غادة السمان، في بلاد المهاجر. وهي مهاجرة بامتياز، سواء من تلك الهجرات الداخلية أو في الجغرافيات الواسعة، أو في التواريخ الخاصة والعميقة، أم في تلك الفضاءات الملتبسة. إنها روائية في الأول وفي الأخير، بل هي من الأسماء الكبيرة بين الروائيين العرب، روت الامكنة بامتياز، خصوصاً بيروت عندما كانت الأمكنة مجازاً للحرية، وللتمرد وللخروج الدائم من الزامات الواقع، وأثقال التقاليد، ومحمولات الماضي الطاغية. وعندما أقول خصوصاً بيروت، فيبقى انها كانت في العاصمة اللبنانية في السبعينات من عناوين الحداثة الخصوصية، والحرية المفتوحة، والجنون الجميل، وكسر المألوف، ونهش وحوش الثوابت. دائماً غادة على كسر، ودائماً على تقاطع، ودائماً بين حقائب مغلقة واخرى مفتوحة، ودائماً بين مرايا صافية، وأخرى بغشة، واخرى مدببة، واخرى متناثرة. قلما عرفت شخصيات غادة هدوءاً وراحة ودعة. (مثلها)، قلما تراكمت أحداثها بل بؤر مقننة: كل بؤرة تكسر نفسها، إنها الذات التي لا تقبل الرضوخ لأنماطها. الذات التي تمزق ذاتها، تحطم ذاتها. الذات الحطيم. ها هي سياقات غادة. الذات التي تنفي نفسها، لتجد مساحاتها في فضاءات وعرة، (وأحياناً مستحيلة)، ومتشابكة، ومتنافرة، ومتناكرة. فالذات الروائية هي أقصى مكان وجودي انطولوجي. بلا مركزية قسرية. بلا تواطؤ علني. بلا هروب داخلي، تنفلت الشخصيات على أمكنة منفلتة.. بلا حدود، وبلا موتى. وبلا جثامين، وبلا نوافل. دائماً على أهبة القفز. دائماً على اهبة الفراغ. دائماً على اهبة امتلاء لا يشفي. وهنا بالذات معنى الكتابة الروائية الخاصة عند غادة. صحيح انها تؤلف بين التاريخي والاجتماعي والسياسي وحتى الميتافيزيقي (كامرأة، والمرأة في العالم العربي ترى وكأنها كائن ميتافيزيقي أو افتراضي أو تكهني بكل ما تحمل الميتافيزيقيا من ثوابت.. ابدية). قرأت لها العديد من رواياتها. واكتشفت مرة بعد اخرى، ان كل رواية، الى تواصلها الخفي بسواها، هي كائن مستقل، بكل ناسه وعذاباته، وقلقه وحسراته وهلوساته.. ولأن الكائن (ليس فقط مفهوماً فلسفياً أو مجرداً كالجواهر)، يعني اناساً في دوامة، او على حافة نهاية، او بعد حافة نهاية، او على حبل مشدود في سيرك مجنون، في احوال ملتبسة، او في ازمنة هوجاء، فانها كلها، من لحم هش، ومن دم منتظر، ومن كوكبات داخلية، ومن جروح، ولهذا لم ترد غادة السمان لا ان يغلب السياق على الحدث ولا اللغة على الشخصيات، ولا الفكرة على الضعف، ولا الجماليات على مجرى الكتابة، ولا القيود على مكونات الشخصيات الغامضة، ومن شدة غموضها، تحاول، وبجهد، فتح نوافذ للحقائق المستورة، أو المنومة أو الممنوعة. من هنا تكون الكتاب اكتشافاً، ونفياً للاكتشاف، كي لا تخط الكلمات والدلائل، ومن هنا ذلك التعدد الخصب للنماذج، وللأحوال، وللأمكنة، بحيث يمكن القول ان غادة السمان، هي روائية قارية. قارة، تحتفظ بخصائصها وأسرارها لكي تبوحها، ولكي تضيئها، لكن من تلك الاضاءة التي تشبه سريان الزمن في العروق وجريان النهر في الغابات، وتحرك النيازك المتساقطة في فراغاتها. ومن هذا التعدد، المزج بين الشعر والسرد هنا، بين البوح والشعر هناك، وبين الدقة في التصوير، والرهانة في بناء السياق، والالتباس في تكوين الشخصيات، فلا تقع في احادية أو تبسيطية.
