع 14 آذار وما زالت 8 آذار تتراجع شعبيتها خصوصاً الجنرال عون. وهنا، لا بد ان من ان تلوم بعض من كانوا أصغر من 14 آذار: اغوتهم المكاسب الصغيرة والتفصيلات الانتخابية فكادوا يقعون في التجرية: بل بدا وكأن 14 آذار بمبادئها وجمعها وآفاقها وشعارها الأبهى لبنان أولاً تتصدع.. لكن كأنما عادوا إلى رشدهم ليقتنعوا بأن وحدتهم (المتنوعة) هي الأنسب. وانهم في تشرذمهم يصنعون نهايتهم ونهاية الناس ونهاية البلد ونهاية كل ما انجزوا. كأنما تداركوا عندما كادوا يبيعون دم الشهداء بأبخس الاثمان، بأبخس الانانيات، بأسوأ العودات إلى زمن التقسيم والتفتيت في قوانين انتخابية صنعت لضربهم وضرب ارث الحريري الشعبي والحضاري!
وفي الذكرى الثامنة انكشف اكثر فأكثر سخاء انجازاتك وعلو تضحياتك ونصاعة مسيرتك وبُعد احلامك. ولن ننسى هذه العبارة الرائعة: ما في حدا أكبر من بلدو... انها حكمة الكبار، المستشرفين، المدنيين، حكمة البنّائين ، المستقبليين، مقابل جنون الصغار الذين يظنون (كما ظنَّت الميليشيات الطائفية قبلهم) انهم أكبر من أوطانهم لكن أصغر من أي شارع في طهران.. أو في دمشق! انهم أكبر من أوطانهم وأصغر من أي شهيد وأصغر من أي ضاحية، أو دسكرة في بلاده! فكيف يكون مُدع وبأنه أكبر من بلدو... وهو أصغر من ضيعة أو قرية أو حقل أو زاروب.. من ضواحيهم وكانتوناتهم!
هم أصغر من ضاحية فكيف يكونون أكبر من وطن؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.