8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إبراهيم سلامة في دموع التماسيح:

الزميل ابراهيم سلامة من كبار الكتاب الصحافيين، ومن كبار المهنيين، وأهل التجارب والتاريخ، في الصحافة اللبنانية والعربية. عمل ركناً أساسياً ومؤسساً في جرائد ومجلات عدة: الأنوار والدستور والجريدة والمستقبل (الباريسية). وفي مختلف هذه المنابر كان له الصوت المميز، حتى النشاز (بالمعنى الخاص والاختلافي). كأنه كان دائماً يسبح عكس التيار السائد، بمعنى الخضوع للأمكنة التي عمل بها. استقلاليته مقدسة وكذلك مزاجيته، خصوصاً سخريته السوداء، إضافة الى بعض الأبحاث والمقاربات الفكرية والسياسية والتاريخية.
دائماً ابراهيم على حدة. في الداخل وفي الخارج. ودائماً ذلك الصحافي الذي لم يألف لا الصالونات ولا أصحاب الشأن، ولا الحاشية، ولا السلاطين، ولا الشلل، ولا الاستزلام ولا الشحاذة، ولا البلاطات. ولا التكسب. ولا المجاملات. ولا الاسترقاق.
يأنف كل ذلك، لأنه ليس من طبيعته. ينفر من تبعيته، لأنه ذو فكر حر. ولهذا كانت أمكنة كثيرة ضيّقة عليه، لا تتسع لهوامشه، ولا لفرادته، فيُغرّد هنا ويجافي هناك. بمعنى آخر، لم يكن ابراهيم سلامة طالب رزق وفتات موائد، يريد أن يكتب كما يشاء، لا كما يشاء هذا او ذاك، لهذا لم يثرَ. ولم يغتنِ. فضّل التمسك بمزاجه وحتى بحدته وحتى بغضبه الجميل وحتى بصراحته على أن يُشترى له فيلا في باريس أو منزل فخم في لبنان، أو تكدّس له أموال في البنوك. ولهذا فهو طفران وحده، بعد أكثر من 40 عاماً من العمل المتواصل في الصحافة. فهو في ذلك من أنساب الشرفاء، الذين يفضّلون أن يرفعوا رؤوسهم على ان يطأطئوها أمام أهل النعم كما فعل ويفعل كثير من الصحافيين الذين دنسوا شرف المهنة بارتزاقهم، وبيع ضمائرهم.
ابراهيم سلامة اسم كبير في الكتابة. فهو أكثر من صحافي. وأكثر من مواظب. إنه كاتب من الدرجة الأولى وهذا ما شدّني إليه وشدّتني إليه هذه الكتابة الممسوكة الحارة لكن المتفجرة والحارة. العارفة لكن الساخرة، المنتفضة بلا سقوف، المتحركة بلا قيود. وكم تمتعت بكتاباته في بعض الجرائد، وفي مجلة المستقبل في زاويته الأسبوعية وكانت من ألمع الزوايا. فجّ إذا غضب. والغضب جزء من المزاج الفني والشعري. (وأي كاتب لا يغضب)، عنيف حيث يهادن الآخرون. وعندما أعاد ابراهيم، صديق الأرصفة في الحمراء، هذا الصعلوك الجميل، نشر كتابه دموع التماسيح (في طبعة ثانية)، خفت أن تكون كتابته قد ختْيَرت أو برحت أزمنتها. وكم سعدت من هذه النضارة المتدفقة حتى اليوم. وهذا الحس الشفاف في مقاربة أمور السياسة والفن والحياة، وكم استمتعت بهذه النبرة المشوقة، الناقدة بحيرتها الجارحة، أو بليونتها السلسة، أو بمسرحيتها الداخلية (كتب في المسرح وفي الشعر قصائد من خشب، صدرت طبعته الثانية عن دار رياض الريس).
ويمكن من خلال إعادتك قراءة هذا الكاتب الصحافي الكيبر أن تسترجع معه أحداثاً، وأشخاصاً، وشرائط مختزلة من الزمن الذهبي لبيروت. فهو الكاتب الذهبي للزمن الذهبي. قهقهقت طويلاً. وتألمت طويلاً. واستشعرت من طعم الحرية ما زوّدنيه.
كتاب ابراهيم سلامة يُقرأ من عنوانه دموع التماسيح، ذلك لأن وراء نقده الساخر دموعاً عالية. بل إن السخرية هي توأم الحنان في النهاية. بل القسوة الحرة هي الحنان الحر بامتياز.
