8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

زمن الكائنات الآلية

من قانون الأحوال الشخصية إلى محاولات اختراقه بقوننة الزواج المدني، إلى مشاريع قوانين الانتخابات النيابية، إلى ما نشهد من استشراء العقول الكانتونية والإعلام الطائفي والحومان (كالذباب) حول كل ما يُعمّق مشاعر التعصب المذهبي، والمناطقي وما يثير الغرائز، ويحجب العقلانية والعقل والعاقلين، كل ذلك يجعل البلد ينزلق أكثر فأكثر إلى زمن الكائنات الآلية، المبرمجة، تذكرنا بأول آدم مُخترع وهو فرنكشتين. كل الحروب التي عرفنا، على امتداد نصف قرن، ومن خلال الأبطال الذين تربعوا على دمائها وخرابها كانت تتأصل هذه الكائنات إلى درجة إدراك الطبائع والأحوال والجلود. تعطيل الأدمغة بعمليات زرع أدوات، مصطنعة تحل محل الوظائف الطبيعية. زرع اعضاء معدنية، أو بلاستيكية، تُشَغِّل ببرمجة دقيقة تحل فيها الأشياء محل الكائن. أترى ما توصلنا إليه اليوم، (حتى بعد الربيع اللبناني) مجتمعات بلا جماعية، أفراد بلا فردية. أحرار بلا حرية. سلوك بلا مسالك. إرادات بلا إرادية. أي غياب معدني. (أو نباتي) أو حتى هَيولي. موجة الأفلام والمسلسلات، والكتب التي تقدِّم مثل هذه الكائنات كأنها تبشر بنهاية المجتمعات التشاركية الحرة والمثول أمام تُحِّركُ فيه الآلةُ الآلة، بخلائق وخصائص وتكاوين لا انسانية. هذه الموجة ليست سوى تعبير عما آلت اليه الحياة نفسها: استهلاك الذوات الطبيعية، والإبداع والحرية والنزوع إلى الموت المعلن. لا أفراد. لا جماعات. لا شعوب. ولا أمكنة. ولا طبائع (اذا استمرت هذه الوتائر).
وعندما نستعرض مشاريع القوانين الانتخابية المتداولة، نكتشف بلا جهد، وعلى اختلاف مصادرها ونياتها ومراميها، انها تسعى، قبل كل شيء إلى تجديد صناعة هذه المجتمعات غير المجتمعية المجردة من التفاعل والاختيارات في فضاء غرائبي من نسيج واقع اصطناعي يسمى نظاماً سياسياً أو تجميع وقائع تسمى واقعاً. صنّاعو هذه المشاريع في فباركهم العجائبية لا يريدون سوى استمرار تحويل هذا الشعب إلى ركام شعوب، وإلى خردة أفراد، وإلى نوافل جماعات، يُجبل منها أناسٌ مبرمجون مُقولبون، ممغنطون مستلبون تتملكهم هواجس من يخاف أن يغادر فقاعة الانسان الآلي. وهذه مهمات من يريدون الاستمرار في التحكم عن بُعد، أو قرب، بهذه الروبوتات من نوافل ما تبقى من الأيديولوجيات والطائفية والمذهبية. فكأنما يتعاطون تجارة الأعضاء البشرية. او يمارسون عمليات زرع الأطراف والخلايا المستخرجة من الأنسجة، ومن الجنون ومن الخبل ومن الآسِن، في مصنعات تُسوِّقهُم وتُصدِّرهُم معلبات انسانية جاهزة، إلى اسواق الاستهلاك السياسية والاجتماعية. وعندها نعود إلى زمن الطغاة في القرن الماضي وما قبل، نجد أن استيلاد الشعوب كبضائع أو تربيتها كمواش، في أزمنة ملغاة وتواجدات ملتبسة، وإرادات افتراضية وعقول مسوقة تديرها آلة السلطة