توفي الشاعر الفرنسي الكبير جاك دوبان عن عمر يناهز الخامسة والثمانين (مواليد 1927)، مخلّفاً وراءه مجموعات شعرية، حفرت عميقاً، بجدتها، وثورتها، ومجازفتها، في الشعر الفرنسي، ما بعد المدارس والرواد أمثال بروتون وإيلويا وآراغون وبونفوا وبياجان جوف وسان جون برس.
جان دوبان كتب القصيدة الصعبة، المتشابكة، المستحيلة المتشظاة، والمفتوحة بنهاياتها الملتبسة، أو بتتويجاتها التي تأتي فجائية، وكأنها تريد دفع الدلالات الظاهرة الى حركات متناقضة. إنها اللغة عنده والقصيدة، وإنما بمفهومها التحفيري والتحفيزي والمقلقل. إنها الجوهر، لا تسبقها مناسبة أو حالة أو ربما تذكر أو ربما مستقبل، القصيدة هي المناسبة. لكنها ليست القصيدة التي تبحث عن شكل دائم أو مواصفات ثابتة. القصيدة، لكي تكون قصيدة، نفسها، كشكل جامد، أو نهائي. القصيدة ذريعة للقصيدة لكي تتجاوز نفسها، أو تحطم نفسها، في تمزقات لا نهائية. شاعر الكسر والعنف يمارسهما بشكل متنوع، من التشظيات الى تركيب عناصر متنافرة، الى خطر الوصف، أو تحويله... كل ذلك لكي ينسف كل أفقية (أو متحفية) في القصيدة. هذا ما وجدناه في أعماله الأولى، من gavir، الى lembrasure الى Dehars الى Echancé نصوص مكثفة، أحياناً مغلقة، كالقواقع، وأخرى صلبة، لكن المساحات تنفر من هذه البنية، لتنفرها، أو تصادرها، وإنما لتخزقها. لكنه، ومن خلال أعماله اللاحقة الأخيرة، ازداد عدماً وازداد الشكل تغريبياً والقصيدة غموضاً، وهنا يشبه الشاعر الفرنسي الكبير أندره دوبوشيه، ليشكلا معاً، الوجه الأكثر تجريبية، وجدة، وخصوصية، ومغامرة، في استخدام اللغة (كمسار ذاتي هنا) أو القصيدة كشكل ينفي نفسه باستمرار، ربما وصولاً الى القصيدة المستحيلة أو اللغة كجدار (أو كعجز)، على منوال مالارمه وفاليري وفرانسي بونج وحتى بونغوا وريته شاو؛ دوبان ينتسب الى هذه الشجرة الممتدة من شاعر رمية نرد، وهذيانات تلك الشجرة النقيض للسريالية وقبلها الدادائية، والغنائية.
ولد جاك دوبان 1927 في أرديش. يعيش في باريس منذ 1944. يلتقي رينه شار. يعمل سكرتيراً لدفاتر الفن في 1952، ويقيم علاقات مع فنانين كبار (برانكوزي، بيكاسو، لام، كالور، براك، دوستايل، ميرو وجياكوميتي). ارتبط بصداقة بالشاعر الكبير أندره دوبوشيه وفرانسي بونج وبيار ريفردي، وهو أحد مؤسسي مجلة Lephémere في 1966.
نال عام 1988 الجائزة الوطنية للشعر... كأنه آخر الشعراء الكبار، بعد عصر المدارس، والنظريات، شاعر يحفر عميقاً في اللغة، ليكتب قصيدة متحركة مقتحمة، شرسة، عنيفة... لكن ضوؤها يطلع من كل هذا العنف الكتابي... والشفافية الداخلية.
بدأت قراءته قبل أربعين عاماً... مع صديقه دوبوشيه وكانا، بالنسبة إليّ اكتشافاً كبيراً، ساعدني على الخروج... من النقص المتحفي!
ولنا عودة إليه لنترجم مجموعة من قصائده.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.