8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إسرائيل تُنجٍد حلفاءها الطُّغاة!

إسرائيل تخشى من تحوُّل الربيع العربي إلى شتاء إسلامي. والأنظمة المتساقطة أكدت بدورها مخاوفها باتهام العصابات المسلحة، والإسلاميين المُتطرفين والأصوليين (وطبعاً أميركا وأوروبا والاستعمار) بأنهم وراء ما يجري. القذافي أشار إلى القاعدة وكذلك علي صالح من دون أن ننسى الهارب الأول زين العابدين بن علي وصولاً إلى النظام السوري... وربما غداً في أمكنة أخرى باتت مهيأة لربيع جديد.
من الطبيعي أن تعبّر إسرائيل عن مخاوفها لكن ليس من الشتاء الإسلامي (والشتاء الصهيوني مستمر طويلاً منذ أكثر من ستة عقود عندنا وكذلك شتاء الديكتاتوريات العربية) وإنما من الربيع العربي نفسه، الذي تقدم بشعارات حية غير عنصرية (وإسرائيل وطن العنصرية)، ولا طائفية (وهي عاصمة الطائفية)، ولا عنفية (وهي وارثة الظواهر الاستبدادية والاستعمارية من نازية وستالينية)، ولا انقلابية (وكيانها هو أكثر من انقلاب وأكثر من احتلال: هو اغتصاب كامل لأرض وشعب)، ولا عنفية (وهي أي إسرائيل الظاهرة الأعنف والأقمع والأوحش والأهمج في العصر الحديث). الربيع العربي مفتتح لزمن جديد، إسرائيل لا تنتمي إليه، ولا حلفاؤها السريون الأبرار من الطغاة العرب، وبداية لتاريخ آخر مختلف عن تواريح القرن العشرين، قرن الحروب والأيديولوجيات الشمولية والدكتاتورية والعرقية (وإسرائيل من أدمغ علاماته بل هي محصلة طبيعية له وللاستعمار).وإذا كانت إسرائيل فعلت المستحيل عبر لوبياتها في الولايات المتحدة وأوروبا لمساندة بعض الأنظمة العربية التي تداعت في الربيع العربي، أو التي في طريقها إلى التداعي (بإذن الشعب العربي العظيم)، فلأنها تعرف جيداً إنها وهذه الدكتاتوريات على تقاطع مصيري، لتشابك الظروف والمصالح التي ساهمت في قيامها واستتبابها وبالتزامن، بل تعرف انها ما كان في مقدورها أن تكسب الحروب، وان توسع خرائطها الجغرافية، وتحقق أحلامها التوراتية وتؤكد كيانيتها، وتثبت وجودها وتحتل ما تحتل من الأراضي العربية (الجولان المهوّد) وتنفذ خططها الاستيطانية في غزة والضفة... لولا وجود مثل هذه الأنظمة العربية، أليفة الهزائم، وصنيعة الانقلابات. فهذه الأنظمة الشتائية الداكنة، والعاقر، هي التي أدامت الشتاء الإسرائيلي في فلسطين وفي المناطق التي ما زالت تحتلها (الجولان) ومزارع شبعا (هل هي لبنانية أم سورية يا حضرات؟)، وهي التي طلعت بقتامها وشؤمها على شعار تحرير فلسطين، وهي وبنياتها العسكرية والسياسية الهشة صنعت هزائمنا في الوقت التي صنعت فيه انتصارات العدو الصهيوني. وباسم الصمود والتصدي (الله لا يفرجيك!)، ودول الطوق (الله يفرجيك) والمقاومات (وقد أيدنا المقاومتين الوطنية والإسلامية لفعلهما المقاوم وليس لمشاريعهما السياسية الداخلية والخارجية وعلينا التفريق بين مقاومة ضد العدو وبين استخدام سلاح المقاومة لاحتلال الداخل كما يفعل حزب ولاية الفقيه المستوزر والمُستَسْلط بشهية لا تضاهيها سوى شهوانية وفجعنة الجنرال وعوائله المحترمين) ولا الأنظمة التافهة التي استغلت شعارات تحرير الأرض لتقتحم هذا البلد كوصايات كسوريا وإيران (دام ظلهما الشريف الوارف). وكلنا يعرف ان تداخل أطماع هذه الأنظمة في