8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الفصل الأول من ثورة 25 يناير

في الذكرى الأولى لقيام ثورة يناير المصرية تتأرجح المقاربات بين تخوف من وصول الإسلاميين إلى قلب السلطة في مصر، وبين دعوة إلى الانتظار بصبر وروية لما بعد تسلم هؤلاء الحكم فعلياً، على مختلف الأصعدة، وبين غموض صفيق يلف أجواء آخرين، لا يرون في الأفق القريب معالم واضحة للمواقف والمواقع. تخوف. انتظار. وغموض. لكن مع هذا يبدو ان معظم الأوراق قد انكشفت. وإن كان بعض اللاعبين الجدد (والقدامى) يخفون أوراقهم الأساسية، أو يتَقنَّعون في انتظار اللحظة الحاسمة. فموقف السلفيين بات شبه واضح ويقوم على مواجهة القوى الشبابية الثورية ذات الاتجاهات القومية والعروبية والليبرالية واليسارية مواجهته الأخوان ليكونوا المنصة الرئيسية والفاعلة، أو المشوشة أو المزايدة للسلطة. المجلس الانتقالي ملون وحربائي. يحاول قدر الإمكان ان يحتفظ لنفسه من قطاف الثورة ما يبقيه في الأداء الأول للامتيازات الاقتصادية والسياسية وفي القرارات، وفي المشاركة الراجحة، بين القوى الجديدة. اما الميدانيون أصحاب شعار الثورة لم تنتهِ والثورة الثانية المعلنة أي رواد الثورة الذين همشتهم تسوناميات السلفيين والإخوان في صناديق الاقتراع بحيث بدا وكأن هناك تناقضاً بين الديموقراطية المباشرة عبر الانتخابات، وبين نقاء الضمير الثوري. بين أحلام تغيير النظام (لا الأشخاص) وبين أهل السلطة. فهو صراع مقبل بين منطق الحكم، وبين منطق الثورة.
على هذا الأساس يظهر أن الراديكالية الفكرية والسياسية الإيجابية باتت تسكن في ميادين التحرير، وليس عند الإخوان التوافقيين حتى الآن بين جمع عسير يلّم في منظومة مجهولة المنحى الإسلاموي والآخر المدني، وصولاً إلى العسكري والأمني، لكي لا نقول الاقتصادي والاجتماعي. بل كأن الميدانيين غير المنتمين هم الذين يحملون أعباء راديكالية شعبية، ترى بين طرح جذري يكون مقدمة لنظام مدني، علماني. باعتبار ان الصيغة الجديدة التي يتنباها (حتى اليوم) الفائزون بالانتخابات والمجلس العسكري وبعض القوى التقليدية، هي هجينة، كأن تجمع بين الماء والزيت فهؤلاء الميدانيون عندما اشعلوا الثورة وحدهم، كان الأخوان والأحزاب العريقة والتقليدية يفاوضون النظام، بعيداً عن الساحات والميادين. الثوار وحدهم من الاسكندرية إلى بور سعيد، فميدان القاهرة كانوا يحتلون المربعات ويعلنون المطالبة بسقوط النظام. هؤلاء أوائل المواجهين كأنما يرون انهم يحملون شرعية الثورة، التي سُرقت منهم بكل الوسائل المقبولة وغير المقبولة، بما فيها التحريضية والدينية في حملاتهم الانتخابية بل وقد شعروا أن انضمام الأخوان وسواهم إلى صفوفهم لم يكن أكثر من مرحلة أولى لمصادرتهم لتكتمل في المرحلة الانتخابية بل يشعرون ان العسكر أخفوا نياتهم الحقيقية (وكذلك الأخوان) لا سيما بالنسبة لتغيير البنية السياسية للنظام، وإذ بدا بعدها، أن العقل الانقلابي العسكري اقتصر عن خلع رئيس النظام حسني مبارك، وليس النظام نفسه. أي خلع قبعة النظام أو واجهته.. ليستأثروا (ضمن صفقة ربما أميركية أوروبية- عربية) بعدها بالحكم محافظين على كل مساوئ النظام القديم، ولا بأس أن تحالفوا (من ضمن الصفقة) مرحلياً أو طويلاً مع الأخوان، ليشكلوا المتون السلطوية القائمة ربما على نموذج تركي روسي بين محاصصة أو مشاركة أو مزاحمة حتى ليكون لأحدهم أن يُصّفي الآخر. فمن سمات الأحلاف إنها غير أبدية. وككل الثورات يتساقط القاطفون الأوائل... أولاً! وإذا عدنا إلى الوراء أي إلى عهدي السادات ومبارك... فلن نجد الأخوان بعيدين عن المسؤولية. وكما قال المفكر المصري الكبير سمير أمين كان الأخوان صمام أمان النظامين الساداتي ومبارك، ومُنِحوا مساحات واحدة من النفوذ على صعيد القضاء والاقتصاد والسياسة والقوانين. إذاً، فلماذا لا تتكرر اللعبة اليوم على المكشوف بتهميش ثوار الميدان... والسلفيين معاً: أي ما يمكن تسميته ولو اصطلاحاً الراديكاليين الجدد. الأوائل يريدون نظاماً مدنياً شاملاً، والسلفيون يريدون نظاماً اسلامياً كاملاً. وبينهم الوسطيون يريدون ترداد اللعبة القديمة يمارسها الأخوان والعسكر ضمن مقايضات ومحاصصات في تقسيم المغانم، وابقاء هيمنة عسكرية من جهة، وهيمنة اخوانية من جهة: انه وفاق القبعة والعمامة. ولمِ لا! فليكن، وازاء تشابك المسؤوليات قد يتجمد الوضع، وتتجلد الرؤيا وتضيع الاستراتيجيات لأن هؤلاء بكل بساطة لم يعودوا وحدهم، في الساحة كما كانوا أيام السادات ومبارك على حلف من تحت الطاولة، واختلاف فوقها استدراراً لمعارضة مبهمة أو استثماراً لسند اسلامي من قبل الرئيسين السابقين.