المركزية بدراية وعنف ودقة علمية (كل الأيديولوجيات كانت علمية في قراءة الواقع أو تغييره!) من الستالينية وصنائعها المُنجزة، إلى النازية ومصنفاتها العنصرية، فإلى الصهيونية ومُحنطاتها الإسطورية (الدينية) فإلى البعثية ومعاملها الاستئصالية، فإلى الأصوليات القومية الدينية (يهودية، مسيحية، اسلامية) ومربعاتها ودهاليزها ومهاويها الاقتلاعية، كما نشهد اليوم في عالمنا العربي، وفي أميركا (حزب الشاي) وفي السويد وفي إلمانيا وفي فرنسا.. لا سيما في اسرائيل، كأن العالم تخلى عن نفسه فجأة. كأنما صادرته، من جديد حتميات لا تاريخية، لا انسانية. بلا أبواب. ولا حواس. ولا نوافذ. ولا عيون. ولا قلوب. ولا نبض. كأنما العالم يعيش اليوم في عزلات تشبه زيارة المتاحف. أو ارتياد المقابر. أو الشواهد. والسوبرماركت. أو أسواق البالات والأنتيكات. بل كأنها العالم اليوم كلما ازداد استسلاماً لغيابه، ازداد تشيؤاً، ازدادت المواد المصنعة في قنواته وعقله. ازدادت الخلايا المفترسة في أجسامه. ازداد كل ما يُحوّله عن ذاته. عن خياراته. عن مستقبله. كأنما يعيش في حاضر مصنوع. وفي جسم غريب. انها الطبائع المزروعة التي قد لا تترك مكاناً لما هو حياتي وطبيعي.
هذه المنازع والظواهر يمكننا استكشافها اكثر فأكثر في مآلات المكوِّنات المذهبية عندنا، والتي تعود إلى مئات السنين. وعندما ننظر حولنا اليوم وما نتابع من مشاريع قوانين الانتخابات، نحس اننا نتوه وبإطراد في عوالم لو أمعنا النظر فيها جيداً، حسبناها من الخوارق والمعجزات (الارتكاسية) ومن مغامض الأقدار، وغرائب المصائر. كأنها انضواء نهائي إلى عالم الكائنات الآلية. (النباتية) بل كأن كل ما يجري من مداولات، في لجان وخلف كواليس، يوحي كأن صُنَّاع بنود هذه القوانين الانتخابية لا يريدون أن ينتخب أحدٌ. أي تصويت بلا انتخاب، أو انتخاب بلا اختيار. أو اختيار بلا ارادة. أو ارادة بلا حرية. قوانين إدامة الغياب. وإعادة المتمردين على شروط المكننة الغريزية، إلى احواض الأسماك، وزرائب القطعان والعلامات المدموغة، لا يريدون أن تتحرر الجباة من اي وشمة. أو الأجسام من أي ومضة، أو الأيدي من أي قيد. أو الفكر من أي تفكير. يذهبون إلى صناديق الاقتراع جماعات بلا فرادى، وفرادى بلا جماعات. مواكب تحمل اسماءَ خنوعها. واجناس اكتفت بشروط غرائزها، أو ما صار غرائزها، أو ما حل محل غرائزها، لا الدين. والدين ليس غريزة. ولا التعقل والتعقل ليس غريزة. وانما المذهبية. انها الهوية العبثية الوحيدة التي يجب عليهم اشهارها! وحدها. تماماً كما تصنيف الديوك والدجاج والماعز والخراف بصفاتها الأبدية. هوية واحدة تسحبها، ممكننة، محددة، نهائية، مشفرة. تصفر انذاراً عند كل ما يمكن ان يداخلها من غير خصائصها وأرقامها. كالقبائل الأبدية. نعم! كالمصنوعات المتجددة بموادها القديمة. نعم! فأنت لا تذهب إلى التصويت لكي تعلن موقفاً. أو