غادة السمان المتمردة في الكتابة وفي الحياة وحتى في الحلم، كم نتمنى أن تخلع قناع الغربة (والغربة فقر يا غادة)، وتكتفي بها، فهي معين لا بد أن ينضب وتعود الى بيروت او دمشق او الى اي مدينة عربية، فالمدن العربية والبحار العربية والشوارع العربية لم تعد تشبه الانظمة، صارت تشبه الثورات وناسها، تحررت المدن، وتمردت يا غادة، فمن هنا الغرف، ومن هنا التزود، ومن هنا الحدث الأكبر. جاء غودو أخيراً ولم يكن هذه المرة لا طاغية بصوت منتقد، ولا عسكرياً بلهجة مدني، ولا فاشياً بنبرة ديموقراطي: الناس كسروا كل هذه الوجوه، وتمردوا.. على أنفسهم أولاً، وعلى هؤلاء القتلة من الحكام. عودي يا غادة، وما نفع غربة (وشبعت منها) تبعدك عن أمكنة التحولات الكبرى!
الكتاب الجديد الذي صدر استجواب متمردة هو مجموعة مقابلات اجريت مع غادة السمان، تفصح فيها عن ارائها وذكرياتها وطوابعها وهمومها الثقافية والانسانية والاجتماعية والادبية.
الكتاب صدر عن منشورات غادة السمان في بيروت.
هنا مقطع من مقابلة أجراها الزميل عيسى مخلوف تضمنها كتاب استجواب متمردة.
[ماذا تعني لك بيروت اليوم، بعدما تغير فيها الديكور والماكياج؟
ـ تظل بيروت تعني لي الجوهر الذي أحببته فيها منذ البداية: حلم الحرية والديموقراطية، وتعايش الأديان والطوائف بعيداً عن رعونة الطائفية وبشاعة المذهبية.. بيروت العربية التي تحترم حقوق الإنسان ويجد فيها الملجأ والملاذ لكل فنان مضطهد أو حائر.. بيروت الحرية المسؤولة لا حرية الفوضى والعبث.
كانت لدى بيروت العربية فرصة لتحقيق هذا الحلم، وقد وعى الفنانون خطاياها منذ البداية، وحذروا من تفاقمها، ولكن التاريخ علمنا ان احداً لا ينصت للفنانين إلا بعد موتهم بزمان حين يهمس ناقد وهو يقرأ صفارات انذارهم بعد فوات الاوان: أولئك الصعاليك كانوا على حق!
[بعد بيروت، هل تشعرين أنك في منفى؟
ـ أنا منفية منذ طفولتي كالفنانين جميعاً. ولعل أقسى أنواع المنافي هي تلك التي يعيشها الانسان بين اشخاص يحبونه ولا يفهمونه ومجتمعات لا يتكلم حقاً لغتها النفسية.. منفية الى صمتي الداخلي، منفية الى رفضي، واحياناً اشعر انني منفية الى وطني فأصرخ لوعتي كتابة واحتج بشراسة على هزيمة لا استحقها وذل في عشيرتي لا أريده لهم أو لي، ومظاهر تعصب واستبداد لا اتبناها. ولكن ثمة من ارتكب سطواً مسلحاً على حنجرتي واحتلها وهو يذيع منها بلاغاته الطائفية التي ارفضها ويقتل الناس باسمي وباسم ملايين المنفيين الى الوطن سواي.
بيروت نفسها أضحت منفية عن ذاتها وجوهرها.. ونحن لن نستعيد ذاتنا المنهوبة الا باستعادة ديموقراطية الوطن. أنا في منفى هنا في باريس أو هناك.. ومن المؤلم ان يصل الشجار بيننا وعصرنا الى المدى الذي يجعلنا نشعر فيه ان حياتنا بأكملها هي عملية نفي لنا الى الكرة الارضية ريثما نعود من حيث جئنا.
أقسى انواع المنافي هو حب وطن جنحت باخرته صوب شطآن الوحشية والتدمير، وانت عصفور داسته جزمات المتقاتلين لكنه ما زال يحلم بجزيرة الكنز: الحرية.
