بدعة كانتونية متجددة غير مفروضة بسلاح الميليشيات الطائفية منذ السبعينات ومن حزب الله، حيث قَسَّمت الجغرافيا، والأحزاب والمواطنين والعلمانيين واليمنيين والليبراليين واليساريين على قياس تلك الكانتونات. ونحن نعرف مدى الخسارة الفادحة التي ألحقت هذه الكانتونات بلبنان، وبالانتماءات السياسية والفكرية والأخلاقية والوطنية. اليوم، تأتي بدعة تجدد مناخ تلك الأزمنة القاتلة، ليس عن طريق السلاح والقتل على الهوية وخطوط التماس، وتقسيم الدولة وانما عن طريق تبنِّي بعضهم من أطراف مسيحية (شارك معظمها في تلك الحروب التقسيمية المذهبية) قانون مستر فرزلي، وهو من ربيبي غازي كنعان ورستم غزالي ومن تواريخ ملتبسة اثناء غزو اسرائيل للجنوب والبقاع الغربي (أكيد هو يفهم عليّ جيداً). هذا القانون الذي يفرض (كدستور انتخابي جديد) انتخاباً على الهوية: (المسيحيون ينتخبون المسيحيين، والمسلمون ينتخبون المسلمين، في شرذمة فظيعة للمواطنية وللاقصاء ولحرية التعبير وسيادة مطلقة للانصياع المذهبي. قد يكون طرح مشروع هذا القانون المسخ يلغي كل ما تراكم من أفكار وتطلعات وابداعات نهضوية لبنانية وطليعية وعربية، وكان لبنان من طلائعها ويعدم كل ما تبلور من حياة سياسية ووطنية وعلمانية ومدنية، وكأن لبنان، يبدأ معه، من الصفر كأنه ولد من فوره من جحور المذهبية، بل كأنما حوّل اللبنانيين من مواطنية انتمائية إلى قطعائية مدموغة ومشوهة، وحوّل الفضاء النسبي المفتوح بين اللبنانيين جدران فصلٍ لعنصرية جديدة.
جدران فصل لا ترفع فوق جغرافيا مديدة، أو حدود بين دول، وإنما بين كل مذهب ومذهب، بين كل حزب وحزب، بين كل عائلة وعائلة، بين كل جغرافيا وأخرى، كأنما تقسم الهواء مذهبياً والوجوه والأصوات والدجاج والطبيعة والأشجار. وعندها نلمس تساوياً بين البشر والحجر. فما يفرق الإنسان عن المخلوقات الأخرى هو حرية الاختيار وعقلانية الاختيار. في فضاء سياسي مشترك متعدد ومتشابك وهذا القانون هو طمس للفرد، ولحقه في الاختلاف عن الأكداس والمجموعات المدموغة، اي انها التوتاليتارية السافرة، لكن ضمن توتاليتاريات مذهبية جزئية تكون في محصلتها استبدادية متفلتة، ومجنونة، لا تختلف كثيراًَ عن منظومة استفتاءات الطغاة والاستبداديين 99،99 . وقد لفتني وصف الأطراف المسيحية التي وافقت على هذا القانون بأنها تشكل الاجماع المسيحي!. أي انها تختزل كل المسيحيين الذين رفضوا هذا القانون من العميد اده، إلى سمير فرنجية، فإلى بطرس حرب، فإلى الياس عطالله، إلى شمعون، إلى ادمون رزق، إلى النائب فرعون، وميشال المر وصولاً إلى البطريرك الراعي، إلى نائب رئيس المجلس النيابي مكاري، ناهيك عن المستقلين، واهل المجتمع المدني واليساريين والليبراليين والمفكرين والشيوعيين والقوميين (لم نسمع تعليقاً من الحزب الشيوعي اللبناني على هذا المشروع!)