8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مؤتمر اتحاد الكتّاب العرب في البحرين والربيع العربي!

عندما لبيت دعوة إتحاد الكتاب العرب لحضور مؤتمره الخامس والعشرين في البحرين كضيف شرف لم أكن أتوقع ان يكون لبنان غائباً عبر إتحادنا عن فاعليات هذه الدورة سواء عن المداولات التي أجريت حول بعض التعديلات الداخلية، أو عن الندوات، أو عن الأمسيات الشعرية. عرفت عند وصولي أن شباب الاتحاد قرروا التضامن مع إتحاد الكتاب العرب السوري بالمقاطعة. رائع! مقاطعة سياسية لأعرق المؤسسات الثقافية العربية. ثم تيقنت أن المقاطعة (وهي انجاز يحسب لاتحاد الوصايتين) تمت لأن المؤتمر عُقد في البحرين، والبحرين على تناقض سياسي مع إيران والنظام الموالي في سوريا، ومن الطبيعي أن يكون لحزب الله دور في هذه المقاطعة. ومن الطبيعي لهؤلاء القيمين على الإتحاد ان يخوضوا معركة إيران والحزب في البحرين. ولكن اللافت أيضاً ان اتحادات في دول على خلاف مع النظام البحريني حضرت، وشاركت بفاعلية، كالجزائر والعراق، (ألقى الموفد العراقي كلمة الوفود العربية). لكن استدركت: عندنا في لبنان المعركة مصيرية، فاتحاد يكون يخلو من الكتاب والأدباء من الطبيعي ان يفيض بأشباههم، انما بأقنعة سياسية. اتحاد سياسي منحاز تقسيمي يفترض انه يمثل كل الإتجاهات الأدبية وغير الأدبية لكن تفضيله النضالي (من غير شر)، المقاوم والممانع المقاطعة نَزَعَ عنه الصفة الثقافية (بمفهومها التعددي) وجعله خرقة كسائر الخرق والدمى التي تحركها جماعة الوصايتين الإيرانية والسورية. يعني ان هذا الاتحاد بات إتحاداً حزبياً ضيقاً، مغلقاً، اعلن بطريقة أو أخرى، خروجه عن إطاره العربي. شيء مخزٍ! ونتذكر انه في أوج الصراعات بين الأنظمة والدول العربية، كان جميع الاتحادات تحضر بلا استفتاء، وهذا من بداهات الأمور، باعتبارها، تضم الجميع. لكن هذا الإتحاد الانعزالي لم يعرف إنه قاطع العرب كلهم بمقاطعته إتحادهم.
ونظن أن ما جرى في البحرين، ليس جديداً. فالنظام السوري على امتداد الأربعة عقود، كان يتحكم، وإلى حد كبير بإرادة لبنان السياسي: احضروا هذا المؤتمر أو قاطِعوه. فيحضروا او يقاطعوا، فاستلاب الإرادة السياسية من الشعب اللبناني، لا بد أن يؤدي إلى استلاب الإرادة الثقافية في المؤسسة الإتحادية. وإذا كانت الوصايتان تعيشان اليوم في عزلة شعبية وعربية ودولية فلماذا لا يختار هذه الإتحاد هذه العزلة. (وهذا كان يحدث أيضاً في السياسة). وعندما سئلت عن سبب عدم حضور إتحادنا الإبداعي هذا المؤتمر قلت لهم: انا منسحب منه منذ أكثر من عشرين عاماً عندما كان غازي كنعان ورستم غزالي وسواهما من الأجهزة يُعينان الهيئة الإدارية تعييناً واحياناً كثيرة في فندق البورياج وقلت لهم أن كبار الأدباء والشعراء والمثقفين لم يعد لهم علاقة بهذا الإتحاد الحزبي التابع للوصايتين.. وعندما سُئلت لكنك تحضر المؤتمر ، أجبت نعم: لكن بصفة شخصية وكضيف شرف.. هذه هي حال هذا الإتحاد الذي لا يمثل لا الكتاب ولا سواهم، بقدر ما يُمثل فريقاً من اللبنانيين يساند النظام السوري في قتل شعبه، ونظام ولاية الفقيه الممعن في عروبته!