[انت عاشقة سفر، ألا تشعرين ان في تجوالك الدائم بحثاً عن شيء ضائع؟
ـ أعتقد ان السفر في جوهره رفض للتدجين ولتخدير المألوف للعين المرهفة. وثمة لحظات حزينة تخترقني في تلك الامسيات الماطرة حين اقرع باب مدينة جديدة فتنشق اسوارها وأخطو الى الداخل وانا اعرف انني لن أجد النافذة التي أفتش عنها.. نافذة تنفتح على الأفق وتطل على... ما لا أدريه.
ثمة أمسيات مثلجة امشي فيها في شوارع مدن غريبة، وتهاجمني فجأة نوافذها المضاءة، آلاف النوافذ مرة واحدة، تدور خلفها حياة أليفة ودافئة وليست لي لأن اعماقي لا تزال جائعة الى ما لا تدريه، الى نافذة تنفتح صوب الداخل حيث كنوز أبجدية تفجر رخام القلوب الصلدة من الداخل.
اتساءل أحياناً: هل ابحث حقاً عن شيء كبير مثل ابجدية حقيقية، أم عن اشياء صغيرة جداً بحجم القلب البشري مثلاً اضعتها منذ طفولتي؟ لا أدري، ويوم أكف عن السفر سأكون قد عرفت أو.. يئست! لقد قضيت عمري وأنا أفتش وأفتش حتى نسيت ما كنت افتش عنه، لكنني ما زلت أفتش!!
[هناك ردة سلفية تتفاقم في العالم العربي، وتطال الرجال والنساء على السواء. كيف تواجهين هذه الردة ككاتبة؟ ألا يدفعك الواقع العربي الراهن الى مزيد من الرقابة الذاتية؟
ـ بلى، والى الحد الذي يجعلني عاجزة عن الاجابة على سؤالك!!
[المرأة ليست قضيتك الأساسية، بل المجتمع ككل. لذلك لا يمكن تصنيفك ضمن قانون الادب النسائي، لكن هذا لا يعني ان ليس ثمة ادب نسائي في عالمنا العربي، فما رأيك في هذا الأدب؟
ـ اعترف بأنني متطرفة في اهتمامي بقضايا المرأة، لكنني معتدلة في مجال الحلول، خصوصاً تلك التي تنطلق من ارضية اتهام الرجل بأنه المذنب الأوحد في بؤس المرأة ولا بد بالتالي من كراهيته والكيد له. حبي للمرأة ككل حب أعيشه لا يعميني ويجرني الى هاوية التبسيط السطحي المريح.. وأنا لا أستطيع التنصل من اهتمامي بجرح المرأة العربية، لكنني أغسل يدي من كل الدعوات النسائية المعادية للرجل كحل أو كردة فعل. هذا أولاً. ثم انني لا أجد مبرراً للتسمية أدب نسائي.. فالمرأة كالرجل، لها حق اختيار مادتها الأدبية، ولا يجوز أن نعتبر ذلك الأدب دونياً أو متخلفاً لمجرد ان كاتبه امرأة أو أنه يتحدث عن مأساة امرأة ما.. فلوبير مثلاً تحدث عن مدام بوفاري، وتولستوي عن آنا كارنينا، وإميل زولا عن نانا من دون ان نسمي أدبهم ادباً نسائياً. فلماذا نتبنى هذه التسمية اذا اقترفت الكتابة عن المرأة أنثى؟ ولماذا من حق دانييل ديفو ان يكتب عن روبنسن كروزو من دون أن تلقبه ناقدة من النساء بأنه يكتب أدباً ذكورياً؟.. إذن أنا ضد التسمية أدب نسائي. وللمرأة كالرجل حق اختيار مادتها وأبطال قصصها كأن تختار البطل نورساً كما فعل الأديب باخ في روايته جوناتان ليفنغستون سيغال، أو رجلاً كما فعل دانييل ديفو في روايته روبنسن كروزو، أو قصة كما فعل بول جاليكو في كتابه جيني.. من دون ان يتهمها أحد بأنها كتبت أدباً نورسا أو رجالياً أو قططياً، وبالمقابل، من حقها ان تختار بطلة انثى اسوة بزولا وتولستوي وفلوبير من دون ان تجد نفسها في غيتو الادب النسائي.
المقياس الوحيد الذي أرضى بتطبيقه على الأدب أياً كان كاتبه وأنثى كان أم ذكراً هو مقياس الابداع.. فالعمل الجيد هو عمل أدبي. والعمل الرديء ليس ادباً نسائياً أو رجالياً. انه ليس أدباً على الاطلاق.
