8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سيرة ناقصة لـ أسطورة السينما الأميركية:

مارلون براندو، الأسطورة الهوليوودية في التمثيل، هو أسطورة أخرى بين النساء. هذا ما حاول رصده كتاب جديد لفرانسوا فوريستيير بعنوان وحش فائق الجمال (عن دار البان ميشال، باريس).
براندو، تقلّب في علاقاته بين أجمل نساء السينما في هوليوود وسواها. إنه الفاتن الذي لا يقاوم على حد ما وصفته إحدى الممثلات. قالت زوجته ان كشفي عن تقنية إغوائه بأنها بدقة آلية المقصلة... والممثل الأميركي لين مارفن كان يلقب براندو بـمارلون براندي. هذا بعض ما ورد في السيرة التي وضعها فوريستيير عن بطل العراب.
ابن والد مستبد وأم مدمنة كحول بدأ الممثل الشاب في 1943 في نيويورك فتتلمذ على يد أستاذته في المسرح ستيلا أدلر. كانت أيام إيزنهاور التي سادتها موجة التطرف والتعصب والانغلاق وانفصام حيث كان المسرح هو الملجأ الوحيد للحرية. إنها المرحلة الأكثر ارتداداً، مرحلة هوفر ومكتب التحقيقات الفيدرالية، وزمن الحرب الباردة. في هذا المناخ كان اللجوء الى المسرح كآخر المعاقل التي يمكن ممارسة بعض الحرية والنقد والاحتجاج. براندو، الى تقديم نفسه متمرداً (ونحن في عصر فيلم ثائر بلا قضية (جيمس دين) من دون أن ننسى شابلن واروسون ويلز)... لكنه، كما يروي الكاتب، وجد الملاذ الواسع بين النساء. فهو النجم المميز الذي اختاره إيليا كازان لبطولة نص تينيسي ويليامز ترامواي يدعى رغبة، عرف بجاذبيته ورغباته كيف يقيم علاقات مع مئات النساء والرجال، من نجمات هوليوود ونجومها... فكتاب فورستيير يركز على هذا الجانب البيولوجي في بيوغرافيته.
تدور معظم فصوله، وقصصه، ومروياته على براندو العاشق والدون جوان... وكازانوفا... من دون أن يصل ربما الى ماركيز دوساد! وحتى بين جميلات هوليوود اللواتي أقام براندو علاقات معهن: فيفيان لي، شيلي ونترزر ومارلين مونرو... وريتا مورينو، ودولورس ديل ريو وكارمن امايا وايفا غاردنر وغريس كيلي وارسولا اندروز واليونانية ايرين باباس، وديانا روس، وجون كولنز... ومارلين مونرو في بداياتها، كأنها لم تعد بيوغرافيا بل سيرة جنسية! ولا ينسى الكاتب متابعة براندو في باريس حيث تردد الى أجواء المثليين من فنانين وكتّاب كجان كوكتو وايرفيه ميل...
فكأن براندو على ذكوريته الممتلئة، لا يتردد في استغلال كل طاقاته... بما فيها المثلية. وهذا جانب بارز في هذه الشخصية المتمردة التي تشبه الى حد كبير شخصيته المركبة في فيلم على الرصيف (نال عنه جائزة أوسكار)، أي بين مارك أنطوني (العاشق والشجاع، القوي والضعيف) وبين العراب (زعيم المافيا: كورليوني في رائعة كوبولا)، بين التانغو الأخير في باريس لبرتولوتشي من جهة وبين أفلام ضعيفة مثل سايونار وثورة على السفينة بونتي... من جهة أخرى، أي هذا التناقض الكبير بين عاشق الأفلام المعقدة، الملتبسة، وبين المرتزق كآخر أدواره في الفيلمين اللذين ذكرناهما، بين براندو الذي يدافع عن حقوق الهنود (السكان الأصليين في أميركا)، وبين الترف وشرائه مسكناً ضخماً في تاتيارو، قرب تاهيتي، حيث كان يمضي أياماً هادئة بين أولاده وزوجته تاريتا...
هذا الهروب، بل هذا الانكفاء، بدا لكثيرين وكأن براندو قد انتهى. قد أعطى كل ما عنده وتقاعد على سواحل تاهيتي. وهنا يشير الكاتب الى أنه في السبعينات لمع هذا الوحش الموهوب، واستعاد حضوره، واستنفر طاقاته عندما جسّد في العراب لكوبولا (الجزء الأول) دور زعيم المافيا كورليوني وهو من أكبر الأدوار التي لعبها براندو، (إضافة الى على الرصيف، وترامواي اسمه اللذة وفيفا زاباتا).