عُقد المؤتمر من 22 إلى 25 كانون الأول تحت عنوان الكلمة من أجل الانسان برعاية وزيرة الثقافة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، وبحضور الأمين العام للاتحاد الكاتب المصري محمد سلماوي، وعدد من الأدباء والكتّاب العرب. وعبر الشاعر ابراهيم بو هندي في كلمة الافتتاح دعم أسرة الأدباء في البحرين أمين عام الإتحاد محمد سلماوي في حمل الأمانتين امانة الإتحاد العربي وأمانة إتحاد كتّاب آسيا وأفريقيا مضيفاً في ترحيبه بالضيوف لقد شرفتمونا بحضوركم واجبتم به على انحراف بعض الأقلام الملوثة أحبارُها بانفاس العبث الطائفي، الذين حاولوا أن يثنوا فيكم العزم عن المشاركة في هذا الحدث العربي الكبير، إلا أنّكم بموقفكم العربي النبيل مع الأدب البحريني انقذتم كيان إتحادنا العريق من شر التجاذبات السياسية العابثة باللحمة العربية. وألقى محمد سلماوي كلمته متحدثاً عن الدورالكبير الذي قامت أسرة الأدباء والكتّاب على استضافة المهرجان الذي سيشتمل على فعالية كثيرة ويُعقد في ظروف غير طبيعية نظراً للأوضاع التي تمر بها المنطقة العربية منوهاً بالدور الطليعي الذي يقوم به الأدباء حيثما حلوا باعتبارهم ضمير الأمة والقوة الناعمة التي صنعت مجدنا . وألقى رئيس إتحاد الكتاب العراقي فاضل ثامر كلمة الوفود المشاركة أعرب فيها عن بالغ سعادته بإقامة هذا المؤتمر في مملكة البحرين واختتم المفكر محمد جابر الانصاري (المحتفى به مع الشاعر البحريني ابراهيم العريضي)، ومستشار العاهل البحريني كلمات الافتتاح موضحاً أن أسرة الأدباء والكتاب هي إحدى أقدم مؤسسات المجتمع المدني في البحرين كونها تأسست في العام 1968.
وبعد ذلك تمّ تسليم الشاعر العراقي حميد سعيد جائزة القدس وهي أرفع الجوائز التي يمنحها الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب من يد الوزيرة سميرة رجب التي قالت في كلمتها ان حضورها المؤتمر بصفتها أولاً كاتبة دعماً للحضور وللمؤتمر.
في اليوم الثاني للمؤتمر عقدت في قاعة مركز الجوهرة ندوة حول المفكر البحريني جابر الأنصاري، وقدمت فيها عدة أوراق. الأولى للدكتور باقر سلمان النجار (استاذ علم الاجتماع في كلية الآداب بجامعة البحرين) والورقة الثانية للشاعر المصري الدكتور حسن طلب (أستاذ الفلسفة وعلم الجمال بجامعة حلوان مصر) الورقة الثالثة للدكتور رياض يوسف حمزة (الأمين العام لمجلس التعليم العالي في البحرين، أما الورقة الرابعة فقدمها د. محمد نعمان جلال (مستشار الدراسات الاستراتيجية البحرين).
ملتقى الأنصاري
بعدما تحدث الأنصاري في كلمة عن ملامح منهجه الفكري مستعرضاً إياها بدءاً من لمحات من الخليج العربي 1970 مروراً بكتاب الخليج، إيران والعرب (1982) والفكر العربي وصراع الأضداد تكلم محمد نعمان واصفاً تجربة الأنصاري بانها واقعية من حيث الرؤية النقدية التي تجعل المفكر يتفاعل مع الواقع وينتقده سعياً إلى تطويره وتحسينه من دون الوقوع في شرك الفكرة الحالمة. وينتقل بعدها ليستعرض محاور الدولة المدنية في ضوء مشروعه الفكري. مشيراً إلى ان الاقتراب من ظاهرة بالغة التعقيد والحساسية هو أمر ليس سهلاً، وانما ينطوي على قدر من المغامرة، ويحتاج إلى قدر من الدقة في تحديد المفاهيم المرتبطة بالظاهرة إلا وهي موقف الانصاري من مفهوم الدولة المدنية.. وقد أرجع د. جلال هذا التعقيد إلى تداخل ثلاثة عناصر رئيسية: الأولى ) دراسات الشخصية وهي مسألة صعبة باعتبار الانسان حقيقة مركبة من مشاعر، ومن عقلانية ولا عقلانية ومن واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي.. الثاني) : دراسة الدولة المدنية وبدورها كما يقول د. جلال مفهوم جديد لم يتفق على توصيف مُحدّد له والثالث) : عملية الخلط والتشويه المرتبطة بمفهوم الدولة المدنية ومدى علاقتها بالمفهومين العلماني والديني.