، والعلمانيين. هؤلاء مسيحيون لكن غير متمذهبين إلى درجة الكانتونية. وهناك في الضفة الإسلامية ما يوازي ذلك، سواء عند الشيعة او عند السنة او عند الدروز.. ناهيك أيضاً بكبار الكتاب والفنانين والشعراء، (لا أقصد الشعراء الانتهازيين ولا المنضوين تحت قبة الأحزاب الطائفية او الاستبدادية). فأين سيصوت هؤلاء ولمن وكيف. وأين حرياتهم. وأين اختياراتهم؟ وهل نحن وهم مجبرون على انتخاب هذا الحزب المذهبي هنا أو ذاك هناك.. ونحن غير طائفيين! اعتبروا ان فلاناً مارونياً سيصوّت لفلان شيعي أو سني، أو يساري والعكس، فماذا يفعل: وأين يذهب وفي أي صندوق يرمي ورقته. عندها تتحول هذه الصناديق إلى قاذورات، إلى أقل من نوافل. إلى أقل من مكبات تفوح منها روائح التخلف والتعصب والقسمة والغرائز.. والقتل! انها صناديق قتل لبنان، لبنان الفضاء المفتوح. لبنان العروبة. لبنان الأفكار المتعددة لبنان التغيير. انه قانون اللاانتخاب. وماذا يمنع عندها من انتقال الصراع الطائفي والمذهبي إلى داخل الطوائف الكريمة. أو ليس هذا ما أدت إليه المنظومات الكانتونية التي وضعت الشيعي في مقابل الشيعي (حرب اقليم التفاح والضاحية) و(مقتلة الصفرا) وحرب الألغاء بين جنرال المصائب والقوات اللبنانية؟ حيث تكون الغلبة لمن هو أكثر تسلحاً وأكثر تطرفاً وأكثر مزايدة وأكثر فساداًَ بل وأكثر عمالة. انه دستور الارتهان للغرائز؛ أكثر، انه صيغة جديدة لتعميق اللا انتماء واللاسيادة واللاجمهورية؛ وكما كانت الكانتونات من صنائع الخارج: كل ميليشيا مسلحة بالمال الخارجي وبالعنف وبمشاريع التفكيك سيطرت على منطقتها الجغرافية، إما تحت ذرائع المقاومات التي انتشرت كالذباب على امتداد نصف قرن ممولة من أنظمة الاستبداد وصولاً إلى اسرائيل، هكذا ستكون العلاقات بين اللبنانيين.
هذا المشروع لا يقل خطورة: لأنه يقسم التقسيم القائم. بل انه التقسيم المشرعن والمعلن والمجاهر به وهنا لا بد من ان نتساءل: أترى تصبح المقاومة مجرد ظاهرة شيعية؟ وعن أي امة سيتكلم عندها السيد حسن نصرالله: عن أمة الضاحية، او النبطية، أو شيعة جبيل، وعندها عن أي لبنان سيتكلم المسيحيون الذين أيدوا هذا المشروع: لبنان أصغر من أي دسكرة. بل سيكونون في هذا المشروهع أقل من مخاتير ونواطير ورؤساء بلديات! وهل سينشدون عندها اناشيد لبنان الكرامة والشعب العنيد ولبنان فينقياً وقدموس ومخترع الحرف، ومفتتح القارات! وهل سيهتف العروبيون عندها أغاني الوحدة والعروبة والرسالة الخالدة وشعب واحد.. أي مكان سيكون لأي عروبة؟ وهل سيرنم الشيوعيون واليسار ترانيم الأممية وكسر الحدود بين الشعوب وارساء العدالة، والاشتراكية؟ وبم سينادي القوميون السوريون الاجتماعيون (وهم حزب النهضة بأفكار الكبير انطوان سعادة)، هل سيبقى لهم أن يتكلموا عن الهلال الخصيب ويطالبوا باستعادة لواء اسكندرون وصولاً إلى قبرص (نجمة الهلال). بل بم سيتحدث النهضويون لو تحدثوا من جبران إلى نعيمة، إلى أمين الريحاني إلى فؤاد سليمان إلى أحمد فارس الشدياق وميشال شيحا ومارون عبود وغسان تويني وحسين مروة ومهدي عامل وعبدالله العلايلي وصولاً إلى أمين نخله والياس ابو شبكة.. بل أي مكان سيبقى لهؤلاء: أنقول لهم قوموا من قبوركم لينتخب كل منكم مرشح طائفته! بل وأي تاريخ مجيد سيكون لهذا اللبناني؟ وأي مجد؟ وأي بشائر؟ وأي ماض؟ وأي مستقبل؟ بل ماذا يمكن أن يجد شعبه (حتى الذين ضُللوا منه) غير التنافر والقطيعة وحكم الشراكة وكسر التفاعل وانتهاك المصير المشترك وسيادة النرجسيات المذهبية القاتلة، وماذا سنقول لابنائنا من الأجيال المقبلة: لا تفكروا ولا تقرأوا. وسدوا كل أفق عليكم: لأنكم ابناء الكانتونات الجاهزة ومنتجة الخراب والعنف والأمية والفراغ والتعصب، والحروب والحصار والانقسام: هل نقول لهم لا يخطرن ببالكم أن تفكروا بالتعددية السياسية لا الفكرية ولا الابداعية، لأن هناك تعددية عنصرية مذهبية هي اساساً أحادية: هل نكرر لهم ان التعددية الحضارية تعني حصراً التعددية الطائفية عندنا: وسبق ان قيل لهم إن كل النزعات الطائفية أحادية مستنسخة قاتلة، ليس فيها شيء من أي تعددية أو صراع سياسي؟ نعرف جيداً ان الذين يأتمرون بالخارج لا يمكن لا أن يضعوا دستوراً انتخابياً ولا غير ذلك. لأنهم عندما يظنون او يتظاهرون بأنهم يضعون دستوراً للبنان يحاولون اقناع ناسهم بذلك، انما يكونون ينصون، دستور الخارج: دستوراً انتدابياً، او استعمارياً جديداً... فالدستور لا ينبع دائماً من المتطلبات الأنية وضغوطها ومناوراتها ومصالحها: انه حلم، حُلم مستقبلي يصنع مع الشعب كله من أجل وضع أسس حياة ودولة وقوانين وعدالة وسيادة وحرية وديموقراطية شاملة. وهذا الدستور المُفرزل مناف لكل ذلك..
وهنا بالتحديد يمكن الكلام إلى جماعة 14 آذار والربيع اللبناني، وثورة الأرز ولبنان أولاً: أهذا هو قطاف هذه الثورة التي كانت الشعلة الأولى لانطلاق الربيع العربي؟ أهذه سقوف أمالكم وأحلامكم؟ لهذا نزل مئات ألوف اللبنانيين من كل الأحزاب والطوائف والانتماءات إلى ساحات الحرية مطالبين بالديموقراطية والسيادة والتعددية ولبنان العروبة الحضارية ولبنان التقدم ولبنان الانفتاح؟ أترى كانت عند بعضكم مجرد كلام تصويت، شعارات! وعندها ماذا ستقولون لشهدائكم: ماذا سيقول الرئيس أمين الجميل لابنه (الرائع) بيار الذي استشهد ولرفيق دربه انطوان غانم؟ وماذا سيقول سمير جعجع لشهدائه أيضاًُ؟ وماذا سيقول كل هؤلاء الذين اصطفوا وراء هذا الدستور للشهداء الآخرين: الرئيس الحريري، وجورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني وسامر حنا وفرانسوا الحاج ووسام عيد ووليد عيدو (وابنه) ووسام الحسن. هل سيقولون لهم: هذا هو ثمن الشهادة: قانون انتخابات على قياس من :ورثكم؟ وقياس مَنْ ورثكم بهذا الحجم: كانتونات قد تكون أقل من دساكر، وبعقول أقل من حدود المخاتير ولبنان شراذم أو محميات مصغرة، مصغرة ، ميكروسكوبية، لا ترقى لا إلى صفات الجمهورية، ولا إلى صفات اللامركزية، ولا إلى الكونفدراليات. فهل ستقولون يا مؤيدي هذا المشروع لكل هؤلاء الناس الذين نزلوا إلى الساحات لا يصوّتن كل واحد إلا لعشيرته. وكأن التظاهرات المليونية لم تكن أكثر من تجمع عشائر ومذاهب وقبائل منفصلة عن بعضها، ملزقة ببعضها: أتكون 14 آذار الشعبية مجرد ملصق او يافطة، أو شعارات تمحى بعد ارفضاضها. أتكون هذه الجموع التي اندفعت بكل حيوية وبشجاعة وصدق وبراءة وأمل، مجموعة مولونوغات متنافرة وها هي منفضة الآن... كلُّ في سبيله مشغول بأحلام كبرى متمثلة باختيارات عنصرية وانفصالية. أتكون كل هذه الجموع التي تدافعت وكانت مستعدة للاستتشهاد، مجرد انعزاليات تراكمت فوق بعضها لتشكل كرة انعزالية، مغلقة ومعدنية جديدة تعيد ازمان الحروب والميليشيات وخطوط التماس؟ هذه الأسئلة نوجهها إلى الجميع: إلى سمير جعجع، والرئيس الجميل وسواها.. نقول لهم، أهذا هو لبنان أولاً الذي هتفتم به؟ أم هو زعيم الطائفة أولاً (باسم الطائفة)؟ أهذا هو المجتمع المدني الذي تكلمتم عنه؟ أهذه هي الروح التي بشرتهم بها اثناء خطبكم في التظاهرات وعلى التلفزيونات؟ أهذا هو مفهومكم للسيادة؟ وللعيش المشترك (مع انني لا احبذ هذه العبارة) أهذا هو رأيكم بالجمهورية التي تصير معكم اليوم جمهوريات موز، واقنان دجاج ومجموعة سجون مذهبية؟ أو ليست الديموقراطية هي التفاعل الاجتماعي والشراكة السياسية والتواصلية والجدلية؟ فاذا كانت الجمهورية هي تجمع بلديات فهنيئاً لكم بها مع أن البلديات أكثر تقدما منكم وإذا كانت الديموقراطية مجموعة استبداديات مذهبية، فهنيئاً لكم، واذا كانت الانتخابات تجري بأوشام الغرائز فمرحى بغرائزهم الفائضة. فهل خدعتمونا من جديد؟ وهل كذبتهم علينا؟ وهل سخرتم منا؟ وهل يندرج كل نضالكم في تعزيز مصالحكم وأنانياتكم؟ وهل ما تؤيدونه يقيس أحجامكم وسقوط أفكاركم وحدود لبنايتكم... أترى هكذا تنزلون من نضالات بحجم وطن، إلى ممارسات بحجم أقزام؟
وهل تظنون ان الربيع اللبناني تختزلونه بصراعات تافهة حول من يمثل المسيحيين او المسلمين؟ اهذا هو مستوى التنافس بينهم اتعيدون علينا اراجيز مصلحة المجتمع الشيعي أو المسيحي.. فوق كل اعتبار اذاً اين صار لبنان: وأين صارت مجتمعيته؟ وهل تظنون انه يهمنا من يفوز منكم على الآخر، ضمن الصراع حول زعامة هذه الطائفة او تلك.. على حساب خسارة البلد ووحدته وديموقراطيته وحريته ومدنيته!
جدران الفصل العنصري هذه التي ترفعونها من خلال مشروع قانون الفرزلي ستهوي عليكم! كما هوت عليكم الكانتونات الطائفية التي اقامها الخارج لكم، ليحول لبنان من وطن إلى مزرعة طوائف!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.