زميلاتي الكاتبات سجلن نجاحات افتخر بها في مجال الابداع الأدبي، وبينهن من اختارت تفجير عطائها من خلال وصف كفاح امرأة وعذاباتها ونجحت في اعطاء عمل ادبي ناجح وكبير قد يسميه البعض أدباً نسائياً، أما أنا فلا أرى مسوغاً لهذه التسمية وأسمّيه ببساطة إبداعاً. ديزي الأمير على سبيل المثال لا الحصر فتحت جرح الأسرة العربية السعيدة في قصصها الراقية فنياً واعطتنا أدباً جيداً راقياً. أما تسمية البعض له بـأدب نسائي، فأمر لا يخصني وأعتقد ان هذه التسميات مرحلية ستسقط مع الزمن. أنا شخصياً افتخر بعطاء زميلاتي الأديبات المبدعات وأطالب بحريتهن في اختيار بطلات نساء كما أصر على حريتي في انتقاء أبطال رجال حين يحلو لي، ولا أبالي كثيراً بالوصف الذي يطلقه بعض النقاد على كتاباتنا، فالمهم ان نكتب أدباً جيداً بالمقاييس الفنية التي ليست مذكرة ولا مؤنثة.
[خارج الورقة التي تكتبين عليها، هل تشعرين بوجود الحرية؟
ـ أشعر بضرورة وجودها خارج هذا المستطيل الأبيض المسطر الصغير الذي أهرول فوقه طوال النهار وإلا تحولت الحرية إلى سجن أو جزيرة بحجم حبة الاسبرو اغرس فوقها رايات حريتي الموهومة! الحرية هي الرحابة والانتشار والتواصل لا العزلة في قاع الذات.. حرية المجانين داخل عالمهم الوهمي ودهاليز ذواتهم وانتصاراتهم ليست مثلي الأعلى للحرية.
الحرية كالحب لا تُمارس سراً، ولكنها بالمقابل ليست كالحب لأنها لا تمارس إلا جماعياً.. الحرية احتفال كوني، ورغيف لا ينال أحدنا قضمة منه الا اذا كبر وصار بحجم الكرة الارضية كلها.. والفنان معاون فرّان في هذا المجال!
[يقول الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز ان الشيء الأهم في هذا العالم هو بلوغ الشهرة، لأنها تساعدنا على تحقيق ما نشاء، هل تؤمنين بهذا الكلام؟
ـ لا أعتقد ان المبدع الكبير ماركيز يعني كلماته حرفياً، هذا إذا افترضنا جدلاً انه قال ذلك. ان الشهرة تساعد الفنان للوصول الى عيون القراء وهذا أقصى ما يطمح إليه الكاتب، الشهرة وسيلة للانتشار، لا غاية بحد ذاتها.
ماركيز لا يتحدث بالتأكيد عن شهرة مشابهة لشهرة الكوكا كولا، بل عن كسر عزلة القلب الانساني للكاتب حين يُقدم قارئ على مد جسر الضوء إليه لحظة يشتري كتابه ويأخذه الى دفء بيته وقلبه ويطالعه، ويحس الكاتب انه وجد صديقاً في منفى أحزانه..
[الوقت يفلت من بين أصابعنا والعمر يمضي، كيف ترى غادة السمان الى عبور الوقت؟
ـ عبور الوقت برقية يومية من ارض الموت تقول لنا: عيشوا ولا تهدروه.. فوعي مرور الزمن هو في جوهره وعي الموت، ووعي الموت هو الدواء المرّ الذي يجعلنا نتذوق عذوبة الحياة بكثافة أكبر وعمق أشد شراسة. أعتقد ان وعي الموت لقاح ضد الغرور، وشراب ضد الغطرسة.. ولكن طغاة التاريخ قلما يتذوقونه، ولو فعلوا لأدركوا انهم هم ايضاً سيموتون ذات يوم كالآخرين جميعاً، ولتعلّموا التواضع والحنان.
حينما انصت الى دقات قلب الرجل الذي احب، أتذكر ان هذا الصوت سيتوقف ذات يوم فامتلئ بالمزيد من العطاء والحنان والتسامح.
وحده الموت يوقظ حواسنا المخدرة بالمألوف ووهم دوام الحال.
(مقاطع)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.