موقعاً او اختلافاً. لا! انت تذهب إلى هناك لأنك بت كائناً محكوماً بما صُنعت منه: الآلة المذهبية تأمرك، وتذهب وأحياناً، ليس بالضرورة ان تصوّت (مع أحد) ولا لأحد... وانما لما تعرفه أو لا تعرفه. تمشي بين اشارات اضيئت سلفاً امامك: هنا الأحمر: تقف. هنا الماوردي تتردد. هنا الأخضر تكمل. هنا الصندوق الأخضر. انه صندوقك. رائع! توقف. حرّك يديك. اسحب الورقة بطاقتك الوحيدة. انزلها في الصندوق كما ترمي علبة فارغة من النافذة. او قشرة موز في صندوق القمامة: أو مجرة فردوسية في فضاء الفراديس المذهبية اللامحدودة! ارمها كما ترمي أيامك المقبلة خلفك. وعليك، وبحسب القوى وقوانينها، ان تعرف ان اختيارك هنا من اختيار سواك. بل عليك ان تعرف ان كل شيء مُعّد سلفاً بما في ذلك انت والنتائج. بما في ذلك المنتصرون والمنهزمون. الغائبون والحاضرون وانك حين تُراكِم أوراق التصويت تصبح بلا صوت. لأن الصوت القوي المدوي وراءك. وان الذين يكمنون وراءك من الهة مزيفين فرِّيسيين. انما يتربعون على هذه الأوراق والصناديق والأيدي. وانك حين تشعر بحريتك بالاختيار. تعرف ان دائرة طبشور رسمت حولك، وحذار ان تتخطاها. انها القبائل الأبدية تحولك عابراً بين عابرين. ومتاعاً بين الأمتعة، فأنت وبحسب هذه القوانين لست حاضراً إلا على قدر ما انت مُغيّب. ولا مزهواً إلا على قدر ما انت ذَلول. ولست مواطناً إلا بقدر ما انت كائن، اضاع كل هوياته وتواريخه وصَبَّ عزلته في صندوقة لن تعرف يوماً لا من صنعها ولا من دق مساميرها وانت أمام الصندوقة لا تختلف عما انت امام أحوالك الشخصية وأحوالك الشخصية جزء من دستورك. ومن قوانينك. ومن قُضاتك. ومن شيوخك وكهنتك. هي لهم هي لسلطانهم وما يدر وما يُغدق، وما يؤمن هيمنة. يعني انك في احوالك الشخصية عليك ان تترك أمورك الشخصية من زواج واختيار وحب وتمرد وحرية إلى سواك. فانت شرعي بهم فقط بهم. ونتذكر هنا العميد الكبير ريمون اده عندما طرح مشروع الزواج المدني، ورُفض. والرئيس الهراوي عندما قدمه وقامت القيامة عليه: فالذين لم يتفقوا عندما اجتاحت اسرائيل لبنان (عدة مرات) اتفقوا بالاجماع (!) على دفن المشروع. هددوا بقطع الأيدي والرؤوس (كالحَجّاج!) وبالثورة وجعلوا من هذا المشروع اثماً وخطيئة مميتة، ومصير كل من يعتمده الاحتراق بنار جهنم. والكفر. واهدار الدماء.. فأنت هنا، كما شأنك في أمور الدنيا والبلاد: كائن بلا وجود. ووجود بلا حضور. وشاهد بلا صوت. ومواطن رهن كل ما هو غير مدني (في الزواج المدني) وفي شؤون الحرب، والسلم والاتفاقات والقرارات. هنا تنفجر القوانين وتصيبك لينجو منها (الاستبداد والتشريعي والشرعي والمذهبي. فعندك طريق واحدة هي ان تقبل كل قانون انتخابي سواء اتى من مطابخ الخارج أو طلع من مستنقعات امراء المذاهب والسلاح والقتل والفساد. فكأن ما يجعل النظام قوياً انحرافه إلى اللانظام. أي الى مجافاة حقك الانساني