بل كأنه اختزل كل تجاربه ومكوّناته في هذه الشخصية الملتبسة (تشبهه في بعض الجوانب)، التي نال عليها الأوسكار. ولعلّ استفاقة براندو في السبعينات، تجسّدت كذلك في رائعة أخرى لكوبولا أبو كاليبس الآن، من دون أن ننسى دوره في التانغو الأخير في باريس لبرتولوتشي الذي أثار ضجة كبيرة.
كأنها بداية النهايات، أو نهاية البدايات للأسطورة الهوليوودية، بل كأن كل شيء صار وراءه، ولم يعد له سوى هذا المكوث الطويل داخل جدران منزله، يقرأ شكسبير، وينجب ثلاثة أطفال من زوجته الكولومبية. ولم يغفل الكتاب المآسي التي تعرّض لها براندو، المآسي العائلية تحديداً: فإبنه كريستيان يعمد الى قتل خطيب اخته شيان. فحكم عليه بالسجن عشر سنوات. وفي عام 1995، ها هي شبان تنتحر. مصيبة كبرى تتجاوز الأولى. كأنه القدر التراجيدي يتوّج حياة براندو. هذه الحياة الحافلة بالحياة. وبالأعمال الكبيرة، والنساء. والجنون. والحب. والعناء. والنجاح. الفن صار وراءَه. وفجيعته العائلية أضعفته، وأدركت عزيمته... فقبع في منزله، ينتظر الموت... ليلقاه في تموز 2004، لينثر رماده في وادي الموت.
في الكتاب جهد بارز، لكن كان يمكن تناول براندو من جميع جوانبه في إطار متوازن. والواقع أن فورستيير مؤلف براندو، وحش فائق الجمال يعاني اختلالاً بيناً، وكأنه وقع في السهولة (أو الاستهلاكية) أولاً في عنوان الكتاب بتسمية براندو الوحش ثم الجميل (كليشيه سائد)، مركزاً وكما يشير العنوان على المغامرات النسائية والجنسية والمثلية، وعلى الطبائع الغريزية والبوهيمية عند هذه القامة التمثيلية الشامخة والنادرة. وكان يمكن للكاتب أن ينوّرنا حول ما الذي صنع أسطورة براندو... أأدواره؟ أأداؤه؟ وهو تلميذ أكتور استديو الذي أسسه ستانسلافسكي وكان من أبرز شخصياته الفذة إيليا كازان، والممثلون إيلي والاش، وجيمس دين وبول نيومن وناتالي وود.. حيث تأسس هناك ثورة في التمثيل، قلبت كل المفاهيم السائدة، في هوليوود وسواها. كيف صنعت أسطورة هذا الرجل: أبسبب تمرّده، أم فظاظته، أم دفاعه عن الهنود... أم رفضه الأوسكار... أم جنونه؟ الواقع كأن الكاتب أراد أن يقول لنا، وبطريقة سهلة، أن أسطورة كأنها براندو تقوم عموماً على كونه زير نساء جذاباً... ولأنه أقام علاقات مع أجمل نساء هوليوود: أترى علاقته النسائية هي التي اخترعت حضوره؟ وقد يكون ذلك جزءاً من الهالة، لكنه جزء. فبراندو (وجيمس دين الذي قضى شاباً في السادسة والعشرين بعد ثلاثة أفلام مهمة: وهو أسطورة أخرى مختلفة)، كما نعرفه سواء عبر شخصيته أو أدواره، كان أكثر من ممثل، كان ممثلاً وشيئاً آخر. وسحراً آخر. بهذا المعنى كان وحشاً يفترس أمام الكاميرا كل من حوله. إنه أولاً أسطورة تمثيلية، جسد ثورة في التعاطي مع الأدوار (ستانسلافسكي كازان). تماماً كأورسون ويلز صاحب المواطن كين الذي نعتبره أكثر من مخرج وأكثر من ممثل..