ونظن أن أي حلف قد يقوم حالياً في تقاسم السلطة، لن يكون في الوجهة الحاسمة، والنهائية. وإذا كنّا رسمنا خريطة للقوى التقليدية والدينية والثورية الشبابية فيعني ان تعددية ما فرضت نفسها بعد الثورة، تعددية، سياسية ، فكرية، وحتى دينية واجتماعية. من هنا بالذات يمكن توقع اتساع دوائر هذه التعددية وحدودها واحتمالاتها وقراءاتها، إما من خلال انشقاقات في صفوف الأخوان (بين القدامى والجدد) او في صفوف السلفيين... أو ظهور مقاربات جديدة تحت سقف تعددي عند ثوار الميادين غير المنتمين.. ونحن ننتظر وعلى الرغم من ممانعة التحالف الأخواني العسكري، نشوء أحزاب وحركات سياسية وأيديولوجية وثقافية جديدة، وكذلك وسائل تعبير من تلفزيونات وفضائيات وصحف ومجلات ترتبط بهذه التنوعات، وتكون تطويراً لمبدأ التعددية في أفق مفتوح وغير محدد لا بقوانين طوارئ (ألغي عشية ذكرى الثورة) ولا باعتساف أمني، ولا بتشهير ديني ولا بنمطية أيديولوجية معروفة. هذه التعددية المفتوحة بالذات يمكن اخصاب الحركة السياسية والفكرية بها ويمكن فتح آفاق أخرى ابعد من تجمعات وتحالفات مرحلية، وحسابات سلطوية، إلى ايجاد بدائل تنطلق من الاتصال المباشر بالواقع، إلى اتصال حميم وخاص بمكونات المجتمع وطبقاته وفئاته، بحاجاته وضروراته ومتطلباته.. وهنا يمكن الكلام على انتقال سلمي من الميادين إلى الناس كنوع من الاتصال التغييري، أو الاستلهامي لحلول ومقترحات بنيوية. بل، ومن خلال ذلك إخصاب نمو قوى حزبية جديدة، وحركات سياسية وثقافية نتيجة هذا الاتصال، وبجدلية حية. وهذا ما ينسجم أساساً مع روح الثورة، ليس بالمعنى الارتجالي أو الانفعالي (أو الشعري)، وانما بالمعنى الاجتراحي الخلاق، فلا أفكار تهبط على الواقع. ولا ايديولوجيات تقولبه على قياساتها والزاماتها. ولا تجريديات جاهزة (دينية أو علمانية أو اثنية أو جغرافية) تجرد الحياة نفسها من حرياتها الطبيعية والمكتسبة. بمعنى آخر اجتراح مقاربات طالعة من احتمالات الواقع وليس من إلزاميات مطلقة. وبهذا تكون الثورة المصرية (والثورات العربية الأخرى) تدشن أزمة ما بعد الأيديولوجيات الأبدية والنظريات المُعمّمة والكليشيات الجاهزة. التاريخ ليس حركة نقية، أحادية، مُنزّهة، بقدر ما هو صناعة من صناعات الحياة. التاريخ لا يتحكم بالأقدار فيكون قدرياً، بقدر ما هو تأمل في الظروف الخاصة حتى الاستثنائي منها. وبهذا الخروج الذي يمكن أن نسميه إعادة تصويب مستمر لفهم الوقائع أي قراءة التاريخ من حواس الحياة، وليس العكس، يمكن الولوج وبأدوات مستحدثة بلا انقطاع ولا توثب، إلى عمق الاعتمالات والشراكات.
