ما يجري في إسرائيل اليوم هو خصوصية اسرائيلية متأصلة بالنصوص والممارسات والتاريخ والمقدسات والمحرمات والعورات. فلا هو بالجديد. ولا بالمفاجئ. ولا بالمدهش: الجماعات الدينية المتطرفة (الحراديم) لا تعبر عن نفسها فقط (يقال إنها تُكِّون واحداً بالمئة! من اليمين الاسرائيلي!)، وانما عن الواقع بكل حيثياته، وتجسيداته، وروحه، ومتنه وأصوله وجذوره. التطرف الديني من خلال الأصولية الطافية إعلامياً وممارسة على السطح صحيح انه هال الغرب ما يجري هناك من جنون وصحيح أن الغرب يعبِّر عن استغرابه، وخيبته. وخوفه مما يرتكبه السلفيون في اسرائيل، وكأنما صفعة له وموضع شماتة من مواقفه المؤيدة للدولة العبرية، باعتبارها الدولة الديموقراطية الوحيدة، وسط الدكتاتوريات العربية، وموئل التسامح وسط ظواهر القسوة وإلغاء الآخر حولها. وكأن العالم نسي ان مجرد وجود دولة اسرائيل هو أقصى أنواع العنف والاغتصاب والقتل والمجازر. ماذا نقول عن كيان أسس على إلغاء أرض (بلا شعب) وناس وتشريدهم. بل لا نظن انه يمكن مقارنة ما يجري اليوم من ممارسات بما جرى على امتداد تاريخ اسرائيل!فكأن الذهول الغربي، نوع من التغطية على كل ما ارتكبه هذا الكيان منذ 1948. وليست المفاجأة في هؤلاء السلفيين النصوصيين بل المفاجأة أن تفاجأ بها، وكأنها من صنع الساعة أو اللحظة... فالكيان الصهيوني لا يمكن أني يُفرز إلاّ مثل هذه الظواهر الاقتلاعية لأنه جزء منها وهي جزء منه.
ويكفي ان نعرف ان اليمين الذي يحكم اسرائيل ديموقراطياً (!) الليكودي وسواه، لا يختلف سياسياً واجتماعياً عما يدور حوله. يمين متطرف يفرز ما هو أكثر تطرفاً منه. وهل يمكن أن يكون شخص كنتنياهو مختلفاً بجنونه وجموحه وتطرفه عن هؤلاء السلفيين؟ وهل يمكن أن يكون تافه كليبرمان، اقل تفاهة من هؤلاء الذين انتخبوه. وهل يمكن أن نفصل بين نمو هذه الظاهرة داخل اليمين الاسرائيلي وتراجع العلمانيين واليسار... والصهيونية بالذات؟ فالمسألة ليست في ظهور أو عدم ظهور السلفية اليهودية على السطح: انها رأس الجليد. ولكن ما أزعج بعض الاسرائيليين انكشاف هذه الأيديولوجية امام العالم (أي الأصولية)، وهو ما يعيبونه على الآخرين لا سيما الأصوليات الإسلامية. وقد سقطت أقنعة الديموقراطية، والمدنية ليبرز العمق المجتمعي والديني والسياسي في هذه الجماعات التي تذكرنا بالقاعدة.. وطالبان، والسلفيات المسيحية والإسلامية: فكأنها طالعة من ينبوع واحد! بل كأنها تجهر بأفول أزمنة التنوير، والعقلانية، والتطور. أكثر: كأن التطرف السلفي اليهودي تجاوز كل أنواع التطرف عندنا وفي العالم. أكثر: يأتي ظهور هذه السلفية، عندهم في الوقت الذي يظهر الربيع العربي القائم على التسامح والديموقراطية، والعدالة والتعددية. وهنا الفضيحة المجلجلة: تبدو اسرائيل ومع هذه الظاهرة ومع تنامي اليمين في السلطة ومع خطابها التوراتي النصي ومع ذرائعها بأنها شعب الله المختار وكأنما باتت، ازاء الربيع العربي تنتمي إلى الماضي وإلى السالف، غريبة عن الواقع المحيط بها، متصلة بمثل هذه الظواهر في أميركا كـحزب الشاي والجبهة الوطنية في فرنسا واليمين في السويد والدانمارك وولاية الفقيه في إيران والسلفيين في مصر .. وطبعاً القاعدة.. وهنا المشكلة الأساسية التي يحاول حتى اليمين الإسرائيلي تغطيتها لأنها تعني انضمام الكيان الصهيوني (على الرغم من ادعاءاته) إلى العالم الثالث، وإلى نتوء تشققات جذرية في نسائجه الأثنية والدينية والاجتماعية.