وتحدث جلال عما وصفه عند الأنصاري بنقاط التركيز بالنسبة إلى مفهوم الدولة المدنية مختزلاً القوى في انها تعبير عن 1) حضارة الأصوات المتعددة باعتبار ان الدولة الدينية وخاصة العقائدية تعبر عن حضارة الصوت الواحد. 2) التفاعل بين السياسي والمفكر (المثقف). فالدولة الدينية تعبر عن سيطرة السياسي على المثقف، وهذا ما يؤدي إلى انتماء المثقفين. 3) مفهوم التعدد في السياسة والدين والثقافة والاقتصاد والفكر وهو وثيق الصلة بمفهوم الحرية. فالدولة الدينية شمولية أحادية وما عدا ذلك فكفر والحاد وهرطقة وخيانة. 4) النقد للذات، يعتمد على المنهج العلماني والعلمي...
أما الباحث الاجتماعي البحريني د. باقر النجار ومن خلال ورقته محمد جابر الأنصاري مفكراً عربياً.. فقد تحدث عن الأثر المكاني في تجربة الانصاري الفكرية ذاهباً إلى أن الانسان يمثل في أفكاره ومواقفه وتوجهاته الإجتماعية والثقافية والسياسية نتاجاً للسياقات المكانية والفضاءات الاجتماعية والثقافية التي هو جزء منها. وتعني بالمكان ذلك الفضاء الاجتماعي بما يحمله من تاريخ اجتماعي واقتصادي وأنماط انتاج وتمثلات ثقافية وفكرية.. مضيفاً ان الأنصاري في شخصيته الفكرية هو وليد تلك السياقات مشيراً إلى تاريخ نشأة الأنصاري في مرحلة تاريخية من تاريخ العرب المعاصر..
ملتقى الشاعر البحريني ابراهيم العُريض
وفي اليوم الثالث تركزت الندوة الفكرية الثانية حول الشاعر البحريني ابراهيم العريض، والندوة أدارها الباجث والمسرحي ابراهيم غلوم، حيث قدم كل من د. عبد القادر ميدوح (البحرين) ود. عثمان بدري من الجزائر، ود. عبد الحميج المحادين، تحدث فيدوح عن فضاء لرؤيا واتساع الدلالة في شعر العريض. رؤيا حكايته مع الشاعر وبدايتها كعلاقة بحثية قبل أن تتحول إلى قومية ثم ذوقية وأخيراً قدرية، مركزاً على نشأته وثقافته قائلاً لست هنا بصدد الحديث عن المؤثرات التي تركت في وجدانه ما تركت، لكنها مؤثرات متشابكة مشيراًُ إلى مجموعة عوامل مؤثرة في العريض تعرف الأدباء العرب على ابراهيم العريض عبر أكثر من وسيلة اتصالية، ولأن العريض كان ملماً بالحركات الأدبية مستفيداً مما يجيد من اللغات الحية ومنها الانكليزية والأوردية واتقانه اللغة الأم اتاح من التمكن والانفتاح.

الأمسيات الشعرية
كانت هذه الأمسيات الشعرية التي جمعت شعراء من عدة بلدان عربية (لم يشارك لبنان بفضل مقاطعة اتحاده المؤتمر: براو!) عانت تفاوتاً كبيراً في المستويات .
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00