الثورة السورية تتقدم، على مدارات مختلفة، بايقاعات متسارعة وعميقة ومعبرة. بدأت بخربشة أطفال على جدران في درعا فليسقط النظام. ثم ألهبت كلمات هؤلاء بعد اعتقالهم وتعذيبهم على أيدي القوات الأمنية، الناسَ، فنزلوا إلى الشوارع، ومن طبشور الأطفال، وأصابعهم وأجسادهم حاملة آثار الوحشية، انطلقت الشرارة. ومن الشرارة في درعا، إلى اللهيب في حمص وحماه ودير الزور وادلب وريف دمشق، وحلب.. شرارة تطعم شرارة. وشهيد يرث شهيداً. ثم اعلان الثورة الشعب يريد اسقاط النظام. انها الحرية التي امتزجت بالهواء. الهواء الذي امتزج بالدماء، والأصوات، والنار. سوريا الحرية تولد في الأرياف والمرتفعات والمدن والشوارع والساحات والسهول والينابيع. تصدى الثوار لممانعي الإنسانية بصدورهم وقالوا ثورة سلمية شبيهة بشقيقتيها العربية في تونس ومصر (وقبلها في لبنان ثورة الأرز 2005) سلمية سلمية كل جسد منذور للموت. كل طفل منذور لأن يقصف في عز طفولته (450 شهيداً من الأطفال) كل كهل يجدد شبابه بالكرامة. كل امرأة تنضم إلى الوطن بصرخة مدوية. لكن كان للنظام أن يهتك الأعراف (وهو هاتكها على مدار ستة عقود) وان يكشر عن أنيابه الهمجية (وقد كشر عنها في لبنان وفلسطين والعراق: وليس في اسرائيل) وأن يستخدم السلاح الذي دفع ثمنه شعبه للقتل، وارتكاب الفظائع والمجازر والتدمير وجعل من المدارس والهنغارات والملاعب سجوناً لعشرات الآلاف. فالجيش الذي يفترض انه حامي الحمى والديار ها هو ومع الشبيحة والمخابرات، يحمي النظام.. ويفتك بالثوار.
كان الجيش الحر، ورديفه السياسي المجلس الوطني والتنسيقيات (لطخة عار ان تنقسم المعارضة بل خيانة للثورة ولسوريا وللربيع العربي)، انضم اليه الألوف، دفاعاً عن أهلهم الذين تحصدهم آلة النظام البربرية. فمن بنية سياسية إلى عسكرية وشعبية. ها هم المثقفون السوريون الأحرار، يعلنون خروجهم من اتحاد الكتاب العرب ، اتحاد الكتبة والمخبرين والسند الثقافي المزيف الرسمي، الذي ما زال يرئسه أحد المخبرين الأميين حسين جمعة، الذي حاول باسم النظام، الاعتداء على التاريخ الابداعي والنضالي للكاتب المسرحي الكبير سعدالله ونوس وفنانيها، أخيراً رابطة ثقافية حرة، تشكل الخلفية الفكرية والأدبية للثورة. كتاب أحرار، لثورة حرة، ولجيش حر، ولمجلس وطني حر. ولشعب حر. إذ كيف يمكن أن تكتمل عناصر أي ثورة من دون مبدعيها وشعرائها ومسرحييها وفلاسفتها ومفكريها وروائييها وصحافييها. فمقابل مثقفين وفنانين وكتاب انحازوا إلى جلادي السجن الكبير، والقمع التاريخي والوحشية والاستبداد مقابل كتاب أقرب إلى مخبري الطغاة، ها هم كتاب سوريون يولدون في ساحات الحرية، وفي فضاءاتها، وفي أصقاعها. ألم يَردْ في البيان الذي اصدره مؤسسو الرابطة بموازاة ثورة شعبنا السوري، من أجل الحرية والكرامة والنهوض الوطني، نعتزم نحن المثقفين السوريين، تأسيس رابطة للكتاب السوريين الأحرار تعبر عن مشاركتنا في الثورة السورية داخل الوطن وخارجه، ووقوفنا إلى جانب شعبنا الثائر، وعن شعورنا بالحاجة إلى إطار ديموقراطي ومستقل لعموم الكتاب السوريين، يعبر عن الواقع الجديد لسوريا التي تولد الآن في شوارع الحرية.