أسعدتني يا صديقي بكتابك. ولكن أحزنتني يا ابراهيم في الوقت ذاته، ذلك لأنني أعرف أن في دواخلك، وسرائرك، اليوم، ما يختزن أحجاماً كبيرة من وعي الواقع، ومن معرفة الأحوال المعيشية، ولم يعد لك أن تعبر عنها، فلصوص البلاطات، والمتسوّلون، والمنافقون، والمتواطئون، سرقوا أدوار الشرفاء والكبار... في هذا الزمن الذي باتت الصحافة إما مرتهنة، وإما طائفية، وإما بلا دور، وإما مرهونة للجهلة، أو مخطوفة من الأدعياء. مع هذا لك الدور الكبير اليوم لا بد أنه ينتظرك، لأنك لم تتهاون، ولم تبع ضميرك، ولم تروّض بالما... لكن دائماً الموقع الذي لا يُحجب.
فإبراهيم سلامة هو الثائر والمتمرد، بلا حساب ولا مقابل. ونظن أن هذا المختزن السياسي والفني والفكري هو كفيل أن تعود وتغرف منه لأعمال جديدة ننتظرها، ونتمنى إخراجها من المكنون. ذلك لأن الصحافة اليوم في حاجة الى من يرفع قلماً نبيلاً قلماً مدنياً، في زمن الغيوب والقتل، قلماً ينخرط في هذه الثورات الكبرى، لأنك أنت من الممهدين لها، سلوكاً، وكتابة، وفناً، والتزاماً.
ومن الطبيعي أن نتذكر عديدين من الصحافيين الذين، إما انحازوا الى الأنظمة الساقطة، وزمن المجرمين، وإما التزموا الصمت المريب بعدما أمطرونا في السبعينات، بشعارات التمرّد، والتفلّت، والخراب الجميل، وجنون الحرية، وحرية الجنون، فإذا بهم، وعندما جاء الخراب صمتوا أو هربوا... أو انصرفوا الى مهنة المتاجرة بالصحافة، وبالضمائر.
فإبراهيم سلامة، الأنوف، دفع ثمن تحرره واستقلاليته، بينما قبض آخرون ثمن نأيهم أو تواطؤاتهم، أو تمرغهم بأعتاب البلاطات والقصور... ما ينفخ بطونهم وجيوبهم ويفرغ ضمائرهم وعقولهم.
بول شاوول
[ مختارات
ما فيش فايدة!!
التنوكي: بعدك يا شيخ بو مدلج معصّب... وعايف التكنة؟
بو مدلج: ليش تغير شي بالأسبوع الأخير، سمّعتونا شي خبر بيفرّح القلب؟
التنوكي: الكهرباء تحسّنت. صارت تضوّي الشوارع بالنهار وتنطفئ البيوت بالليل بدّك أحسن من هيك خبر.
بو مدلج: يا تنوكي. أنا حزمت أمري وأخذت قراري.
التنوكي: هيدا خبر.
بو مدلج: تروّى، تروّى، واسمع للآخر.
التنوكي: سمعاً، سمعاً يا شيخنا.
بو مدلج: قرّرت... ارجع عالسلفادور.
التنوكي: ولو! شوية جد.
بو مدلج: بتعرف إخواننا المصريين شو بيقولوا لما بيوصلوا لحالتنا؟
التنوكي: شو بيقولوا؟
بو مدلج: ما فيش فايدة يا صفية... غطيني! وترجمتها لجيل الهزهزة والرقص والمخ الفاضي: الست صفية كانت زوجة الزعيم المصري الراحل سعد باشا زغلول. فلما حامت حول سريره المنية (بعيد عنك) قال مخاطباً زوجته: ما فيش فايدة. غطيني.
التنوكي: بس إنت قلت: طالما رفيق الحريري رئيس حكومة لست خائفاً.
بو مدلج: مع احترامي لشخص ولآدمية الرفيق رفيق رأيي مش راح يخلّوه يبني غير بيت له، أو لأولاده، ويمكن جريدة يومية.
التنوكي: مين بتقصد يخلّوه بالجمع؟
بو مدلج: الخمير الحمر Khméres Rouges ليش صاحبك أهم من الأمير نوردوم سيهانوك؟ ناضل. قاتل. جاب الأمم المتحدة حتى تشرف على الانتخابات ولما حان موعد الامتحان. رفضه مجلس النواب.
التنوكي: شو أخدك على كمبوديا بآخر ما عمّر ربّنا؟
بو مدلج: لأن كمبوديا دولة صغيرة مثل لبنان. بدك آخدك عالسودان أو أفغانستان أو طاجيكستان أو يريفان.. من غير شي إنت بتتشاءم من حرفي الألف والنون حيّرتنا، قول رأيك.