أوليست هذه من شروط فرص تفكير جديدة. فالواقع هو الجديد الفكري، وليس الفكري الجاهز هو الجديد. وقد تعلمنا ذلك من مجريات القرن العشرين، قرن اليوتوبيات القاتلة والنظريات والمدارس الاعتسافية، سواء في الأيديولوجيات العنصرية أو الدينية أو العلمانية أو الأدبية أو المسرحية والسينمائية والفلسفية. (وهنا نتذكر الاختلاف بين سارتر الأيديولوجي المُحدد وكامو المتمرد على الأيديولوجي. وقد برهن الوقت ان هذا الأخير قد اصاب، وان كثيراً من سارتر انطوى مع تلك المرحلة ولا نستثني هنا الواقعة بين آرون وسارتر: الأول ليبرالي والثاني أحادي، الأول يرى في الأيديولوجيات المطلقة (ككامو) أفيوناً للمثقفين، بينما الثاني يرى فيها صحوة أبدية لفهم التاريخ. من هنا يمكن الكلام ان الثورات العربية ومنها ثورة يناير بقواها اللامنتمية هي اتصال حميم بالتاريخ الحي. ومحاولة تجاوز اللاتاريخ الأيديولوجي.. (فالأيديولوجيا تفسير مقلوب للتاريخ) ومحاولة البحث عن عقارب جديدة للوقت. وساعات غير متينة له ونبض بايقاع منبثق من المعيش واحتمالاته، والمعاناة ومكابداتها والحميمي وحرارته. وهذا ما تفتقده الأحزاب الدينية والقومية والعلمانية التقليدية في مصر. انها من فلول القرن العشرين. وتحديداً العسكرة. عسكرة القوانين. والاقتصاد. والحريات. والحقوق على طريق المنظومات الاستبدادية، من نازية إلى ستالينية، إلى ماوية، إلى صهيونية، إلى سلفية (تنتشر اليوم في القارات الأوروبية والأميركية كبدائل من أيديولوجيات القرن العشرين. لكنها بدائل طالعة من تلك الظواهر المطلقة ومطابقة لها في حيثياتها وأهدافها، وعندما نقول إن شباب الميدان في مصر (ومعهم شباب تونس واليمن) يعلنون الثورة الثانية (غداً الثالثة والرابعة وبلا نهاية)، فيعني محاولة كسر تلك الجداريات اللاتاريخية المتصلبة والتي يمثلها العسكر (كأيديولوجيا بلا حلول) والأخوان... والسلفيون والعلمانيون التقليديون. أي الخروج من اللاتاريخ الأيديولوجي المغلق، إلى التاريخ المفتوح بمفاجآته وعلاماته وشفراته ومجازاته وكنوزه الكامنة في الواقع نفسه. وفي مقابلة شيقة أجرتها في العدد السابق لوفيغارو ماغازين مع المفكر اللغوي والسياسي تودوروف قال، إن الديموقراطية تفرز اعداءها... وقد توقف عند العديد من هذه الظواهر. لكن اذا كانت الديموقراطية تفرز اعداءَها فما بالك بالدكتاتوريات الدينية، والسلطوية واللاهوتية والعلمانية والعسكرية. انها مصنع عميم لإفراز نقائضها واعدائها. اليوم، في ذكرى ثورة يناير الأولى، يمكن القول إن شباب الثورة الذين ما زالوا معتصمين في ميدان التحرير (والمنتصرون بدأوا يتربعون على أرقام صناديق الاقتراع)، باتوا يعرفون انهم الجهة المخولة للاستفادة من الزمن الجديد الذي دشنوه. بل يكادون يكونون الأقرب إلى العمل على استثمار ما يمثله أهل السلطة الجدد، (متحالفين أم غير متحالفين) من غربة عن الحقائق التاريخية والاجتماعية والسياسية (بفعل لاهويتهم أو فقهيتهم العسكرية والأيديولوجية المغلقة)، وما ينتظر من أداءاتهم.. ليكونوا فعلاً من يقطف وإن على مدى بعيد ثمار الديموقراطية النابضة ويكونوا جاهزين فكراً وعقلاً وقلباً ويداً وعملاً، على صوغ حلولهم المفتوحة... للثورة المستمرة... وللزمن الجديد المفتوح بكل بواباته على المستقبل.
وإذا كانت الديموقراطية تفرز اعداءها فان تحالف الدكتاتوريات العسكرية الغيبية تصنع سقوطها بامتياز، لأنها عدو نفسها، والآخرين! وعلى شباب الثورة ان يكونوا على جهوزية تامة... انتظاراً لذلك السقوط المتوقع لتحالف العسكر والمتهالكين الجدد على صناديق الاقتراع!

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00