رابطة مستقلة لكتاب مستقلين، لطالما كان حلماً، تقنصه المخابرات والقمع والقتل، والنفي. كأنما كان من شروط كل كاتب وفنان في بلاد البعث، ان يرتهن للسلطة ويتواطأ معها ليمنح اعترافاً به. وكأن سلطة المثقف من سلطة النظام، وكأن حرية المثقف ضرب من ضروب العمالة والتآمر على وحدة البلاد واثارة للفوضى، ودعوة الى التخريب. لكن استقلال المثقف لا يمكن ان يتم في حدوده الدنيا من دون الحرية، التي تعني بتعبيرها العملي الديموقراطية ولا غير الديموقراطية. وهذا يعني الانحياز الى كرامة الفرد والمجتمع والابداع. فها هو الشارع السوري يُنجب رابطة حرة تشبهه ويشبهها وها هي رابطة تشبه ناسها وأحلامهم، ولا تشبه النظام. أي تشبه حرية الاختيار والتعددية، والاختلاف، في مواجهة ثقافة الصوت الواحد التي فرضها هذا النظام الفاشي.
وقد ورد في بيان التأسيس سعي الرابطة إلى نقد وتفكيك ثقافة اللون الواحد التي كرسها استئثار حزب البعث الحاكم بالسلطات المادية والرمزية وسلوكه الشمولي الاقصائي الذي تجسد في اتحاد الكتاب العرب على مدار عقود من التعسف الأمني. أي اعادة بناء ما تهدم من الذات الثقافية السورية، في اطار حركة الثقافة العربية وبالتفاعل على ما انجزته الثورات العربية. فلا علي عقله عقرسان آخر. ولا حسين جمعة آخر: من الأبد إلى الأبد على غرار القائد الواحد الخالد من الأبد إلى الأبد.
التحق الكتاب السوريون من الداخل والخارج، بثورة اهلهم. هل تأخروا في الالتحاق بالركب. لا! هل بكروا؟ لا! انها حسابات ضيقة لا نظن ان المؤسسين اخذوها بالاعتبار. ولطالما سمعنا أصواتاً من الثوار ومن العالم العربي تصرخ واكُتاباه! ليلبي الكتاب الدعوة. لم يعد القلم غريباً عن حبره. ولا الحبر من ماء. ولا الأصابع من خشب ولا العيون من زجاج (عيون الكتاب والشعراء والفنانين المرتبطين بالطغاة ضد شعبهم. او هؤلاء الصامتون بتواطئهم في بلاد الشام والعرب ولبنان ومصر...)، ولا العقول مخدرة بمكاسب السلطة. ذهب زمن مثقف النظام في سوريا والاتباع في لبنان (يا حزني على شعراء في لبنان يصفقون لقتلة الأطفال والعزل. يا حزني على نهاياتهم المزرية. يا حزني على أدمغتهم اليابسة كعقول المخابرات: شاعر ومخبر؟ رهيب! فنان ومخبر؟ رهيب! مسرحي ومخبر؟ رهيب. مفكر ومخبر؟ رهيب! وهل يحق لشاعر انضم إلى القتلة بأن يفكر في كتابة جملة شعرية واحدة! وماذا يتبقى من هذا الشاعر من مشاعر انسانية لكي يكتب جملة واحدة !؟).
انه الزمن الجديد للثقافة اعلنه كتاب من كافة الأصقاع والقارات تأييداً للربيع العربي. وها الزمن الجديد تكرسه سوريا عبر رابطة الكتاب الأحرار. وهنا ليس إلا ان ادعو إلى تفكيك اتحاد الكتاب اللبنانيين الحالي المنحاز إلى الطغاة داخل البلد، والى النظام السوري، فهو ليس أقل خيانة وسوءاً من اتحاد الكتاب العرب في سوريا! وانشاء اتحاد جديد يضم الحراك الشعبي الحر في لبنان والربيع العربي! نعم! زمن جديد للثقافة، على الرغم من كل ما نتوقعه من عقبات وشدائد واعتراض مخاض، زمن جديد لثقافة حرة خارجة على هيمنة البنى البائدة، والأحزاب التافهة، والقبائل والطوائف ثقافة تشبه شعب الربيع العربي، الحي، المقاوم، الممانع (ما ابشع هذه الكلمة عندما ينطقها المستبدون واذنابهم الاعلاميون والمثقفون! يا للخديعة!) وهل يمكن ان نتوقع تغييراً في الثقافة من دون حرية. ومن ثورة حرة. ومن دون شعب حر، يخلع الطغاة عن كراسيهم بكل ظواهرهم ومخلفاتهم وتواريخهم المنتنة والفاسدة والمتخلفة؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.