التنوكي: والله... رأيي... رأيي خايف ما يعجبك.
بو مدلج: لا راح تكون لا أول مرة ولا آخر مرة.
التنوكي: انت مؤمن باتفاقية الطائف؟
بو مدلج: أنا مؤمن بالله. وبس، الباقي كله مش عاجبني!
التنوكي: شو اعتراضاتك على الطايف؟
بو مدلج: الطايف لحق أخوه المرحوم الميثاق الوطني لأنو صرنا مثل روسيا حسبلاتوف ويلتسين. مش معروف راس هذه الدولة من كعبها... ممكن تشرح مثلاً صلاحيات السلطة التنفيذية استناداً الى الطايف؟
(ابراهيم سلامة)

[ خطط العرب!
كل شيء في دنيا العرب له خطة
ولكل خطة لجنة تعرف إذاعياً ب لجنة الخطة
الزراعة لها خطة، ولها لجنة تعرف بلجنة الخطة الزراعية
الصناعة لها خطة، ولها لجنة تعرف بلجنة الخطة الصناعية.
السياحة لها خطة، ولها لجنة تعرف بلجنة الخطة السياحية.
التعليم له خطة، وله لجنة تعرف بلجنة خطة التعليم.
الجيوش لها ألف حكة ولجان تعرف بلجان الخطط العسكرية.


وفي كل يوم، وفي كل بلد عربي تجتمع لجنة الخطة، ويذاع خبر اجتماعها في الراديو المحلي. ولا مانع من تكراره في صباح اليوم التالي على صدر الصحف المحلية، وفي بعض الصحف الصديقة.
وبعد مضي أكثر من اربعين سنة على استقلال معظم الدول العربية، وبالرغم من مناقشات واجتماعات كل هذه اللجان التي تلتقي غالباً في الليل ـ وحيناً مع طلوع الضوء ـ فكل شيء في بلاد العرب يتراجع الى الخلف، وفي أحسن الحالات توقف حيث تركه جيراننا العثمانيون قبل ثمانين سنة وشحطة!
في الزراعة، ما زال أسلوب الحراثة والسقي كما كان أيام الرومان (ربما ذلك يفيد سينمائياً) وحجة المسؤولين عن تردي هذا القطاع ان الفلاح محافظ ورجعي وفردي!
في الصناعة، يا لطيف شو تقدمنا، ابرة مغزل واحدة لم تنتج المصانع العربي (باستثناء صناعات الفولاذ والصلب في جزر القمر وجيبوتي العضوين الفاعلين في الجامعة العربية).
على الصعيد العسكري، يجب الوقوف والحمدلة ثم البسملة على انجازات خططنا العسكرية التي لعنت أجداد كلاوزفيتز وليدل هارت وتسن يو وشليفن وارعبت أعداءنا (خصوصاً في مراقص ومراجيح لندن وباري كان وأختها نيس).
ولكل لجنة خطة، خطة وقصة.
تجتمع اللجنة نحو المئتي مرة برئاسة رئيسها، بعد أسبوع يطير الرئيس، أو يسجن، وتكون الخطة على وشك التنفيذ. يصدر مرسوم بتعيين رئيس جديد للجنة الخطة. يجتمع الرئيس الجديد نحو الثلاثين مرة وبالأعضاء لينسف كل ما سبق ودرسوه وناقشوه مع شرشحة شخصية للرئيس السابق المعزول، ثم يتكل على الله، وعلى الحاكم الذي عينه، وعلى الشعب (بالطبع) ويبدأ المناقشات ونقل الملفات الزرقاء الى الصفراء من بيته الى المكتب، ومن المكتب الى البيت. فيكبر حجم الملفات فيعين حاملاً خصوصياً لها يتبعه أينما ذهب حتى يعرف الناس بالاشارة انه رئيس احدى لجان الخطة (!).
وفي عز المشاوير، يصدر مرسوم يعزله من رئاسة لجنة الخطة الزراعية الى عضوية اللجنة العسكرية (على أساس أن اشجار الزيتون والسنديان، هي في نهاية الأمر تغطية عسكرية).
بعد اسبوعين، يصدر الحاكم مرسوماً جديداً بحل جميع اللجان ودمجها في لجنة عليا يكون هدفها المعلن التخطيط العام لفترة خمس سنوات. يعين في خلالها المشرف السابق على لجنة خطة الصناعة مسؤولاً مباشراً للخطة الزراعية. كذلك يرقى المسؤول السابق عن اللجنة العسكرية الى رتبة مرافق خاص للرئيس.