نقول ذلك ولا نغفل أن تصرف بعض المتطرفين، في المجال الاجتماعي من صلب الروح التوراتية خصوصاً المرأة والحجاب وفصل الذكور عن الإناث في المدارس والمؤسسات المدنية والعسكرية والسياسية، باعتبار ان المرأة ككل هي عورة وهي كائن دوني (من صلوات بعض اليهود أشكرك يا رب لأنك لم تخلقني امرأة، حقيرة، لا تستحق سوى.. الوضاعة!) وكذلك مسألة تحريم الصورة باعتبارها تقليداً لخلق الخالق.. وكذلك افكار مشروعية في دولة إسرائيل قبل مجيء المسيح المنتظر (بن غوريون وافق على منح هؤلاء السلفيين وضعاً مميزاً عام 1948 لاعتباره انهم قلة تأثيرلا لها ولأنه لم يكن يريد آنئذ خوض معارك جانبيه معهم). انهم أبناء الكراريس والكتب حيث يجب تكريس كل لحظة ودقيقة لقراءة النصوص المقدسة (الحراديم وتعني مخافة الله أو الورع النصوصيون. الحرفيون. الذين لا يرون في وجودهم سوى خدمة الرب!). بحيث يشكلون وان قلة نوعاً من الغيتوات المنعزلة . لكن اليوم يبدو انهم يريدون أن يحوّلوا إسرائيل كلها إلى غيتو يهودي مغلق. وهذا ما يفسّر نزولهم إلى الشارع ليطبقوا شريعتهم (الإلهية) فانتشروا في 31 كانون الأول الماضي ببيجامات مخططة ونجوم صفراء وشعارات تشبه العلمانيين النازيين. اضافة إلى جماعات منهم يتماهون بملالي إيران (نبتوا ري كارتا)، ويدعمونهم وآخر زيارة قاموا بها لإيران وقابلوا احمدي نجاد عام 2006: وهم بالذات يعارضون قيام دولة اسرائيل التي يعتبرونها دولة شيطانية وهي برفضها الدولة اليهودية ترفض استخدام الطوابع البريدية للدولة، أو حتى قماماتها.
لكن المرأة اتخذت حيزاً بارزاً من نشاطهم وهاجسهم: وقرأنا ان الطفلة نعمة مارغوليز (8 سنوات) كانت ضحية (الحراديم) بسبب ثيابها غير المحتشمة فراحوا يبصقون عليها في الشارع ويشتمونها. وفصل الرجال عن النساء في الأتوبيس: النساء في المؤخرة والرجال في المقدمة. (نتذكر ما كان يحدث في اميركا بين البيض والسود: الممارسة ذاتها) وقد عمد هؤلاء إلى نزع الصور النسائية عن لوحات الاعلانات، وابعاد النساء عن الاحتفالات الرسمية، ووصل بهم الأمر إلى فصل امرأة عن زوجها كما انه تم تحريم جلوس الرجال والنساء إلى جانب بعضهم وها هم يفرضون الحجاب. (الشيخ العلامة الشهيد صبحي الصالح كان يرى أن الحجاب ليس مسألة إسلامية)، أي أكمام طويلة، وأثواب طويلة حتى الأرض. أكثر: ظهرت نساء يهوديات منقبات أو يرتدين ملابس مماثلة لنساء أفغانيات. كأنها قندهار مصغرة... أو طهران ولاية الفقيه.
انها النماذج التي عرفناها جيداً في مجتمعاتنا، خصوصاً بالنسبة إلى المرأة... وإلى القراءة الحرفية للنصوص وإلى العودة إلى الينابيع والتراث ، أي قراءة ماضوية للحاضر والمستقبل. ذلك أن المسيحية والإسلام ورثا كثيراً من المعتقدات اليهودية وسواها (المرأة كعورة، تحريم أكل الخنزير، الحجاب، فصل النساء عن الرجال، دونية المرأة، تحريم الصورة...الختان وهذا يعني خصوصيات مشتركة بين المتطرفين المسيحيين (القرون الوسطى واليوم..) والمتطرفين الإسلامويين والسلفيين: كأنها يعبون من ينبوع عقائدي واحد! ولم لا، فهم أهل الكتاب في القرآن والعهد القديم في الانجيل!... كأن نظام التواصل على قواعد التحريم والتداخل واحتقار المرأة!