تماماً كما يمكن القول أن شكسبير أكثر من شاعر. وكذلك هو لورلن ودانتي وكلمة شاعر ضيّقة عليهم فهناك كبار يتفوقون على أدوارهم التي يُختارون لها. كأنهم كائنات خاصة بين عموميات ماهرة. مثلاً يمكن أن نقول أن غاري غرانت او روبرت ميتشوم وبيرت لانكستر او كيرك دوغلاس أو غريغوري بيك أو إيرول فلين.... أو آخرين، إنهم ممثلون مهمون. رائعون. فقط. إنهم بارعون. يعرفون كيف يؤدون على مقاس المعطى لهم. لكن هناك شيء غريب يجعل من براندو وأورسون ويلز وجيمس دين سيلا ما هو أكبر مما يقدمون: أي المساحة السحرية التي يتحركون عليها والمليئة أسراراً، وغموضاً، وحتى عتمة. الممثل العادي يتحرك في الضوء. غير العادي يتحرك بين الظلال، يُطل في مكان... فيستبد به. بحضوره. يستفزه. يلعب دوراً فيجيئه من أمكنة أخرى غير منتظرة.. فيلما المواطن كين والقضية (عن رواية كافكا لويلز)، عملان فاصلان بين تاريخين. وأظن أو أزعم أن ويلز وبراندو... هما في العمق شكسبيريان بامتياز. هذا الجنون السري. هذا الانفلات. هذا الاقتحام في الإخراج والتمثيل، لمناطق جديدة... صادمة، هذا التناقض، كل ذلك يصفهما في ما يمكن وصفه بـاللازمني. الممثل البارع، النجيب، الدقيق، الخاضع لما هو سائد في الأداء والرؤيا... هو زمني. أما الخارج وقاطع الطرق... وحامل المدهش هو الذي، الى تجذره الاجتماعي والزمني غير زمني. وكان يمكن للكاتب فورستيير أن يتابع تأثيرات براندو (ومدرسة الاستديو أكتور)، حتى الآن، ويمكن، في رأينا وضع مثلاً الممثلين شين بن وجوني ديب ونيكولا كاج وجاك نيكلسون وبراد بيت وتيم روس في هذا السياق... أي السياق الهوليوودي وخارج الهوليوودي، خصوصاً في هذا الزمن الصعب للسينما حيث تسود الأفلام التجارية والاستهلاكية، والخاضعة لمنطق السوق، والانتاجات الضخمة بل كأن هذا الزمن السينمائي انقلاب ناعم على كل سينما القضايا، والتجريب، والابتكار، والإبداع، والخاص والجنون والشغف. من سينما الاختلاف الى سينما الإنتاجات الضخمة والتقنيات العالية التي كأنها حلّت محل النص والمخرج والكاتب. بل حلّت محل مخيلة المشاهد الذي تحوّل مجرد مشاهد. يتلقى. يصفع. ينبهر، ولكن عندما يخرج من الصالة يتلاشى كل شيء، كأن شيئاً لم يكن، حتى بدت الحدود اليوم شبه معدومة بين التلفزيون (البعد الواحد) والسينما ذات الاكتنازات؛ لأن الهم يكاد يكون واحداً: الوصول بلا تعب الى المتفرج السلبي. المسترخي. القنوع. ويكفي أن نسترجع مثلاً هذه الاحتفالات المخملية في كان أو حتى في مهرجانات أخرى، لنلاحظ كم أن الكاميرات تبدو غبية كمثل هؤلاء النجوم والنجمات المتأنقين العارضين ملابسهم ولحومهم للمصورين. أكثر: كأن هذه الاحتفالات عادت لا تتميز عن احتفالات الأعراس، واستعراضات الموضة، ملابس، وأجساد. ووجوه. وابتسامات (تلفزيونية) وحتى دموع (تلفزيونية)، وبوزات، حتى لتكاد تقول أن هؤلاء المهرجانيين كأنهم باتوا كائنات كوكبية مفصولة عن هذا العام المليء بالعنف، والحروب، والجوع، والهجرات، والموت.
إذاً، كنّا ننتظر من فورستيير أن يقدم إلينا، الى ما قدمه في كتابه، نظرة عميقة الى واقع السينما، انطلاقاً من تناوله سيرة براندو. وبراندو بالذات. ولأنها كانت علامة فارقة في زمن فارق، مع شابلن وأورسون وويلز وامتداداً الى كبار آخرين كجوزيف لوزي صاحب تحف سينمائية مثل الخادم وحادثة والمراسل (مع هارولد بنتر كاتباً) أو كوستا غافراس صاحب زد أو فليني الكبير صاحب 8 ونصف ودولتشي فيتا أو هيتشكوك أو أنطونيوني صاحب بلو أب أو أصوات مميزة من ذلك الزمن السينمائي العالي، فبراندو لا يؤخذ في سيرة نسائية فقط، ولا في سيرة شخصية، منفصلة عن كل هذه الظواهر المختلفة، والمتعددة، المتناقضة، المكتظة بالمخيلات التجريبية، وبالقضايا المعقدة، وبالمعالجات التجديدية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00