بعد سنة واحدة، تختفي اسماء كل رؤساء اللجان وتختصر القصة كلها بعبارة حركة تصحيحية يعين الحاكم فيها من جديد عشرين مسؤولاً عن الخطط مع تعديلات وتوجيهات اساسية، من أبرزها: ان البلاد لم تعد بحاجة الى خطة مركزية بل الحل هو في لا مركزية القرار، أي في إلغاء الخطط من دون صرف رؤسائها هذه المرة. وهو الأمر الذي يميز مرحلة سياسية عربية عن أختها.
ماذا يقول الشعب؟
لا شيء، يسمع ولا يقرأ، يشاهد ولا يعلق. يتأخر وهو مبسوط لأن الحاكم أقنعه بأن التقدم والتقدمية لا بد ان يتخللهما مراحل تراجعية موقتة تدوم من عشر الى عشرين سنة. وبعد ذلك اي بعد ان يموت نصف المواطنين، تعطي الخطة ثمارها. وذلك اعتماداً على العدد ودون المناقشة في النوعية.
(ابراهيم سلامة)
[ ثم جاء التلاميذ
وبغياب الملوك وكبار الحكام المدنيين، افَلَتْ شمس كبار المطربين، عبد الوهاب مطرب الملوك، تلمذ على يديه عبد الحليم حافظ مطرب الضباط الأحرار. أم كلثوم كوكب الشرق حام حول عرش وراثتها ست مطربات على الأقل، ابرزهن سعاد محمد، نجاة الصغيرة ونجاح سلام، محمد القبنجي سيد المقامات العراقية ـ الفارسية وحامل لقب الأفندي، جهز يوسف عمر لوراثته، اسمهان صديقة القصر الملكي في مصر، ساعدت ماريا جبران التي حسبت فيما بعد على قصر الشيشكلي. ايليا بيضا الذي سافر الى ديار الغربة ويوسف تاج الذي انتكس بعد اعدام انطوان سعادة افسحا في المجال لوديع الصافي والشحرورة (صباح).
وهكذا اطل عصر الضباط العرب، واذا بالمطربين، هم بدورهم من نوع ضابطي الايقاع، عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة مع شمس بدران في مصر. صباح فخري مع سليم حاطوم وفخري البارودي في الشام. فاضل عواد مع عبد الكريم قاسم في العراق. ووديع الصافي وصباح مع الشباب في لبنان و... ع القادومية، ع.. القادومية. وصلني بايدو وما طل علي يا بيي.
لكن أصوات الجيل التلامذة، كانت في معظمها من حجم الوسط. إذ ما قورنت بطبقة اصوات الأساتذة، عبد الحليم حافظ نوتة لذيذة في سيمفونية عبد الوهاب. صوت نجاة الصغيرة نقطة في بحر الصوت الصوت الأم كلثومي. ماري جبران متفوقة الصوت. لكنها لا تصل الى قمم الصوت الأسمهاني. يوسف عمر وفاضل عواد مجتمعين لا يوازيان نصف علو العمارة الصوتية القبنجية. الوحيد الذي شذّ على قاعدة التلامذة، وجاء صوته تتمة اصوات الاساتذة ان من حيث القوة أو علو الطبقات، او العذوبة، هو وديع الصافي.
ويبدو ان بين عسكر العرب وعسكر نابوليون بعض الاشياء المشتركة، منها الجنوح نحو عادة الهزيمة، وأخذ الصالح بالطالح في درب الانسحاب اوان التقهقر. فبعد نحو الخمس والعشرين سنة على حكم الضباط العرب غاب او شاخ معظم مطربي المرحلة في مصر، مات عبد الحليم حافظ، وانزوت نجاح سلام وسعاد محمد، فيما آذنت شمس نجاة على الغروب. في سوريا والعراق، تأمم الطرب (من أممية وليس من باب التأميم)، فشاخ يوسف عمر في العراق (بعد ان مات ناظم الغزالي وحضيري ابو عزيز) وصارت اوبرا أنوار عبد الوهاب، هي المنافسة التقدمية لصوت فيروز الرحباني في لبنان. في دمشق، استمر صباح فخري المطرب ذا اللون الواحد (موشحات) لا مقدماً ولا مؤخراً في سياسة التطريب وانتقل الطرب العربي كله الى لبنان (أوائل الستينات حتى اندلاع الحرب الأهلية 1975).
(ابراهيم سلامة)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00