لبنان وتضارب هوياتها، وصراعاتها واستباحتها القيم السياسية والإنسانية ودوسها الكرامات، ونهبها الثروات، وأشكال قمعها الوحشية، وفرض إرادتها على الواقع اللبناني، ودخولها كأطراف مسلحة في المعادلات الداخلية، وإحداثها اعطاباً قاتلة في الحياة الديموقراطية والسياسية والأمنية، كل ذلك جعلها صنواًَ أو شبيهاً لما يمارسه العدو الإسرائيلي في فلسطين والجولان وما مارسه في لبنان، بحيث بات من السهل الإشارة إلى ظواهر مشتركة وعميقة ومتقاطعة بين ما تهدف إليهم الوصايتان وبين الدولة العبرية. بل أكاد أقول ان محاولات تفكيك الوحدة الفلسطينية (سياسياً ونضالياً وجغرافياً ارتكبتها الوصايتان المذكورتان (بين السلطة وحماس انسحاباً على غزة والضفة) خدمة لإسرائيل: أي تقسيم التقسيم. مما أراح العدو (عدا اطمئنانه العميم والواثق في الجولان الهادئ بإذن الممانعة (في لبنان) وجعله يفتك بالفلسطينيين وقبل ذلك باللبنانيين. كأنها خدمات متبادلة بين أهل الامتناع عن تحرير أرضهم، وبين إسرائيل. شتاءان يلتقيان على مساحات واسعة من التلاقي والتلاقح والتواطؤ والتبادل وحتى التعاون سواء من خلف الكواليس أو أمام خشبات المسرح. وإذا كانت أمور عديدة قد غابت أو غُيبت عن بال الكثيرين، وشوّشتهم شعارات تافهة من غُبار ووحل، فإن الربيع العربي اسقط هذه الحُجب وكشح ذلك الغبار، وظهرت نواحٍ كثيرة (ملتبسة) أمام الأعين. فالربيع العربي كسر العروة الوثقى بين هذه الأنظمة الشمولية، الأمنية، الفاسدة والمُدعّية (التحرير ومحاربة العدو)، وبين إسرائيل، بحيث بتنا نشعركم أن إسرائيل هي ضرورة لازبة لهذه الأنظمة، وكم أن هذه الأنظمة هي ضرورة لازبة بل ومصيرية لإسرائيل. ونظن أننا بتنا نكتشف أكثر فأكثر ومع تطور أشكال الثورات العربية، ارتباط مصائر هذه الأنظمة والاحتلال الصهيوني: فالكل يحتل أرضاً ليس له بقوة السلاح. الأنظمة تحتل أوطانها بسِحن محلية ووطنية، وإسرائيل تحتل فلسطين وظهرها محمي من عسكر هذه الأنظمة وأمنه وطغاته.
ولعلّ هذا ما يفسر هذه الغيرة الفاقعة عند بعض قادة بني صهيون، على الثورات العربية، وباتوا يعبرون عن مخاوف عليها من أن تقع فريسة الأصولية الإسلامية. (وكأن الأصوليات الإسلامية والمسيحية ليست تبريراً لأصولية إسرائيل). وهو خطاب الأنظمة المنهارة ذاته: تخويف العالم من تسلّم الإسلاميين السلطة عبر الربيع العربي، وشهر هذه الفزّاعات التي لم تعد تنطلي على أحد. إنها الذريعة التي تسلط بها الطغاة على شعبهم، طوال ستة عقود استدراراً لدعم الغرب وغير الغرب، وصنعوا بها هزائمهم المدوية. إسرائيل، في السر واليوم في العلن ترفع هذه الفزاعات، كمبادرة حُسن نية لهذه الأنظمة ومحاولة انقاذها وتسفيه الثورات العربية، وتشويهها. وكأن الدولة العبرية التي رتبت أمور حكامنا (أو بعضهم)، ورتب هؤلاء الأخيرون أمورها، أحسًت بأن بعض دعائمها بدأت تتخلخل بتخلخل حلفائها الأضداد المفترضين فهرعت إلى نجدة من تبقى منهم (عجزت عن حماية نظام مبارك وبن علي والقذافي...) وها هي تُعلن ما يشبه حالة طوارئ لنجدة من تبقى منهم (أليس غريباً ان يتهم بعض الطغاة أميركا وأوروبا وبعض العرب والأصولية (طبعاً)، ولبنان، والفلسطينيين بالتآمر عليهم... ولا نسمع كلمة واحدة تتهم إسرائيل! رائع!).