إن هذه العودة إلى الأصول وإلى السلف الصالح وحتى إلى الآباء المؤسسين الذين عملوا على انشاء هوية اسرائيلية (عبر الصهيونية) جديدة، ها هي تتجدد مع حكومة نتنياهو بشعار ديني متطرف اعلان إسرائيل دولة يهودية. والغريب أن الغرب الذي ينتقد ظهور هؤلاء المتطرفين في شوارع تل أبيب وفي مناطقها الخلفية، لا يعترض على إعلان الحكومة العبرية إسرائيل دولة يهودية! لا يعترض على هؤلاء الذين يبنون المستوطنات على الأراضي الفلسطينية تحت الشعار الألهي ذاته (إسرائيل الكبرى كما ورد في سفر التكوين) لكن محاولات المسؤولين الإسرائيليين من الليكود وسواهم للاعتراض على ممارسات هؤلاء المتطرفين ليست سوى في الحدود اللفظية الموجهة إلى المجتمعات الغربية المتواطئة أصلاً معهم، كأنما يريدون ان يقولوا صحيح إننا نريد تهويد القدس... (سبق أن هودوا الجولان) وكل شبر من أرض شعب الله المختار لكن نرفض ان تكون بلادنا طهران ثانية ولكن هذا كله من نافل القول. فالتحالف اليمين الليكودي مع اليمين المتطرف (نتنياهو ليبرمان) يُغذي كل هذه الظواهر وينميها ويمولها، ويمنحها الاستثناءات لأنها جزء منه؛ وتعبر عن أعراضه وسبب من أسباب وجوده... وقيام الكيان الصهيوني! فاليمين (بمكوناته) يرى في كل علماني في إسرائيل عدواً، وكافراً وشيطاناً وخائناًّ!(أو ليس هذا ما مارسه سلفيونا الأبرار في بعض البلدان العربية؟) أو لم يستخدم نتنياهو كل الأساليب الانتخابية لأبلسة العلمانيين؟ أكثر! او ليس هذا تفسيراً واضحاً لتراجع الأحزاب العلمانية من شيوعية ويسارية ويمينية معتدلة أمام هجمة اليمين التقليدي والمتطرف. في جبهة واحدة!! كأن نقول إن الكيان الصهيوني لا يعيش إلاّ على التطرف والعنف والقوة (معظم قياداته جنرالات حروب!) او لم تساهم إسرائيل في قيام مجموعات دينية وطائفية ومذهبية متطرفة (بالتعاون مع المخابرات الأميركية وسواها) لمحاربة عرفات داخل فلسطين، أو دعم أنظمة وأحزاب ميليشيوية تقسيمية في بعض البلدان العربية، على صورتها! كأنما التطرف جزء من وجودها. أو شرط من شروط استمرارها. وعلى هذا الأساس من الصعب التمييز بين يمين معتدل وآخر غير معتدل. بين صقور وبين حمائم. بين يمين سلفي وآخر غير سلفي. وخير دليل على ذلك ان الحكومة الإسرائيلية الراهنة (نتنياهو - ليبرمان) من أكثر الحكومات يمينية. وما نشهده من بعض مجموعاتها اليوم (وكان أمس وقبل أمس) هو تعبير عن ضميرها وبنيتها وسلوكها: وإلاّ كيف يمكن إفلات هذه الحكومة المستوطنين لاحتلال المنازل والأراضي الفلسطينية في خطتها الاستيطانية وأي تعبير أقوى من نزعتها الاقتلاعية من بنائها الجدران الفاصلة من جهة بين الأراضي الفلسطينية وبين كيانها وما يسمى المناطق الفلسطينية. انه الاقتلاع نفسه الذي يجهر به السلفيون؛ والطبيعة نفسها التي تحركهم، والعنف المتمادي المرتد إلى الداخل. هذه هي اسرائيل اليوم، أثر ما يحكى عن ما بعد الصهيونية ما بعدها أو سقوطها بل هي الوجه الآخر المتشعب لها. ربما زال بعض المساحيق التجميلية كالديموقراطية، القيم الغربية، التطور التكنولوجي لا سيما صناعة السلاح...) لكن الوجه واحد. سحبت من الأدراج والخزائن ملابس قديمة وبرانيط عريقة وألوان قاتمة ونصوص جاهزة لكنها كانت موجودة ومتمادية أصلاً. يبقى أمر واحد ان اسرائيل التي لعبت أوراق القيم الغربية التي اشرنا اليها، تتظاهر اليوم حتى عبر يمينها الحاكم بالخجل من ممارسة هؤلاء السلفيين او تقلل من شأنهم (لا سيما في قضية حقوق المرأة، والتسامح الاجتماعي) او ربما تستفيد منهم داخلياً لمواجهة العلمانيين واليساريين كما فعلت أنظمة عربية كثيرة... لكن يبقى أن ما يجري هناك، مع طائفة الحراديم وسواها.. يجري كل لحظة في حكومة نتنياهو اليمينية من ممارسات وحشية، اقتلاعية ضد الفلسطيين : اترى التطرف اليميني الديني ضد الفلسطينيين ديموقراطية وانفتاحاً وتسامحاً أو ظاهرة شرعية ومقبولة.. والتطرف داخل اسرائيل.. وصمة! انهما وجهان لعملة واحدة، لا أكثر ولا أقل!
لكن الفائدة الوحيدة في صعود هؤلاء على السطح، انهم يذكروننا ببضاعتهم الرائجة عندنا... من تطرف وأصولية وجنون وماضوية.. بل كأننا نقول هذه بضاعتهم ردت إليهم.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.