بالاختيار. وحتى عندما تُصوّت وتحسب نفسك منتصراً أو مهزوماً، فالأمر سيان: فصوتك يذهب الى مجلس نيابي مقولب. معولب، او إلى حكومة لا تعرف لا من الّفها. ولا من هو رئيسها. ولا من يديرها. فحكومة اللانظام هي سرُّ قوة النظام. حتى عندما تأخذك الجلالة بالاستقلال أو السيادة أو القرار الخاص فسيادتك تذهب فوق القوانين والأعراف والواجبات والمشاعر والشهادة: تذهب سيادتك إلى العملاء، إلى اهل الارتهان: إلى قوانين هي اشلاء في عيونهم. ومِزَق في عيونهم. ونشاز في أصواتهم واذا كنت مدنياًَ وطالبت بما يجب أن تطالبك به مواطنيتُك. فأنت تصير من سقط المتاع، مهدداً بلقمتك وبحياتك: ذلك أن القوانين الموضوعة أصغر من الآلة الذي يبركون فوقها بدساتيرهم وفتاواهم وعظاتهم الجهنمية. فلا بأس ان ذهبت احياناً إلى قضاة تطالبهم بعدالة، وتجد ان القضاة بلا قضاة. والمحاكم بلا موازين. وتعرف عندها ان ما يكتب على الورق، انما يكتب بحبر من يمحوه. فلا القانون يحميك لأن امراء القتل والعمالة يصادرونه كما يصادرون كانتوناتهم. وكما يصادرون صوتك. فكأن لا مكان لعقد القران الا عندهم، وفي أمكنتهم وفي قاعاتهم وفي انفاقهم. وداخل خزائنهم. فأنت، مُجبر! وكثيراً تصرخ مرة، ولا حتى صحراء. وعندما تهزك آمال ولو عابرة بفكرة، او بتجربة، او بمقام، فسرعان ما يتفتت في كفيك كل ما توهمت. فالدساتير المعلقة كالذبائح لا يصنعها سوى اهل الذبائح. واهل الذبائح يحزّون كل ما ملكت الأيدي لينكروا، ويغيروا، ثم لينساقوا في كرنفال طويل من الأقنعة والقطعان والتي يوفرون منها مواطئ سلطة أو حُكم او بطاقة، قبول في هذه المسالخ المكتظة. عندك دستور لكن ليس لك. عندك قانون انتخابي لاهل السلطة. عندك زواج مدني بأيدي غير المدنيين. فالذين يمنعون قيام ما يساوي الناس بالناس. والناس بالحرية. والناس بالحياة، هم الذين يكشرون عن نواجزهم أمام قوننة الزواج المدني. وهم الذين يتلاعبون بالارادات والمصائر في مشاريع الانتخابات. وهم الذين وبتواطؤات الفية، ينهبون ما للناس وما إليهم. وهم الذين يقودون البلاد إلى المجاهل والخراب ويقيمون السدود والحواجز والغيتوات. حلقات متصلة، مترابطة تتسلسل من قمم السلطة إلى أسافلها. انهم من المعدن نفسه وبلمسته السحرية (كالحجر الفلسفي). وبعصا غرائبية ، يحول كل شيء خراباً وشغوراً وخسارة..
ومع هذا فالناس تنتظر بمعية المسحورين والمستلبين، جمهورية جديدة... أو انساناً جديداً لكن بمواصفات الكائنات الهجينة، الآلية التي تنتظر لأنها لا تنتظر. والتي تمشي لأنها لا تمشي، والتي تختار لأنها لا تختار. ولأنها تصمت في طريقها إلى التفتت والتفكيك، تماماً كهذه الدمى التي تتعطل بلا ارادة، وبلا وجود. انها الدمى.. تلك التي تنتظرها صناديق الاقتراع وأروقة الزواج المدني، وبنود القوانين.. والفساد العميم!
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00