وإن أخذنا الأمور من جانب آخر، لوجدنا أن إسرائيل في محاولة تسفيه الربيع العربي، وتلويثه بقذاراتها إنما تحاول الدفاع عن وجودها كبنية، وكذريعة كيانية، وكنظام سياسي، أي تحاول انقاذ ما تبقى من الصهيونية هذه الظاهرة التي بدت متقادمة، وبالية إزاء الانتفاضات العربية. بدأت إسرائيل تظهر وكأنها تنتمي (كأنظمتنا) إلى عصر ماضوي، بالٍٍ، تماماًَ كما هي حال أخواتها مثل النازية والستالينية والماوية والأصوليات الدينية والعنصرية. تبدو إسرائيل اليوم وبعد فجر الربيع العربي، وكأنها تمخر سفينة بلا أشرعة، وتخطو على رمالٍ متحركة، وعندما ننظر اليوم إلى ما يجري هناك، وإلى تلك العقليات البائدة السائدة، تنفر أمامنا حقائق مذهلة وهي أن إسرائيل. اليوم، لم يعد لها ذريعة أو دور أو موقع تفاوض عليها، أو تبرّر نفسها به: فالثورات العربية كسرت حواجز الأيديولوجيات السابقة، وتجاوزت البنى الجاهزة بما فيها السلفيات العلمانية والدينية، والتي تنتسب إسرائيل إليها أصلاً، والتي تستمد منها قوتها، وطاقة استمرارها. بمعنى آخر يشعر حكام إسرائيل اليوم، وربما أكثر غداً، بأن ثوراتنا تهدد وجودهم وخطابهم السياسي والأيديولوجي التقليدي، ودورهم المتمثل في زعمهم أنهم الديموقراطية الوحيدة في المنطقة هذه الورقة بدأت الثورات العربية تنتزعها منهم، بديموقراطيتها، وجماهيريتها وسلميتها ومدنيتها وحريتها وشفافيتها وعصريتها؛ بل أكثر ان اندهاش العالم لا سيما الغربي بسلمية التحركات وحضارتها وتمسكها بالقيم الحرة، وضعت إسرائيل في المقالب الأخرى: على تخوم حقيقتها الفاشية، والقمعية وبناها المتخلفة وأيديولوجيتها الرجعية، لا سيما اليمين المتطرف منها وأكثر من ذلك. والأراجيز التي كانت ترددها عن تميزها عن العرب، كموقع متقدم للحضارة الغربية، من حيث ديموقراطيتها (الزائفة طبعاً)، قد بهتت، لا سيما عندما بدأ العالم يقارن بين ما تمارسه إسرائيل اليوم في غزة من عدوان وقتل وبين سلوك الثورات العربية، وشعاراتها السلمية، الديموقراطية، ومطالبتها بسيادة الحقوق المدنية، واحترام القيم الإنسانية.
ونقول أكثر: هال القيادات الصهيونية أن تصل عدوى الربيع العربي إلى قلب إسرائيل. أو لم تُعَنْونْ وسائل الإعلام العالمية بـ الربيع العربي في تل أبيب؟ أو لم يتماثل المحتجون الإسرائيليون بشعارات مأخوذة من الانتفاضات العربية الشعب يريد إسقاط نتانياهو. وهذا يعتبر من الكبائر: إسرائيل باتت تتأثر بجيرانها العرب؟ وأين أسوارنا العالية وجدراننا العازلة؟ إسرائيليون باتوا يقلدون الربيع العربي؟ إسرائيليون يهتدون وسائل الثورات العربية؟ إذاً، ماذا تبقى من دورها هي؟ وأين اعتدادها بأنها هي منارة الديموقراطية (بالطبع السوداء) في المنطقة، وهي تبدو أكثر فأكثر المكان المظلم الذي يحاول ناسه اقتباس انتفاضات الشباب العربي!
بمعنى آخر، ظهرت إسرائيل وكأنها تنتمي حقاً إلى الماضي البائد، وإلى عالم الدكتاتوريات البائدة والأنظمة التي تدب في عالم مظلم! كأنها صارت اليوم تظهر لكثير من العالم، وكأنها من المحطات الظلامية الأخيرة المتبقية من رواسب القرن العشرين والقرون الوسطى.
ونظن أن أخطر ما تخشاه إسرائيل في ما يحصل عندنا، حقيقة أن الشعب العربي قادر على تقرير مصيره، في حين كانت مطمئنة، أمس، إلى ان الطغاة (حلفاءها) هم الذين كانوا يقررون مصير شعوبهم. وتالياً، فإنها لن تكون في المستقبل قادرة على تقرير مصير الشعب الفلسطيني، والشعب السوري في الجولان.. انه منعطف كبير ظهور الشعب العربي بطلاً في معادلة الحرية والتحرير. وهذا العنصر وبفضل الاستبداديين كان شبه غائب. وكما كان الطغاة ينتخبون بالقوة شعوبهم وليس العكس، كانت إسرائيل تنتخب بالقوة مصير الشعب الفلسطيني (وحتى العربي). خصوصاً وأن الثورات العربية بددت الصورة السلبية المشوهة التي شاركت إسرائيل الأنظمة البائدة في ترويجها عنهم للعالم.
فمن الطبيعي إذا أن تنطق إسرائيل كفراً أخيراً وتُحرِّض على الربيع العربي، بمنطوق حلفائها من الأنظمة المتداعية. فالثورات العربية التي فضحت علاقاتها العضوية والمصيرية بهذه الاستبداديات فضحت أيضاً القدر البالغ من تخلف هذا النظام الإسرائيلي ورجعيته وغربته حتى عن الحداثة، والعصرنة، اضافة إلى ما يحرك، العالم برمته. نظامان مترابطان يتهلهلان: دكتاتوريات جنرالات العالم العربي ودكتاتوريات جنرالات إسرائيل: وهذا تحديداً ما جعل الثوار العرب يدركبون جنرالاتهم بينما ما زالت اسرائيل والإسرائيليون خاضعين كالقطعان، وفي ظل ديموقراطية القوة البائسة لجنرالاتهم! لم يعد العالم العربي عالم جنرالات، وإسرائيل في خلفية المشهد تدب دبيباً زاحفة امام جنرالاتها المجرمين والقتلة! وتسألون: لماذا تخشى إسرائيل الربيع العربي؟
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00